إيران تُصدّر ملايين البراميل من النفط عبر مضيق هرمز

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 18-03-2026

في ذروة التصعيد العسكري الذي تقوم به إيران عقب العدوان عليها على المصالح الأميركية وطرق الإمداد في الخليج، وبينما تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز بوصفه نقطة الاختناق الأخطر في سوق الطاقة العالمي، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة فإيران لا تزال تصدّر نفطها بكميات كبيرة، رغم الحرب والتهديدات المباشرة.
تشير تقديرات حديثة إلى أن طهران صدّرت نحو 12 مليون برميل من النفط عبر مضيق هرمز منذ بدء العدوان في 28 شباط، بمعدل يقارب مليون برميل يوميًا. ما يعكس قدرة تشغيلية واستراتيجية لافتة في ظل ظروف معقدة.
فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، شهد شللًا شبه كامل في حركة السفن غير الإيرانية، مع تسجيل ضربات طالت ما لا يقل عن 16 سفينة. ومع ذلك، تواصل الناقلات الإيرانية العبور، في مشهد يعكس إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك البحري.
معادلة الردع في المضيق
ما يجري في هرمز لا يشبه سيناريو “إغلاق المضيق” التقليدي الذي لطالما خشيه الغرب. بدلًا من ذلك، تعتمد طهران سياسة “الإغلاق الانتقائي”، حيث تُبقي الممر مفتوحًا أمام الدول غير المعادية، فيما تضيق الخناق على خصومها.
تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلخص هذه الاستراتيجية بوضوح: “المضيق مفتوح، لكنه مغلق أمام أعدائنا فقط”. هذه المعادلة تمنح إيران ورقة ضغط مركّبة؛ فهي لا تخنق السوق العالمي بالكامل، لكنها تفرض شروطها على حركة الطاقة، وتحوّل المضيق إلى أداة تفاوض مباشرة.
وقد تجلّى ذلك في حالة الهند، التي اضطرت للإفراج عن ناقلات إيرانية محتجزة مقابل السماح لسفنها بالعبور، في نموذج يعكس كيف تُترجم السيطرة البحرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة، تتجنب حتى الآن ضرب البنية التحتية النفطية، خصوصًا في جزيرة خرج، هذا التردد يُفسَّر الخوف من ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وأيضًا إدراك أن استهداف النفط قد يدفع إيران إلى التصعيد الشامل، بما في ذلك إغلاق كامل للمضيق، وهو سيناريو لا تتحمله الأسواق.
بالنسبة لطهران، لا يُعد استمرار التصدير مجرد مسألة اقتصادية، بل ركيزة أساسية في إدارة الحرب. فالعائدات النفطية توفّر السيولة اللازمة للصمود، وتمويل العمليات، وتخفيف أثر العقوبات.
كما أن إيران دخلت الحرب وهي تمتلك مخزونًا كبيرًا من النفط العائم، قُدّر بنحو 170 مليون برميل في عرض البحر، ما منحها هامش مناورة إضافيًا في تسويق نفطها رغم القيود.
إلى جانب ذلك، تشير المعطيات إلى أن طهران رفعت صادراتها قبل الحرب بشكل ملحوظ، في خطوة استباقية توحي بأنها كانت تتوقع التصعيد، وسعت لتعزيز موقعها المالي مسبقًا.
لا تقتصر أدوات إيران على التحكم بالمضيق، بل تمتد إلى البعد المالي. فثمة توجه لربط مرور بعض الشحنات النفطية بالتعامل بعملات غير الدولار، خصوصًا اليوان الصيني، في محاولة لكسر أحد أهم ركائز الهيمنة الاقتصادية الغربية. إذا ما ترسّخ هذا الاتجاه، فإن مضيق هرمز قد يتحول من ممر للطاقة فقط، إلى منصة لإعادة تشكيل قواعد التجارة العالمية.
ما تكشفه هذه التطورات هو أن إيران ، تستخدم المضيق كسلاح مرن، يتيح لها التصعيد والتهدئة في آن واحد.
في هذا السياق، تبدو الـ12 مليون برميل التي عبرت المضيق منذ بداية الحرب على أن طهران نجحت في الحفاظ على شريانها الاقتصادي مفتوحًا.
المصدر موقع الخنادق



