أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إيران وأمريكا بين الخوف والأمل: مُستلزمات الدبلوماسية في ظل ظروف اللايقين

في الظروف الراهنة، تواجه إيران قيوداً على الصعيدين الدولي والداخلي. هذه القيود ناتجة عن الضغوط الخارجية، والاحتجاجات الداخلية، والمشكلات الاقتصادية والبيئية المتراكمة، وما إلى ذلك. مجمل هذه العوامل تستلزم أن تتبنى الدولة نهجاً محافظاً لكن ذكياً في إدارة سياستها الخارجية والاقتصادية.

نهج عدم القابلية للتنبؤ في السياسة الخارجية

في إطار هذه الظروف، تسعى إيران لخلق سياسة من الغموض الاستراتيجي في تصرفاتها من أجل التأثير على معادلات تصرف الفاعلين الخارجيين. هذا النهج يتيح لإيران تعقيد عملية اتخاذ القرار لدى الطرف المقابل، ومواجهة ردود أفعاله غير المتوقعة بتحديات معرفية ورقابية.

العقيدة العسكرية الجديدة والجاهزية الدفاعية

استناداً إلى المواقف الأخيرة لكبار المسؤولين، غيّرت إيران عقيدتها العسكرية نحو الجاهزية الكاملة والرد المناسب وليس المتناسب على التهديدات. وهذا يشمل تعزيز القدرات الدفاعية البحرية والصاروخية، وكذلك تعزيز مجال الدفاع الجوي مع التركيز على المتطلبات الناشئة عن التهديدات الجديدة والاستفادة من تجارب الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً، وذلك لتقديم رد رادع في مواجهة أي عدوان.

الدعم الإقليمي ورسالة قائد الثورة

الدعم الاجتماعي الملحوظ القادم من دول إقليمية مثل باكستان والعراق ولبنان واليمن، إلى جانب تحذيرات وتأكيدات قائد الثورة الأعلى، يدل على إجماع نسبي لدعم إيران والتأكيد على العواقب المحتملة لأي عمل عدواني. كما أشار قائد الثورة في يوم 12 بهمن، فإن أي هجوم أمريكي يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية، وعلى أساس ذلك يمكن توقع أن جميع الأهداف الأمريكية في المنطقة ستُعتبر أهدافاً مشروعة للرد الإيراني.

تحليل القدرات العسكرية الأمريكية والإيرانية

على الرغم من تفوق الولايات المتحدة من الناحية التكنولوجية والقوة العسكرية، إلا أن وجود الصواريخ الإيرانية المدمرة والمتطورة، إلى جانب القدرات الدفاعية الأخرى للبلاد في المجال الهجومي، يؤدي إلى تقليل فعالية الإجراءات العسكرية الأمريكية في المنطقة. لذلك، فإن إيران، مستفيدة من هذه القدرات، أعدت ردودها المناسبة والرادعة على أي تهديد ضد أمنها ومصالحها الوطنية.

وعلى الرغم من انخفاض احتمال المواجهة العسكرية خلال الأيام الأخيرة، إلا أن إيران لا تزال تأخذ احتمال الحرب على محمل الجد وتحافظ على جاهزيتها للرد الفوري. إن عقيدة عدم القابلية للتنبؤ والردع هي نقطة تركيز استراتيجية إيران في مواجهة التهديدات الخارجية.

نظرة عقلانية لاحتمال المواجهة العسكرية

على الرغم من أن العقيدة الدفاعية الإيرانية في هذه المرحلة من التوتر قد أُعلنت بشكل واضح، ومن المتوقع ألا يقدم الطرف الأمريكي على أي مغامرة، إلا أن التجربة أظهرت أن احتمال إجراءات غير متوقعة ومفاجئة موجود.

النظرة المتفائلة باحتمال انتهاء الهجوم العسكري الأمريكي على البلاد هي غير واقعية، ويجب الحفاظ دائماً على الجاهزية لمواجهة التهديد العسكري. ومع ذلك، ومن منظور منطقي وعقلاني، فإن احتمال مواجهة عسكرية مباشرة مع أمريكا في الفترة الحالية قد انخفض، لكن هذا لا يعني نهاية التهديد.

نقطة أخرى في هذا الصدد هي عدم الغفلة عن أي شرّ قد يقدم عليه الكيان الصهيوني مجدداً لعرقلة وصول مسار المفاوضات إلى نتيجة، ويجب أن يؤخذ هذا العامل في الاعتبار لدى صانعي القرار.

طاولة المفاوضات ومنطق الدبلوماسية

على افتراض أن الطرف الأمريكي هو فاعل حكيم وعقلاني، فإن طاولة المفاوضات تتحول إلى اختبار مهم. على الولايات المتحدة، وهي تدرك قدرة إيران على الردع، أن تقبل بالهزيمة وكذلك بقيود في مجال سياستها العسكرية وسياستها الإقليمية. وسيكون لهذا آثار ملموسة وكابحة على النفوذ الناعم والصلب لأمريكا في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس، من جانب آخر، القبول بقدرة إيران وإمكانياتها في وضع القواعد في المنطقة على الرغم من كل الأضرار التي لحقت بها.

تحدي الاختيار الصعب لإيران وأمريكا

في هذه المرحلة، تواجه أمريكا خياراً صعباً: مواصلة السياسة العدوانية أو التراجع عسكرياً والخضوع لمسار الدبلوماسية. في المقابل، فإن لإيران خياراتها الصعبة أيضاً. أي تراجع في السياسة الخارجية مثل تقليل الدعم للمقاومة أو التراجع عن قدرة الردع الصاروخية، يتعارض مع هوية الثورة الإسلامية ومبادئ السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، وبالتالي لن تكون خيارات مرغوبة.

مسار الدبلوماسية والسياسة النووية

يمكن للخيار الاستراتيجي الإيراني أن يركز على الحفاظ على سياسة عدم السعي للحصول على السلاح النووي، ودفع المفاوضات حول مخزون اليورانيوم والالتزامات المحددة. لقد أظهرت تجربة “برجام” أن التوقيت وكيفية تنفيذ التزامات الطرف المقبل يمكن أن تكون غير قابلة للتنبؤ ومصحوبة بعواقب غير سارة. كانت إيران دائماً رائدة في تنفيذ التزاماتها، لكن سلوك الطرف الأمريكي والتغيرات السياسية الداخلية الأمريكية، مثل قرارات ترامب، يمكن أن تعطل عملية تنفيذ الاتفاق.

الدروس المستفادة من تجربة برجام

أظهر برجام أن التزامات الولايات المتحدة في شكل أمر تنفيذي للرئيس، ألغيت بسهولة مع تغيير الإدارة، ولم يكن لها أي ضمان قانوني على المستوى الوطني. تبرز هذه التجربة أهمية تصميم مفاوضات مضمونة ومؤكدة لإيران، لمنع أي تغيير غير متوقع في سلوك الطرف المقبل.

ضرورة التوقيت والضمان في المفاوضات النووية

أي مفاوضات حول مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة عالية يجب أن تتم بدقة في التوقيت وتنفيذ الالتزامات. لقد أظهرت التجربة أنه بدون ضمانات قوية، يوجد خطر خيانة الطرف الأمريكي للعهد.

الإجراءات اللازمة تشمل محورين:

  • على صعيد القانون الدولي:

إلغاء قرارات مجلس الأمن رقم 1929 بشكل كامل، وتعطيل آلية الزناد، وخروج إيران من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.

  • على الصعيد الداخلي الأمريكي:

قرار الكونغرس ومصادقة مجلس الشيوخ فيما يتعلق برفع العقوبات الثانوية المرتبطة بالادعاءات النووية ضد إيران، لأن أي استقرار في الإجراء والالتزامات يحتاج إلى دعم قانوني وتنفيذي قوي حتى لا تكون خيانة الحكومة الأمريكية للعهد قابلة للتحقق بسهولة.

بدون هذه الضمانات، فإن أي أمر تنفيذي لرئيس الولايات المتحدة يفتقر إلى الدعم الكافي وقد يُلغى بسهولة مع تغيير الإدارة.

عواقب أي اتفاق محتمل

في حال التوصل إلى اتفاق مع مراعاة التوقيت والضمانات، يمكن لإيران أن تحل جزءاً من تحديات سياستها الخارجية والداخلية. فالحصول على الموارد الاقتصادية وتسهيل التفاعلات الدولية ستكون من أهم نتائج هذه العملية.

دور فاعلين آخرين في الاتفاق

لن يقتصر الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة على البلدين فقط؛ فهناك فاعلون آخرون مؤثرون. فالمملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى، والاتحاد الأوروبي، وإسرائيل، والتطورات العسكرية والجيو-سياسية المرتبطة بحرب روسيا وأوكرانيا، وكذلك نوع مواجهة السياسة الخارجية الصينية فيما يتعلق بتطورات الشرق الأوسط، كلها من العوامل المؤثرة في هذه القضية. هذه العوامل تزيد من تعقيد المفاوضات وتجعل نجاح الاتفاق مرهوناً بالتفاعل وإدارة هؤلاء الفاعلين.

التحديات الأساسية وإمكانية الدبلوماسية

كما أكد قائد الثورة الإسلامية، فإن حل التحديات بين إيران والولايات المتحدة على المستوى الجوهري وكذلك بعض الجوانب الهيكلية غير ممكن، لأن هناك خلافات عميقة على مستويات الخطاب والأسطورة لدى طرفي النزاع.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني عدم إمكانية الدخول في مسار تخفيف التوتر ودبلوماسية هادفة، ويمكن لإيران، في إطار مبادئها ومصالحها، أن تخلق فرصاً محدودة لكنها فعالة لتحسين وضعها الاقتصادي من خلال التفاعل البناء مع العالم الخارجي.

التحديات الخطابية والقيود الجيو-سياسية

من منظور تاريخي، فإن الفضاء الخطابي بين إيران والولايات المتحدة يقوم على عدم اليقين والثقة، والمنافسة العدائية، والخلافات العميقة، والموضوع النووي هو جزء فقط من هذه التحديات.

هناك قضايا أخرى، بعضها ذو طبيعة تقنية، لكنها في كثير من الحالات مرتبطة بمعتقدات والنظام التصوري والمعياري الإيراني. هذه الخاصية تجعل حل هذه القضايا ليس بالأمر السهل وتتطلب تبني نهج متعدد المستويات ودقيق.

إمكانية الحوار والتفاهم محدودة لكنها موجودة

على الرغم من القيود والعوائق العميقة، هناك طرق للحوار والتفاهم. على هذا المسار، يجب أن يتم قبول هذه الحقيقة كأمر ذاتي متبادل في مجال فكر الإيرانيين، وهو أن إمكانية تطبيع العلاقات بشكل كامل مع أمريكا غير موجودة، وأن العقبات الرئيسية هي القيود والاعتبارات الجيو-سياسية، وليس فقط المسائل الأيديولوجية.

نظرة متعددة المستويات لإدارة التحديات

تُظهر التجربة التاريخية أن تجاهل الأبعاد الجيو-سياسية للتحدي يؤدي إلى تبسيط الحلول وعدم النجاح. لذلك، من أجل تحقيق المصالح والأمن الوطنيين، من الضروري تبني نهج علمي ومنطقي واستراتيجي يأخذ في الاعتبار جميع مستويات التحديات وأبعادها المعقدة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق