أخبار العالمالشرق الأوسط

“إسرائيل” ولعنة الفلسطينيين: سقوط الوهم

بيروت-لبنان-08-3-2023


لم تستطع الحروب ولا العقود التي أعقبت قيام الكيان “الإسرائيلي” عام 1948، أن تمحو من ذاكرة الفلسطينيين والعرب حقيقة دامغة، وهي أنّ الكيان المحتلّ، تأسّس بفعل عامل القوة، والدعم الخارجي، وفرض الأمر الواقع بتواطؤ قوى دولية، أتاح للحركة الصهيونية وتنظيماتها الإرهابية أن تنشئ دولتها على أرض فلسطين بعد مجازر رهيبة ارتكبتها، وقيامها بتطهير عرقي للفلسطينيين، كي تكون فلسطين مقدمة لتحقيق حلم الصهاينة في إنشاء “إسرائيل الكبرى”.‬
كانت العمليات الإرهابية تعكس نهج وعقيدة وسلوك القادة الصهاينة وعصاباتهم المسلحة، كي يختزلوا شعباً بأكمله، من خلال عمليات تطهير عرقي واسعة النطاق، قامت بها التنظيمات الارهابية الهاغانا، وشتيرن، والأرغون، أعوام 1947
و1948 و1949، أدّت الى تمشيط وتدمير المدن والقرى الفلسطينية، التي بلغ عددها وفقاً لمصادر المؤرّخ الصهيوني بني موريس، بين 350 و383 قرية ومدينة، علماً انّ عدداً من الباحثين العرب، مثل عبد الجواد صالح ووليد مصطفى أحصوا 472 قرية ومدينة مدمّرة، فيما سلمان أبو ستة- وبعد دراسات وإحصاءات عميقة موثقة قام بها، تعتبر من أهمّ الأبحاث في هذا المجال- أكد أنّ عدد القرى والمدن المدمرّة بلغ 566 قرية ومدينة.

لقد ظنّ الصهاينة في ذلك الوقت، أنّ القوة وحدها تستطيع أن تجعل منهم دولة، وأنّ “قوة التقدّم في تاريخ العالم هي للسيف.. نحن نحارب إذن نحن نكون، ولولا النصر في دير ياسين، لما كانت دولة إسرائيل”! (مناحيم بيغين رئيس وزراء أسبق لكيان العدو، وزعيم عصابة الأرغون الإرهابية قبل إعلان دولة “إسرائيل”).
لقد روّج أقطاب الحركة الصهيونية، وعلى رأسهم ثيودور هرتزل، وإسرائيل زانغويل، لفكرة شوهت تاريخ فلسطين وواقعها العربي، معتبرين أنها أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، هذا الادّعاء الوهم، لقيَ في ما بعد رواجاً في الأدبيات السياسية للقادة “الصهاينة”، ما دفع برئيسة وزراء الكيان الغاصب في 8 مارس 1969 لتقول: “كيف يمكن لنا إعادة الأراضي المحتلة”؟!
وبعد حرب يونيو 1967 واحتلال الضفة الغربية، صرحت غولدا مائير يوم 15 يونيو 1969 بكلّ وقاحة قائلة: “لا يوجد شيء اسمه الفلسطينيون. لم يكن هناك في فلسطين من فلسطينيين حتى يقال إننا طردناهم، وأخذنا البلاد منهم. إذ لم يكن لهؤلاء من وجود”.

كان بن غوريون يدرك جيداً العامل الديموغرافي وخطورته على مستقبل الدولة اليهودية، خاصة أنّ تعداد العرب الفلسطينيين سيفوق مستقبلاً تعداد اليهود وأنّ إقامة دولة ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني، يترتب عنه:
ـ إما إشراك الفلسطينيين في الحكم بشكل فاعل ومؤثر بسبب نسبة عددهم إلى “الإسرائيليين”، وهذا ما أراد بن غوريون تجنبه، ولو لوقت، تاركاً المجال للأجيال اليهودية القادمة، أن تأخذ المبادرة في تمدّد الاحتلال.
ـ وإما طرد الفلسطينيين على الفور، وهذا ما تمّ تنفيذه من خلال خمس موجات عسكرية قامت بها المنظمات الإرهابية الصهيونية، وفي ما بعد الجيش الذي تشكل من هذه المنظمات التي انضوت تحت لوائه. موجات التطهير العرقي الخمس، وثقها بني موريس في كتابه: “نشأة اللاجئين الفلسطينيين”، موجات بدأت من شهر ديسمبر 1947، وصولاً إلى شهر يوليو 1949، أسفرت عن ارتكاب مجازر رهيبة، وتطهير المدن والقرى، وإفراغها من سكانها.
عقيدة الاحتلال، والتطهير العرقي، وضمّ المزيد من الأراضي عبر عنها موشي ديان بعد حرب يونيو 1967 قائلا: “إن الجيل الماضي أنشأ دولة “إسرائيل”، والجيل الحاضر أحرز ما أحرزه في حرب 1967… فعلى الجيل القادم أن يأخذ المبادرة وينطلق عبر الحدود”.
بهذا المنطق العدواني التوسعي، أراد العنصريون الصهاينة أن يختزلوا وجود الشعب الفلسطيني، وينزعوا تاريخه وحاضره، هويته وعقيدته، جذوره وحضارته، ثقافته وانتماءه. لذلك كان استخدام القوة العسكرية واللجوء الى العمليات الإرهابية غاية لانتزاع فلسطين من ذاكرة الجيل الثاني والثالث الفلسطيني.
إرهاب وقتل ترسخ في عقول العديد من المحتلين منهم الأكاديمي أرمون سوفيرفي جامعة حيفا الذي أدلى يوم 10 مايو 2004 بحديث الى صحيفة “جيروزالم بوست” جاء فيه: “فيما لو أردنا أن نبقى على قيد الحياة، يتوجّب علينا أن نقتل ونقتل ونقتل. إن لم نقتل في كلّ وقت وفي كل يوم، سينتهي وجودنا”.
أمام هذه الحقيقة المحزنة، إننا على يقين أنّ “الإسرائيليين” لا يفهمون إلا لغة القوة.
بعد خمسة وسبعين عاماً من احتلال فلسطين، وبرغم امتلاك الكيان الغاصب ترسانة نووية وعسكرية تجعل منها واحدة من أكبر القوى العسكرية الضاربة في الشرق الأوسط، بموازنة عسكرية تبلغ 14 مليار دولار، يضاف اليها مساعدة عسكرية سنوية بقيمة 3.5 مليار دولار تقدّمها الولايات المتحدة لها، لم يستطع هذا الكيان أن يطفئ شعلة المقاومة، ولا أن يلغي حقائق التاريخ، أو يروّض الشعب الفلسطيني، أو يلغي وجوده، ويقضي على إرادته في مقاومة الاحتلال. كما لم يستطع أن يوفر لمستوطنيه الأمن والاستقرار، والثقة بمستقبل لن يكون بالتأكيد، إلا لأصحاب الأرض والحقّ، بعد أن قلب المقاومون الفلسطينيون المقاييس، والمعادلات العسكرية والديموغرافية، والعقائدية التي بنى عليها قادة المنظمات الصهيونية كيانهم وحتى اليوم..
حساب الوهم “الإسرائيلي” لم يكن في موضعه، فالتآكل بدأ يتفاعل، والانقسام الداخلي، والتمييز العنصري ينخر بشدة المجتمع العنصري في الوقت الذي قلب فيه الجيل الثاني والثالث الفلسطيني المقاييس، وأطاح بالنظريات، والسياسات، والخطط، والحلول المفخخة، التي رسمتها دولة الاحتلال مع حلفائها وعرابيها بحق الفلسطينيين.
منذ 75 عاماً.. أرحام أمهات فلسطين تنجب المقاومين أصحاب الأرض الذين لم يحسب أقطاب الصهاينة حسابهم.. هم المقاومون الحقيقيون البواسل.. هم هوية فلسطين ووجدانها، ماضيها وحاضرها ومستقبلها. هم الذين سيجعلون العالم كله يشهد على تحرير أرضهم من الغزاة عاجلاً أم آجلاً.
إنّ شعباً عظيماً، ومقاومة عنيدة لا نظير لها في العالم كله، فيها قوافل الشهداء، حاضرة في كلّ الساحات، تقول بصوت عال للكيان المحتلّ، إنّ فلسطين ليست لشذاذ الآفاق، وإنما لشعب متجذر فيها، وها أنا هذا الشعب. المنازلة بيننا لن تتوقف، والإرادة الأقوى هي التي ستنتصر لا محال! إرادة قوافل شهداء الجيل الثاني والثالث الأكثر تعلقاً وثباتاً وإيماناً بفلسطين وشعبها. هو الجيل الثائر الذي يرفع منسوب مقاومته يوماً بعد يوم، والمُصرّ على تبديد الوهم الإسرائيلي، وتصحيح مسار التاريخ.


بعد مضيّ 75 عاماً على الاحتلال، هل لا يزال قادة “الكيان” الجدد مقتنعين بأنّ فلسطين كانت أرضاً بلا شعب، لشعب بلا أرض؟! الجواب عند المقاومين الذين عاهدوا الله والأمة على تطهيرها من الاحتلال الصهيوني، في يوم سيسأل فيه الفلسطينيون: ما إسرائيل وما جبل صهيون، كما سأل قوم من قبل، ما عاد وما ثمود…؟‬
*عدنان منصور.. وزير الخارجية اللبناني الأسبق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق