إيران: نصف الصّفقة الفارغ ونصف الضّربة الملآن

اعداد ملاك جعفر عباس : قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 06-02-2026
يعود الإيرانيّون والأميركيّون إلى طاولة التفاوض وقد تبدّل العالم من حولهما ولم تتبدّل لاءاتهما. هي طاولة لا تشبه سابقتها في صيف 2025، وحتماً لا تشبه تلك التي تكلّلت بخطّة العمل الشاملة المشتركة في 2015.
لم يبلغ ضجيج طبول الحرب هذا المستوى حتّى بمعايير الشرق الأوسط الملتهب، ولم تختلّ موازين القوى يوماً بهذا العمق في إقليم اعتاد أن تقطعه المحاور والجبهات. مع ذلك، يفرض الواقع على الطرفين الإقرار بأنّ التفاوض بات ضرورة لا خياراً، ولو من باب إدارة المخاطر وشراء الوقت.
بين مسقط 2025 ومسقط 2026 ماذا اختلف؟
ليس التحوّل الأبرز هذه المرّة في المناخ فقط، بل في تغيّر الجالسين إلى الطاولة الضامنة. انعكست لحظة “انكسار النظام الدوليّ” تراجعاً واضحاً في حضور الأمم المتّحدة وأوروبا في التسويات الكبرى، لا سيما في الملفّ الإيرانيّ عقب تفعيل آليّة الزناد الخريف الماضي. أدّى غياب الانخراط العسكريّ لموسكو وبكين خلال حرب الاثني عشر يوماً عن إسناد إيران إلى إفراغ طاولة 5+1 من مضمونها السياسيّ، مفسحاً المجال أمام صعود أقطاب إقليميّة جديدة، في مقدَّمها السعوديّة وتركيا، ومعهما قطر ومصر وعُمان.
بحسب تقديرات مراكز بحثيّة أميركيّة، ترى هذه الدول في أيّ انفجار واسع تهديداً مباشراً لأمنها القوميّ ولمساراتها الاقتصاديّة. وترى في إنجاز تسوية، ولو جزئيّة، تكون فيها إيران ضعيفة لا مفكّكة، فرصة لتكريس دور إقليميّ أوسع يشكّل شبكة مكابح حقيقيّة أمام التغوّل الإسرائيليّ.
الأهمّ أنّ هذا المحور وفق تقاطع المعلومات والتحليلات، يتمتّع بمنسوب عالٍ من ثقة ترامب ويشكّل في الوقت نفسه بالنسبة لإيران شبكة الأمان الأخيرة الممكنة في ظلّ انعدام الثقة بأميركا وأوروبا معاً.
غير أنّ كلّ هذه المقاربات، مهما بدت متماسكة على الورق، تصطدم بجدار الداخل الإيرانيّ، وهو الجدار الأكثر صلابة في هذه المرحلة.
عليه، تكتسب الدبلوماسيّة السعوديّة – القطريّة – التركيّة – المصريّة – العمانيّة النشطة زخماً خاصّاً. بحسب دبلوماسيّين غربيّين، لا تقوم هذه الدبلوماسيّة على “ضمانات مكتوبة” بقدر ما تتمتّع بإمكانيّة التوصّل إلى صيغ “خلّاقة” يمكن أن تشكّل “ضمانات تنفيذيّة”، وهي أدوات لم تعد أوروبا تمتلكها كما لم تعد الأمم المتّحدة قادرة على فرضها، وربّما لم تكن قادرة كثيراً.
النّصف الملآن من الصّفقة
أمّا على مستوى المضمون، فلا يزال التباعد واضحاً في العلن. لم يبدِ الإيرانيّون حتّى الآن أيّ رغبة علنيّة في الخوض في ما يتجاوز البرنامج النوويّ بينما يصرّ ترامب على ثلاثيّة: صفر تخصيب وقيود على الصواريخ وقطع الصلة بالأذرع.
وهي سلّة كبيرة أثقل من أن تُحمل دفعة واحدة. إذا أصرّ ترامب عليها فستنهار المحادثات قبل أن الجلوس إلى الطاولة، وهذا ما يفسّر اللغط الحاصل حول ترتيب جدول الأعمال.
إنّما في حال فُصلت المسارات، كما أشار ترامب نفسه عدّة مرّات وبصيغ مختلفة، متحدّثاً عن “أكثر من قناة تفاوض وأكثر من اجتماع في عدّة بلدان وليس فقط من تشاهدونهم في الأخبار”، فهذا يرجّح سيناريو فصل المسارات:
طاولة علنيّة للنوويّ والعقوبات في عُمان، وقنوات موازية سريّة لملفّات أخرى.
في هذا السياق، قد ينصح الوسطاء ترامب بأن يستبعد عن الطاولة العمانيّة ملفّ الأذرع ليس فقط لأنّه قد يفخّخها، بل بسبب النتائج الميدانيّة والسياسيّة للحرب الدائرة منذ هجمات السابع من أكتوبر التي أدّت إلى انهيار محور المقاومة وحوّلت وكالة ساحاته إلى عواصم أخرى.
في واشنطن، لا تقلّ الحسابات تعقيداً. يواجه ترامب ضغطاً إسرائيليّاً مباشراً لعدم الاكتفاء بتسوية نوويّة ضيّقة
أصبح ملفّ “حماس” ومستقبلها في غزّة وخارجها مرتبطاً بتوافق إسرائيليّ – مصريّ – قطريّ – تركيّ تحت مظلّة مجلس السلام. دخل ملفّ “الحزب” في دائرة تنافس بين المسعى السعوديّ لكبح الانهيار اللبنانيّ وبين التغوّل الإسرائيليّ اللذين سيقود كلاهما بشكل أو بآخر إلى سحب سلاح “الحزب” من دون أن تكون لديه أو لدى راعيه الإيرانيّ أيّ قدرة حقيقيّة على وقف المسار حتّى لو تمكّنوا من رفع كلفة الدم.
بات الارتباط العقائديّ والتنظيميّ بين الأصل والفرع يعاني من عراقيل جغرافيّة ولوجستيّة وماليّة جمّة تعيق تحوّله إلى تهديد حقيقيّ. فيما أصبح اليمن برمّته، بما فيه مستقبل الحوثيّين، ملفّاً سعوديّاً بامتياز، خاصّة بعد تراجع الدور الإماراتيّ في الجنوب وتراجع فعّاليّة أسطول الظلّ وقنوات التمويل للحوثيّين، علاوة على الخسائر الميدانيّة الكبرى التي تكبّدوها بفعل الضربات المتلاحقة.
إيران
عليه، يتحوّل الدعم الإيرانيّ إلى ضوضاء ربّما تؤخّر الحلول وترفع كلفتها، لكنّها غير قادرة على منعها ما دام اللاعبون الجدد هم من يملكون أدوات التهدئة والتمويل وإعادة الإعمار. إذا نجحت هذه الدول في بلورة طرح إقليميّ متماسك أمام ترامب، فقد تدفعه إلى تخفيف هذا الشرط الذي تجاوزته الوقائع فيما تفضّل طهران أساساً إبقاءه خارج أيّ نصّ تفاوضيّ.
الهامش في النّوويّ أوسع
في الملفّ النوويّ تحديداً، يبقى هامش الحركة أوسع نسبيّاً مقارنة ببقيّة الملفّات. تعود إلى التداول أفكار قديمة لم تُستنفد سياسيّاً بقدر ما جُمّدت بفعل انهيار الثقة. من بين هذه الأفكار، تبرز مجدّداً صيغة الكونسورتيوم الدوليّ لإدارة البرنامج النوويّ الإيرانيّ، وهي مقاربة ناقشتها منذ سنوات وثائق ودراسات صادرة عن الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّية ضمن ما عُرف بمبادرات “تدويل دورة الوقود النوويّ”.
تقف المنطقة على حافة مفاوضات نصف صفقتها فارغ لأنّ شروط نضجها السياسيّ لم تكتمل بعد
يقوم جوهر هذه الصيغة على نزع الطابع الوطنيّ الحصريّ عن مراحل حسّاسة من دورة الوقود، ولا سيما التخصيب والتخزين، من دون نزع البرنامج نفسه أو نقل المنشآت خارج الدولة المعنيّة، أي أن تبقى البنية النوويّة داخل إيران، لكن تُدار ضمن إطار دوليّ أو إقليميّ مشترَك، تشارك فيه أطراف ضامنة تشرف مباشرة على مستويات التخصيب، حركة الموادّ، وآليّات التخزين، بما يجعل أيّ انحراف نحو الاستخدام العسكريّ مكشوفاً فوراً ومستحيلاً عمليّاً.
قد تعيد الظروف الحاليّة إحياء هذه الفكرة. تعرّض البرنامج النوويّ الإيرانيّ لضربة كبرى أدّت إلى توقّف التخصيب فعليّاً، والثقة بين طهران وواشنطن باتت شبه معدومة، وهو ما يحصر الخيارات بين بقاء المنشآت مدمّرة أو إعادة إحيائها تحت إشراف دوليّ. في هذا الإطار تعود فكرة شحن المخزون المخصّب خارج إيران مع طرح تركيا، بدلاً من روسيا، لأنّها خيار أكثر توازناً سياسيّاً بحكم عضويّتها في حلف شمال الأطلسيّ وحفاظها في الوقت نفسه على علاقات مستقرّة مع طهران.
يقلّص هذا الطرح الخيارات، بالنسبة للإيرانيّين، بين بقاء المنشآت مدمّرة أو إعادة إحيائها بإشراف دوليّ، وبين انهيار المحادثات والذهاب إلى ضربة عسكريّة قد لا تضمن من سيكون وصيّاً على هذه المنشآت في اليوم التالي، بالنسبة للأميركيّين. قد تقبل إيران بهذا الطرح إذا ما ضمنت تخصيب الكونسورتيوم ضمن نسبة 3.67%.
حقّ التّخصيب
تبقى العقدة الأكثر حساسيّة مسألة “حقّ التخصيب”. تصرّ إيران على تثبيته رمزيّاً لما يحمله من أبعاد سياديّة وعقائديّة، فيما ترفض واشنطن وإسرائيل أيّ صيغة تسمح بترجمته عمليّاً. هنا تبرز إمكانيّة تسوية لغويّة – سياسيّة شبيهة بما ورد في قرار مجلس الأمن 2231 تقوم على الفصل بين الحقّ النظريّ والقدرة العمليّة سواء في ملفّ التخصيب أو في ملفّ الصواريخ التي حُصرت القيود عليها بالصواريخ “المصمّمة لحمل رؤوس نوويّة”.
قد تأتي الحرب، لكن ليس بالضرورة بافتتاحيّة صاروخيّة من مياه الخليج. كما تشير تحليلات أمنيّة وعسكريّة غربيّة
بحسب أدبيّات ضبط التسلّح، يعني منع التخصيب وشحن المخزون عمليّاً استحالة إنتاج رؤوس نوويّة، وبالتالي انتفاء القدرة على تحميلها على أيّ صاروخ. عند هذه النقطة، يمكن تحييد الملفّ الصاروخيّ نوويّاً من دون المساس بالترسانة التقليديّة، في مخرج تفاوضيّ لا يحرج طهران ولا يتجاهل الهواجس الإسرائيليّة.
يكتسب هذا الطرح بعداً إضافيّاً إذا أخذ في الاعتبار التفاهم غير المعلن الذي جرى أخيراً برعاية روسيّة بين إيران وإسرائيل على قاعدة عدم التصعيد المتبادَل، وإمكان توسيعه ليشمل التزاماً لعدم استخدام الصواريخ، من دون الحاجة إلى إدراج هذا البند بشكل فجّ في الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ.
النّصف الفارغ
غير أنّ كلّ هذه المقاربات، مهما بدت متماسكة على الورق، تصطدم بجدار الداخل الإيرانيّ، وهو الجدار الأكثر صلابة في هذه المرحلة. لا يكمن التحدّي الحقيقيّ في صياغة تسوية ذكيّة مع الخارج، بل في القدرة على توليد أكثريّة داخليّة تسمح بإقناع المرشد بها من دون أن تتحوّل إلى عبء سياسيّ أو أمنيّ على من يوقّعها.
بحسب تحقيق أجرته شبكة أمواج ميديا القريبة من مدرسة محمّد جواد ظريف لا يتحرّك عبّاس عراقجي كمفوّض مطلق الصلاحيّة، بل ضمن توازن دقيق يضمّ علي لاريجاني وعلي شمخاني وعلي باقري كني، وجميعهم أبناء مؤسّسة الحرس.
يخرج هذا التوزان عن الانقسام التقليديّ بين إصلاحيّين ومتشدّدين ويتمحور حول “الإيقاع والحدود والتوقيت” ومن يقطف ثمرة النجاح وعلى من يُلقى الفشل. تدرك جميع هذه الأطراف الحاجة إلى تخفيف الضغط الخارجيّ، لكنّها تختلف جذريّاً في حجم الثمن المقبول في لحظة تاريخيّة شديدة الحساسيّة. أيّ تنازل كبير سيُسجَّل مباشرة في دفاتر “مرحلة ما بعد المرشد”، وهو ما يجعل فكرة التفويض الكامل شبه مستحيلة في نظام يستعدّ لانتقال محفوف بالمخاطر.
في واشنطن، لا تقلّ الحسابات تعقيداً. يواجه ترامب ضغطاً إسرائيليّاً مباشراً لعدم الاكتفاء بتسوية نوويّة ضيّقة. لا تزال إسرائيل، التي عارضت اتّفاق 2015 علناً، تتعامل مع أيّ تفاهم مع إيران لا يشمل الصواريخ والنفوذ بوصفه تهديداً، وتبقى تل أبيب الغائب الحاضر لتخريب أيّ اتّفاق لا يلبّي شروطها إن لم تُقمع من واشنطن.
نصف الضّربة الملآن
هو مشهدٌ بالغ التعقيد، تتحرّك فيه جزيئيّات كثيرة ومتناقضة، يشكّل في مجموعه خلطة انفجار مثلى. ليس خيار الضربة مضموناً بعد، لكنّه يتقدّم سريعاً كلّما أمسك المتعنّت بخيوط التفاوض.
قد تأتي الحرب، لكن ليس بالضرورة بافتتاحيّة صاروخيّة من مياه الخليج. كما تشير تحليلات أمنيّة وعسكريّة غربيّة، قد تبدأ المواجهة بتعطيل منظومات الرصد والاستطلاع، إرباك شبكات الاتّصال والطاقة، وإطفاء الشاشات في سيناريوات معزَّزة بالذكاء الاصطناعيّ وأدوات الصراع غير التقليديّة.
كشف السيناريو الفنزويلّي عن أسلحة غامضة تستخدم أنظمة الموجات الدقيقة العالية الطاقةHigh Power Microwave لتدمير أجهزة القيادة والتحكّم الإلكترونيّة لمخبأ معيّن أو بطّاريّة دفاع جوّي من دون تدمير المدينة.
تصف التقارير الواردة من كراكاس حرّاساً ينهارون بسبب الدوار والاضطراب الداخليّ. هذا يشير إلى أسلحة الطاقة الموجّهة (DEW)التي تستهدف الجهاز الدهليزيّ وتخلق “تأثيرات سمعيّة بالموجات الدقيقة”، وهو ما يجعل المدافعين البشريّين غير قادرين جسديّاً على المقاومة.
استبق هجوم “يوم الصفر” السيبرانيّ على أنظمة توليد الطاقة الكهربائيّة القصف الجوّيّ، وهو ما ضمن عدم تشغيل الجيش لمولّدات احتياطيّة تمّ القضاء عليها بدقّة عبر HPM أو قنابل الغرافيت.
تصرّ إيران على تثبيته رمزيّاً لما يحمله من أبعاد سياديّة وعقائديّة، فيما ترفض واشنطن وإسرائيل أيّ صيغة تسمح بترجمته عمليّاً
في إيران الأكثر تعقيداً قد يفتح الشلل، الذي قد يحدثه هذا النوع من الهجمات، الساحات واسعاً أمام المحتجّين والمعارضين، وقد يفتح الآفاق أمام مجموعة إنقاذ تضع البلاد على سكّة الحلّ. قد لا تضمن الضربة شكل اليوم التالي، لكنّها قد تتحوّل قدراً للطرفين إن بقي التعنّت سيّد الموقف.
هكذا تقف المنطقة على حافة مفاوضات نصف صفقتها فارغ لأنّ شروط نضجها السياسيّ لم تكتمل بعد، ونصف ضربتها ملآن بالتفوّق التكنولوجيّ والعسكريّ. بين هذا وذاك، يحاول الإقليم، برعاته الجدد ومحاوره الصاعدة، إدارة التوازن على حافة الانفجار، لا منعه نهائيّاً.



