أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إلى أين تتجه علاقة بن زايد والسيسي؟

يبدو أن زيارة السيسي، إلى الإمارات، في 19 مارس الجاري، وتأكيده وقوفه إلى جوارها مع ما تتعرض له من قصف خلال الحرب (الأمريكية-الإسرائيلية) على إيران، لم يكن كافيا للإدارة الإماراتية؛ حيث انطلقت العديد من الأقلام منها الرسمية والإعلامية تنتقد الموقف المصري، وتذكر القيادة السياسية المصرية بدعم أبوظبي لها.

ومن الرسائل التي أثارت جدلا واسعا، رسالة أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية السابق، التي قال فيها الأربعاء الماضي: “منذ بدء العدوان الإيراني الغاشم، تواصلت الدول الشقيقة والصديقة، فتميّزت المواقف بين من عرض دعماً صادقاً يُقدَّر ويُشكر عليه، ومن اكتفى بالتصريحات دون فعل”.

وعبر موقع “إكس” أضاف: “الإمارات أثبتت قدرتها على التصدي والصمود، وهي لا تحتاج إلى العدة والعديد بقدر ما تحتاج إلى وضوح المواقف ومعرفة من يُعتمد عليه وقت الشدائد”.

الأمر انتقل إلى سجال بين سياسيين مصريين ومعلقين إماراتيين، بينهم رئيس “حزب الوعي” المصري باسل عادل، الذي طالب قرقاش، بالكف عن “عن نفخ الكير”، قائلا: “الدول الكبرى مثل مصر تفعل ولا تتحدث، مصر خطواتها أوسع من تصريحاتها، وكم من مرة أثبتت مصر أن حكمتها أوسع من تجليات المدونين والمحللين”، مطالبا إياه بالصمت والانتظار و”تعلم كيف تعمل كبرى دول المنطقة”.

وفي انتقاد شديد الحدة، قال الصحفي الإماراتي المقرب من رأس السلطة في أبوظبي، هاني مسهور: “مصر خسرت 9 مليار دولار بسبب عسكرة الحوثيين لباب المندب”، مضيفا وفي إهانة كبيرة لمصر عبر موقع “إكس”: “الدول التي لا تجرؤ على معاقبة مليشيات منفلته ليست دول قادرة على حماية مصالحها”.

وكان قرقاش قد تساءل: أين الدول العربية والإقليمية الكبرى، ودولنا وشعوبنا تتعرض لهذا العدوان الإيراني الغاشم؟، مضيفا: “لقد كانت دول الخليج العربي سندا وشريكا للجميع في أوقات الرخاء؛ فأين أنتم اليوم في وقت الشدة؟”.

وأشار إلى رؤية بلاده المستقبلية وتوجهها نحو تعزيز أمنها بالمشاركة مع أمريكا، قائلا: في هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقا انتقاد الحضور الأمريكي والغربي، مؤكدا أن العدوان الإيراني على دول الخليج العربي “يعزّز خصوصية أمن الخليج واستقلاليته عن المفاهيم التقليدية للأمن العربي”، مشددا على ضرورة “توثيق شراكاتنا الأمنية مع واشنطن”.

وفي ذات السياق، وفي 15 مارس الجاري، قال الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله، إن الإمارات والخليج ليسوا بحاجة لـ”دول عربية هشة وتعيش أزمات داخلية خانقة ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها”، وأضاف ” اما تشكيل قوة عربية مشتركة فلم يرى النور منذ 1952 ولسنا بحاجة لها الآن”٬ في إشارة واضحة إلى مصر، رافضا مقترحا حمله وزير خارجيتها بدر عبدالعاطي لأبوظبي، بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك.

محللون قرأوا في ذلك الحديث وجود “شرخ ما خطير حدث في العلاقة مع الإمارات، وينذر بأزمة كبيرة للسيسي”، وفق تعبير الصحفي جمال سلطان، عبر “فيسبوك”، فيما رفض الأكاديمي المصري إسماعيل صبري مقلد، انتقادات الخليجيين لمصر، مطالبا إياهم بحساب أنفسهم على مواقفهم من حرب الإبادة الدموية الإسرائيلية على غزة ولبنان وسوريا.

وقبل حرب إيران، ومع تأزم العلاقات السعودية الإماراتية في اليمن، بالأيام الأخيرة من عام 2025 وبداية عام 2026، كشف موقع “ميدل إيست آي”، عن تعاون القاهرة الواسع مع الرياض في ملف اليمن بمعلومات استخباراتية، ما أشار حينها إلى احتمالات خسارة السيسي، داعمه الأول والأكبر محمد بن زايد.

ماذا يطلب الخليج؟

ويتمحور الانتقاد الخليجي اللاذع الذي ظهر بوضوح في تغريدات أكاديميين ومقربين من مراكز القرار في الإمارات والسعودية والكويت حول فكرة أن دول الخليج ضخت مليارات الدولارات لدعم نظام السيسي، واقتصاده، منذ عام 2013، وعندما حانت لحظة “الاختبار الأمني الحقيقي” أمام إيران، وجدوا مصر تلتزم الصمت أو تكتفي بالدبلوماسية الناعمة.

تشير تعليقات ومقالات صحفية لكتاب خليجيين إلى شعور بـ”خيبة الأمل” من موقف السيسي، فبينما لم يطالبه أحدهم صراحة بإعلان الحرب على إيران لكنهم انتظروا خطوات عملية تجسد مقولته “مسافة السكة” التي أطلقها عام 2014، دفاعا عن أمن الخليج.

المطالبات الخليجية دعت لتفعيل اتفاقية “الدفاع العربي المشترك” عمليا، بإرسال خبرات مصرية، كقوات صاعقة، ووحدات خاصة، ودفاع جوي، لاعتراض المسيرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت المنشآت النفطية والمطارات، وتحرك القوات البحرية المصرية بالبحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب، وتقديم الدعم الاستخباراتي والمعلوماتي.

لكن على الجانب الآخر، يؤكد مراقبون أن مصر التي تحتاج الخليج بشدة، تخشى في الوقت ذاته أن يقود الصدام مع إيران لوقف حركة الملاحة بقناة السويس، وذلك إلى جانب حالة من التعاطف الشعبي المصري مع إيران، وضعف التعاطف مع الخليج والاحتلال الإسرائيلي وأمريكا.

وقابلت وزارة الإعلام المصرية التلميحات الخليجية، بالقول إن “العلاقات العربية لن يعكر صفوها بعض الهرج والمرج على وسائل التواصل الاجتماعي، وأنه لا يجوز التشكيك في التضامن المصري مع دول الخليج”، مع الدعوة إلى تغليب “لغة العقل”، ووقف محاولات “إثارة الفتنة”، فيما أعلنت رفضها إساءات بعض الكتاب مثل الكويتي فؤاد الهاشم.

والسؤال: هل السيسي في طريقه إلى خسارة ابن زايد، كأكبر دعم له؟

وفي إجابته، قال الباحث عصام حريرة: “علاقات الكيانات (دول، وأفراد، وأنظمة حاكمة) تنتظم على عدة أطر، ويمكن تقسيمها بين استراتيجية، وعابرة؛ والأولى تدوم وقد تتأثر لكنها لا تنقطع أو تذوب بالتقلبات السياسية، وهو ما يتأتى أكثر إذا كانت العلاقات استراتيجية ومبنية على تقارب أو اتفاق أيديولوجي، أو قائمة على المصلحة”.

و أكد أن “العلاقة بين نظامي مصر والإمارات استراتيجية وأيديولوجية، حيث يربطها المعاداة للإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي قد تتأثر العلاقة ويشوبها بعض الفتور لكنها لن تنقطع أو تنهدم أو تسوء بدرجة كبيرة لهذا السبب”.

السبب الثاني، وفق حريرة: “تغلغل العلاقة وتحولها من مجرد دعم مالي ومادي فقط لنظام السيسي إلى استثمارات وشراء أصول الدولة ومصالح اقتصادية يصعب الفكاك منها، لذلك فالعلاقة لن تنخرب بسرعة أو تصل لشبه عداء بسبب موقف سلبي من مصر تجاه الإمارات في حرب إيران”.

وأوضح أن “الخليج كاملا ينتقد موقف مصر من حرب إيران، والكل كان ينتظر أن يكون لها موقف متطور أكثر من هذا، أو أكثر دعما له بمواجهة إيران وانتظروا أن يتخطى الموقف المصري الإدانة للهجوم الإيراني على الخليج والإمارات خاصة، ولكن النظام لم يرد إقحام نفسه في الأمر”.

كما لفت إلى أن “السيسي، يقف على قدم مساواة في علاقاته بين الدول الخليجية وخاصة السعودية والإمارات، فهو حريص على علاقته بكلا البلدين دون خسارة أي طرف منهما وعدم تأثر علاقاته بهما بأي طارئ، وهي قد تضعف نتيجة بعض التطورات أو المواقف السلبية من أحد الأطراف لكنها لن تصل لحد القطيعة أو العداء”.

توتر وظيفي لا قطيعة نهائية

وفي رؤيته، تحدث الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير قائلا: “مثّلت الحرب (الإسرائيلية-الأمريكية) على إيران متغير حاد واستراتيجي بالعلاقات البينية بين الأطراف الفاعلة بالشرق الأوسط وأهمها مصر والإمارات، لكننا لا نزال أمام توتر وظيفي داخل تحالفٍ لم ينكسر بعد، لا أمام قطيعة نهائية بين أبوظبي والقاهرة”.

ويرى أن “التغريدات الصادرة عن قرقاش، ثم الرد المصري العلني عليها، تعكس انتقال الخلاف من الغرف المغلقة إلى سياسة رسائل الضغط العلني؛ أي أن أبوظبي تريد من القاهرة موقفًا أكثر كلفة ووضوحًا في لحظة الحرب، بينما تتمسك القاهرة بسياسة دعم سياسي منخفض السقف وتجنّب الانخراط العسكري المباشر”.

ويعتقد أنه “من الخطأ المبالغة والقول إن السيسي في طريقه الحتمي إلى (خسارة ابن زايد) بالكامل؛ والأدق أن نقول: السيسي قد يخسر موقعه كحليف مُفضّل أو مدلّل، لا كحليف ضروري، فالإمارات مرتبطة بمصر عبر مصالح بنيوية كبرى، أبرزها الاستثمار الضخم برأس الحكمة (35 مليار دولار)، فضلًا عن كون مصر دولة ثقل لا يمكن لأبوظبي إزاحتها من معادلة الإقليم مهما بلغ التوتر”.

وأكد المنير، أن “ما يجري يمكن فهمه ضمن 3 مستويات متداخلة، لا ضمن مستوى (الحرب الإعلامية) فقط”، أولها أن “الحرب على إيران أعادت تعريف معنى (التحالف) في الخليج؛ فالإمارات لا تقيس المواقف ببيانات التضامن وحدها، بل بدرجة المشاركة العملية في الردع أو في حماية الممرات الحيوية، وهذا واضح في خطاب قرقاش حين ميّز بين (دعم صادق) وتصريحات دون فعل”.

ثانيًا، أشار إلى أن “مصر نفسها تتحرك من موقع هش اقتصاديًا؛ فهي ليست في وضع يسمح لها بتحمل مغامرة إقليمية مفتوحة، فقد نقلت وسائل إعلامية أن حرب إيران تختبر اقتصاد مصر الهش، مع خروج تدفقات أجنبية من أدوات الدين بين 5 و8 مليارات دولار، وارتفاع كلفة الطاقة، وتراجع حاد بالصادرات، وتضاعف واردات الطاقة، مع تقديرات برفع الإنفاق بين 0.2 بالمئة و0.55 بالمئة من الناتج المحلي”.

ولفت ثالثًا، إلى الخلاف السعودي-الإماراتي بملف اليمن، ملمحا إلى أن “تصاعد التوتر بينهما مع اتهامات متبادلة وصراع نفوذ حول الجنوب والموانئ والممرات البحرية، ودوافع أبوظبي المركزية بتأمين النفوذ على باب المندب وخليج عدن يجعلان أي تقارب (مصري-سعودي) بملف اليمن يُقرأ إماراتيًا باعتباره اختيار تموضع ضدها لا مجرد اختلاف تكتيكي”.

ويرى المنير أنه “إذا استجابت القاهرة للمزاج الإماراتي ورفعت سقف انخراطها، فإنها تدخل حرب استنزاف لا تملك أدواتها المالية ولا غطاءها الشعبي؛ وإذا بقيت عند حدود الدبلوماسية والتضامن السياسي، فإنها تُتهم خليجيًا بأنها تريد عوائد التحالف دون دفع أثمانه”.

“لهذا تتحرك مصر بمنطقة وسط بمنطق تسجيل الموقف لا تبني حقيقي للمواقف مثل: جولات تضامن خليجية، حديث عن العمل العربي المشترك، واستعداد لاستضافة مسارات تفاوض، لكن من دون قفز إلى التزامات عسكرية أو استراتيجية مباشرة”.

وقال: “ومن هنا أختلف مع التوصيف القائل إن ما يجري (أزمة شخصية) بين ابن زايد والسيسي فقط، فهذا تبسيط، والأصح أن المسألة هي إعادة تفاوض على ثمن التحالف ووظيفته”.

ماذا عن خسائر السيسي؟

ويعتقد الباحث المصري أن “أخطر ما قد يخسره السيسي ليس المال الفوري فقط، بل نوعية المال وشروطه؛ فأي تراجع من الإمارات لن يكون بالضرورة سحبًا دراميًا للاستثمارات القائمة، بل قد يأتي في صورة: إبطاء التنفيذ، تشديد الشروط، تقليل الودائع السريعة، خفض المظلة السياسية في واشنطن والعواصم الغربية، أو استخدام الإعلام واللوبيات الاقتصادية كورقة تأديب سياسي”.

الخسارة الثانية وفق رؤية المنير: “تتعلق بشرعية السيسي الإقليمية داخل معسكر (الثورات المضادة)؛ فمنذ 2013 كانت أبوظبي أحد أهم داعميه ماليًا وسياسيًا، فإذا انتقل من خانة (الحليف المعتمد) إلى خانة (الحليف المربك)، فإن قدرته على المناورة تتراجع، خصوصًا مع أزمات الديون والطاقة وسوق الصرف، فمصر لا تزال تسعى لسداد متأخرات شركات النفط، وأن اعتمادها على الواردات المكلفة ارتفع، ما يزيد هشاشتها تجاه أي فتور خليجي”.

هل توجد مكاسب للسيسي؟

نعم، “لكنّها تكتيكية لا استراتيجية”، هكذا يرى المنير، مؤكدا أن “المكسب الوحيد المحتمل هو أن يقدّم السيسي نفسه مجددًا للغرب وللخليج بوصفه وسيطًا لا مقاتلًا؛ أي الدولة العربية الكبيرة القادرة على الكلام مع الجميع، والقادرة على استضافة قنوات تهدئة، وهذا ظهر في تحرك الخارجية المصرية وجاهزية القاهرة لاستضافة مباحثات، لكن هذا الادعاء يحتاج حالة نجاح يقدمها وهو ما يغيب عن المشهد حتّى اللحظة”.

وأضاف: “لذلك يجب ألا نبالغ: فهذا لا يعوض الخسائر الاقتصادية المباشرة؛ فمصر خسرت نحو 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في 2024، ثم تحدّث السيسي نفسه لاحقًا عن خسائر شهرية تقارب 800 مليون دولار، مع تداول رقم يقارب 9 مليارات دولار خلال عامين بسبب الاضطراب الملاحي في البحر الأحمر”.

ولفت إلى احتمال حدوث “مكسب محدود يتمثل في أن تأزّم الأوضاع داخليا نتيجة الضغط الاقتصادي،  قد يدفع شركاء مصر إلى إبقائها واقفة ماليًا حتى لا تنفجر من الداخل، بعبارة أكثر دقة: مصر قد تستفيد من منطق (أكبر من أن تُترك تسقط)، لكن هذا منطق إنقاذ لا منطق تمكين”.

وخلص للقول: “نحن أمام علاقة مضطربة تفقد بريقها مع الوقت فبن زايد يشعر بالخذلان والخيانة من جانب السيسي، والسيسي يرى أنّ الحرب العالمية ستفقد الخليج ذهب المعزّ وبريقه المالي، ولا يجب الرهان المستقبلي على علاقة كهذه، لذلك سيظلّ الطرفان يلعبان معا لعبة شد الحبل للحصول على مكاسب مرحلية قبل تقاطع المصالح كليا مع تطور الحرب وتصاعدها”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق