إيران واستمرار فشل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط

قسم البحوث والدراسات الإستراتيجية الأمنية والعسكرية 22-02-2026

يعتبر الباحث في الشؤون العسكرية والسياسة الخارجية جون هوفمان، في هذا المقال الذي نشره موقع معهد كاتو، أن ما يجري مع إيران والولايات المتحدة الأمريكية ليس إلا استمراراً في فشل الأخيرة وسياساتها في هذه المنطقة.
مبيناً أن الحرب العسكرية مع إيران في حال حصلت، ينطوي على خطر تكرار الإخفاقات نفسها التي رافقت التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط، وأن نافذة لتغيير المسار تضيق بسرعة أمام ترامب، وعليه أن يتراجع عن حافة الهاوية ويتجنب حرباً إقليمية كارثية جديدة، مشيراً إلى أن هذه الحرب لا تندلع بسبب مصالح أمريكا، وإنما بسبب إسرائيل، لا سيما رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
نص التقرير كاملا: إيران واستمرار فشل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط
بعد أن أمر بحشد عسكري ضخم في الشرق الأوسط، يبدو أن الرئيس دونالد ترامب عازم على الشروع في حرب مع إيران وهو صراع يتوقع البنتاغون أن يستمر لأسابيع، إن لم يكن لأشهر.
لم تقدّم الإدارة أي مبرر واضح للحرب، بل راحت تُسقِط روايات متغيّرة على مسار عمل يبدو محدداً سلفاً، فيما يدفع دعاة الحرب واشنطن نحو العمل العسكري رغم غياب أي رؤية نهائية واضحة.
والمضي في هذا الطريق ينطوي على خطر تكرار الإخفاقات نفسها التي رافقت التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط. إن نافذة ترامب لتغيير المسار تضيق بسرعة وعليه أن يتراجع عن حافة الهاوية ويتجنب حرباً إقليمية كارثية جديدة.
ثمة غياب لافت لأي مبررات ملموسة تفسر اندفاع الولايات المتحدة نحو الحرب مع إيران. فأنصار العمل العسكري يواصلون تغيير الأهداف والمعايير، على أمل توليد دعم لأجندة ثابتة تسعى إلى المواجهة مع إيران من دون موافقة الكونغرس.
في البداية، كان الحديث عن ضرورة استهداف البرنامج النووي الإيراني، الذي قدّرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية مراراً أنه ليس ذا طابع عسكري، رغم الادعاءات المتكررة بعكس ذلك.
في يونيو الماضي، تجاهل ترامب هذه التقييمات وقصف ثلاث منشآت نووية إيرانية في نطنز وأصفهان وفوردو، ليزعم فوراً أن الضربات “دمّرت بالكامل وبشكل تام” البرنامج النووي الإيراني وهو ادعاء ناقضته كلاً من الاستخبارات الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثم تحوّلت الرواية إلى استهداف مخزونات الصواريخ الباليستية الإيرانية، قبل أن تنتقل سريعاً إلى ضرورة “حماية المحتجين الإيرانيين” عقب اندلاع اضطرابات واسعة في البلاد، قُمعت بعنف شديد من قبل النظام.
والآن، يعود ترامب مجدداً للاستناد إلى البرنامج النووي الإيراني كمبرر لمزيد من العمل العسكري رغم ادعائه سابقاً أنه دمّره من دون تقديم أي دليل على وجود تهديد وشيك للولايات المتحدة.
هذه المحاولات المباشرة للتبرير هي جزء من دينامية أكبر بكثير. إذ تغذي هذه المبررات المتحركة عقودٌ من الجمود في السياسات ومصالح خاصة تدفع واشنطن في هذا الاتجاه. وفي قلب هذا الزخم تقف إسرائيل، ولا سيما رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو.
فعلى مدى أكثر من 3 عقود، حذّر نتنياهو من أن امتلاك إيران لسلاح نووي بات وشيكاً، وضغط مراراً على واشنطن لمواجهة طهران عسكرياً. وقد وجّهت إسرائيل سلسلة من الضربات إلى الموقع الاستراتيجي لإيران خلال أكثر من عامين منذ هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وحرب إسرائيل في غزة، والعمليات اللاحقة التي استهدفت حلفاء طهران الإقليميين وكذلك الجمهورية الإسلامية بشكل مباشر.
بدأ نتنياهو في حثّ ترامب على توجيه الضربة النهائية للجمهورية الإسلامية فور توليه المنصب. وبعد مقاومة أولية، تعثرت مفاوضات ترامب مع إيران، ويرجع ذلك أساساً إلى تبني الإدارة مطلب “صفر تخصيب محلي” الذي دفع به نتنياهو، وهو شرط تعجيزي.
ومع وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، أطلق نتنياهو ما سُمّي بـ”حرب الأيام الاثني عشر” في يونيو من العام الماضي، آملاً أن يؤدي ذلك إلى جرّ الولايات المتحدة إلى تدخل عسكري أعمق، وأن يفضي بحسب وثائق مسرّبة إلى هدفه القديم المتمثل في تغيير النظام بقيادة أمريكية. وقد نجح في استدراج ترامب إلى المواجهة عبر قصف المنشآت النووية الثلاث، لكنه فشل في إقناعه بتفكيك الجمهورية الإسلامية.
واليوم، يمارس نتنياهو وحلفاؤه في واشنطن ضغوطاً على ترامب للعودة إلى التصعيد، مستندين إلى كامل طيف المبررات المذكورة أعلاه سعياً لتحقيق هدفهم النهائي المتمثل في إسقاط الحكومة في طهران. غير أن اتباع نهج نتنياهو ينطوي على خطر توريط الولايات المتحدة في مسار تصعيدي مع إيران، خدمةً لطموحاته القصوى وعلى حساب المصالح الأمريكية.
إن المضي في العمل العسكري في غياب أي مبرر موثوق أو رؤية نهائية واضحة يمثل مقامرة متهورة، ويهدد بإغراق الولايات المتحدة في حرب كارثية أخرى في الشرق الأوسط.
كما سيشكّل ذلك حرباً غير مبررة إلى حد كبير بالنيابة عن دولة أجنبية لكن إلى أي غاية؟ فالقوة الجوية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام، ومن المرجح أن يدفع أولئك الذين يدفعون نحو العمل العسكري إلى توسيع نطاق الصراع عندما يتبين أن النتائج السريعة بعيدة المنال.
من غير المرجّح أن تدفع الإجراءات العقابية طهران إلى تقديم تنازلات لترامب في المفاوضات حول قضايا أكدت مراراً أنها غير قابلة للتفاوض. كما لا يوجد أي دليل على أن الضربات العسكرية ستعيد إحياء حركة الاحتجاج داخل إيران، أو تعزّزها إلى حد إسقاط النظام، أو تؤدي إلى أي نتيجة سوى مزيد من الاضطراب الداخلي. ومن خلال التعامل مع العمل العسكري كغاية بحد ذاته، تخاطر واشنطن بالانزلاق إلى صراع مفتوح بلا نهاية واضحة أو استراتيجية خروج محددة.
إن الدفع نحو الحرب مع إيران لا يتناسب مع مستوى التهديد الفعلي الذي تمثّله إيران للولايات المتحدة، وهو تهديد محدود للغاية. فقد جرى تضخيم هذا التهديد داخل واشنطن على مدى عقود. وتقيّد القدرات العسكرية والاقتصادية المحدودة لطهران قدرتها على إلحاق ضرر فعلي بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط فضلاً عن خارج المنطقة.
وهذا لا يعني أن إيران بلا دفاعات، إذ لا تزال تمتلك القدرة على إلحاق الأذى بالولايات المتحدة في حال وقوع مواجهة عسكرية، لا سيما ضد نحو 40 ألف جندي أمريكي منتشرين في أنحاء المنطقة. لكن مثل هذه المواجهة ليست ضرورية لحماية المصالح الأمريكية. فإيران لا تكتسب أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة إلا نتيجة وجودها العسكري غير المنتج، وشراكاتها الإقليمية المختلّة، وغيرها من السياسات المعكوسة في الشرق الأوسط.
إن الوضع الذي تجد الولايات المتحدة نفسها فيه اليوم هو من صنعها هي نفسها. إنها أزمة وُلدت من الاختيار لا من الضرورة. وعلى دونالد ترامب أن يقرّر ما إذا كان سيزجّ بالشعب الأمريكي في حرب جديدة قد تصبح بلا نهاية في الشرق الأوسط، أم سيغيّر المسار قبل فوات الأوان.
————-
المصدر: معهد كاتو – Cato Institute



