أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إيران: تغيير العقيدة العسكرية ومفاوضات نووية بشروطها

في لحظة مصيرية حساسة ساد فيها التوتر، وطغت فيها لغة التهديد والوعيد بالحرب وانفجار مواجهة إقليمية شاملة، أثبتت الجمهورية الإسلامية مرة أخرى براعتها في “دبلوماسية القوة”، مجبرة واشنطن على التراجع والعودة إلى طاولة المفاوضات بعد حملة نفسية مركّبة قادها الإعلام الأمريكي، على رأسه موقع “أكسيوس”.

ورغم الضغوط والتصعيد العلني، تحوّل ما سُمّي بـ”نقطة الضعف الإيرانية” إلى ورقة قوة استراتيجية أحرجت الإدارة الأمريكية وأظهرت هشاشة مواقفها المتقلبة.

أصرّت طهران منذ اللحظة الأولى على أن تكون سلطنة عُمان ساحة التفاوض، وليس تركيا، إدراكًا منها لحساسية التوقيت وجغرافيا الوساطة. وكانت رسالتها للأمريكي ومن يعنيه الأمر من يريد تجنّب الحرب الشاملة، عليه الحضور إلى طاولة التفاوض وفق شروط معقولة ومتزنة لا تعجيزية.

هذا الثبات دفع واشنطن إلى القبول الضمني بمكان اللقاء والإطار المحدود للمباحثات أي الموضوع النووي لا البرنامج الصاروخي ولا الدور الإقليمي لإيران، وكان بمثابة “انتصار تكتيكي ” لإيران، يكرّس خياراتها الاستراتيجية في مواجهة تهديدات إدارة ترامب المتكررة.

ساعات سبقت تأكيد انعقاد المحادثات، عمد موقع “أكسيوس” الأميركي إلى تسريب معلومات عن انهيار المحادثات، في “عملية نفسية منظمة” هدفها اختبار تماسك الموقف الإيراني وخلق بلبلة داخلية وخارجية حول مصير المفاوضات.

إلا أن طهران، بعكس المتوقع، لم تُبدِ تراجعاً أو هلعاً، بل ثبّتت شروطها وكررت استعدادها لحوار حول الملف النووي فقط، رافضة أي إدراج لقضايا إضافية مثل الصواريخ الباليستية او دعمها لحركات المقاومة في المنطقة، ما دفع الأميركي للتراجع والموافقة على إطار المفاوضات ومكانها، فيما أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن المحادثات النووية مع واشنطن ستعقد في موعدها في مسقط نحو الساعة العاشرة صباح يوم الجمعة.

ولسائل ان يسأل لماذا تذهب إيران الى التفاوض وقد جرّبت المفاوض الأميركي سابقا حيث غدر بالمفاوضين وبدء مع العدو الإسرائيلي عدوانا على إيران في حزيران الماضي، إلا أن الموقف الإيراني في عمقه لا ينطلق من الإيمان بجدوى الحوار ولا ثقة له بالأميركي اطلاقا ولن يلدغ من الجحر مرتين، بل من رؤية واقعية تقول إن منع الحرب الشاملة يمر أحيانًا من باب الدبلوماسية، وهي بذلك تغلق الطريق امام محاولة عزلها دوليا وتصويرها بأنها ترفض الحوار وتتمرد على القانون الدولي.

 لذلك تشارك طهران في المفاوضات من منطلق تجنّب التصعيد، لكنها تُبقي أصابعها على الزناد، وقواتها المسلحة في جهوزية تامة مع رسائل ردع قوية، رافضة من حيث المبدأ أي ضربات “محدودة” دون رد ساحق وواسع.

الأمن للجميع أو لا لأحد

جاء تحذير نائب قائد مقر خاتم الأنبياء، العميد كيومرث حيدري، بأن “لا أمن في المنطقة دون أمن إيران” ترجمة عملية لمبدأ أن أي تعاون من دول الجوار مع الهجوم الأمريكي أو الإسرائيلي سيحوّل هذه الدول إلى ساحات استهداف مباشر.

 إنها عقيدة أمنية جديدة تضع الجميع أمام معادلة واضحة “الأمن للجميع أو لا لأحد”، كما ان العقيدة العسكرية الإيرانية لم تعد كما كانت. في السابق، ركزّت الاستراتيجية على الدفاع ورد الفعل بعد وقوع الفعل، أما اليوم، فباتت هجومية بامتياز. ما يعني أن أي معلومة استخبارية تصل طهران عن تحرّك أمريكي أو إسرائيلي وشيك سيقابل بضربة استباقية إيرانية بصواريخ دقيقة نحو مراكز القرار والأهداف الموضوعة سلفا. وهنا تراهن إيران على طول نفس حرب الاستنزاف، وحرب غير متكافئة تُربك خصومها على مدى بعيد وتُدخلهم في نزيف متواصل.

هذا التوازن في الخطاب والميدان، ما بين انضباط تفاوضي وجهوزية عسكرية هجومية، يعكس نضوج المدرسة السياسية الإيرانية التي تدير معركتها على أكثر من مستوى. فإيران تدرك أن ساحة التفاوض ليست بديلاً عن ميدان المعركة، بل جبهة موازية، تستخدمها لتكريس موقعها وتحسين أوراقها لا أكثر.

بين حملة التشويش الأميركية من خلال العملية النفسية ليلة أمس، وتهديدات ترامب، وضغوط نتنياهو، فرضت طهران مشهدًا معقدًا تتراجع فيه واشنطن خطوة إلى الوراء وتعود إلى الطاولة وفق شروط لم تكن مستعدة لقبولها سابقًا.

لقد فشلت الحرب النفسية الأمريكية، ونجحت الدبلوماسية الإيرانية التي لم ترضخ ولم تتراجع. ومع تحوّل العقيدة العسكرية الإيرانية إلى استراتيجية هجومية، باتت كل الأطراف، من واشنطن إلى تل أبيب، تحسب ألف حساب لأي خطأ في الحسابات.

 ومع ان إيران نجحت حتى اللحظة باحتواء الضربة العسكرية من خلال أوراق الردع لديها، لكن ما يزال الخيار العسكري الأميركي الإسرائيلي على الطاولة، والاجتماع الأمني الإسرائيلي اليوم (الخميس) مؤشر على نوايا العدو بمواصلة جهوده للعدوان العسكري المباشر على الجمهورية الإسلامية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق