أخبار العالم

أمين عام الجامعة العربية في الخرطوم لبحث وقف الحرب وتحذيرات دولية من استمرار مأساة الفاشر

وصل الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، إلى العاصمة السودانية الخرطوم في زيارة رسمية تهدف إلى بحث تطورات الأزمة السودانية، ودعم الجهود الرامية إلى وقف الحرب، وتعزيز فرص إطلاق حوار سياسي شامل بين الأطراف السودانية. وتأتي الزيارة في ظل استمرار المواجهات المسلحة وتفاقم الأوضاع الإنسانية، بالتزامن مع تصاعد التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار وتسوية سياسية تحافظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.

وتندرج هذه الزيارة ضمن تحركات جامعة الدول العربية الرامية إلى تأكيد دعمها للسودان في ظل الأزمة التي تشهدها البلاد منذ اندلاع المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ومن المقرر أن يلتقي فهمي رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، إلى جانب لجنة تهيئة الحوار السوداني وعدد من ممثلي القوى السياسية، لبحث تطورات المشهد الداخلي وآفاق استئناف العملية السياسية. كما تشمل الزيارة عقد مؤتمر صحفي لتوضيح موقف الجامعة العربية من الأزمة والجهود التي تعتزم مواصلتها لدعم الاستقرار في السودان.

الجامعة العربية تدعم الحوار السوداني وتؤكد وحدة البلاد

تكتسب زيارة الأمين العام للجامعة العربية أهمية سياسية بالنظر إلى محاولات الدفع نحو مسار حوار سوداني–سوداني يتيح للقوى السياسية والمدنية المشاركة في تحديد مستقبل البلاد، بعيدًا عن استمرار المواجهة العسكرية. فإلى جانب الجهود الرامية إلى وقف القتال، تبرز الحاجة إلى بناء توافق وطني بشأن شكل المرحلة الانتقالية، ومستقبل مؤسسات الدولة، وآليات استعادة الحكم المدني، بما يضمن عدم تحول التسوية إلى مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار من دون معالجة جذور الأزمة السياسية.

وفي هذا السياق، تمثل لجنة تهيئة الحوار السوداني إحدى المبادرات المطروحة لتوفير الظروف اللازمة لإطلاق مشاورات بين القوى السياسية والمجتمعية، وتوسيع دائرة المشاركة في العملية السياسية. غير أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بقدرته على استيعاب التباينات بين المكونات السودانية، وتوفير ضمانات للمشاركة الفعلية، وتجنب إقصاء الأطراف التي يمكن أن تسهم في بناء توافق وطني مستدام.

كما تبرز مسألة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية باعتبارها أحد المحاور الأساسية في التحركات الدبلوماسية. فاستمرار الحرب لا يؤدي إلى تدمير البنية التحتية وإضعاف الاقتصاد فحسب، بل يزيد أيضًا من مخاطر تفكك المؤسسات وتعدد مراكز السلطة، بما قد يهدد وحدة الأراضي السودانية ويعقد فرص إعادة بناء الدولة في مرحلة ما بعد النزاع.

ومن ثم، فإن التحرك العربي لا يقتصر على التعبير عن التضامن السياسي مع السودان، بل يرتبط أيضًا بمحاولة دعم مسار تفاوضي يمنع اتساع الانقسام الداخلي، ويحافظ على مؤسسات الدولة، ويفتح المجال أمام تسوية سياسية تستند إلى مشاركة سودانية واسعة.

الرباعية الدولية والخماسية: تكثيف الجهود من أجل هدنة إنسانية

تأتي زيارة الأمين العام للجامعة العربية في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لتنسيق المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب. وفي هذا الإطار، عقدت سويسرا والأمم المتحدة اجتماعًا تشاوريًا في جنيف يوم 21 أكتوبر 2026، بمشاركة ممثلين عن دول إقليمية ودولية ومنظمات متعددة الأطراف، بهدف تعزيز التنسيق بين مسارات الوساطة وتحديد إجراءات عملية لدعم السلام في السودان.

وشارك في الاجتماع ممثلون عن الدول المنخرطة في جهود الوساطة، وأعضاء مجموعة الرباعية، إلى جانب الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ودول جوار السودان، ومكونات الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وركزت المشاورات على ضرورة توحيد الجهود الدبلوماسية، وتحسين وصول المساعدات الإنسانية، ودعم عملية سياسية يقودها السودانيون أنفسهم.

وتضم الرباعية الدولية المعنية بالجهود الدبلوماسية بشأن السودان الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، وقد برز دورها في المساعي الرامية إلى التوصل إلى هدنة إنسانية. أما الآلية الخماسية، فتضطلع بدور في تنسيق الجهود السياسية والدبلوماسية وتيسير الحوار بين القوى السودانية المدنية والسياسية.

وقد شدد المشاركون في اجتماع جنيف على أن الحرب لا يمكن حسمها عسكريًا، داعين الأطراف المتحاربة إلى اتخاذ خطوات ملموسة لخفض التصعيد، وحماية المدنيين، والسماح بوصول المساعدات، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. كما حذروا من أن استمرار تدفق الأسلحة والمعدات العسكرية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، من شأنه إطالة أمد الصراع وزيادة كلفته الإنسانية، فضلًا عن رفع مخاطر امتداده إلى دول الجوار.

وتكشف هذه التحركات عن إدراك دولي متزايد بأن تعدد المبادرات، على أهميته، لا يضمن وحده تحقيق اختراق سياسي ما لم تتكامل المسارات الدبلوماسية وتتحول إلى ضغوط عملية على الأطراف المتحاربة. كما أن نجاح الوساطة يتطلب معالجة التداخل بين المسارات العسكرية والسياسية والإنسانية، بدلًا من التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة.

الفاشر بعد عام على سقوطها: أزمة إنسانية تتجاوز حدود دارفور

تتزامن التحركات الدبلوماسية مع مرور عام على سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع يوم 26 أكتوبر 2025، في تطور شكّل محطة مفصلية في مسار الحرب السودانية، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمدينة وموقعها في إقليم دارفور. وقد ارتبط سقوطها بتفاقم المخاوف بشأن سلامة المدنيين، واتساع موجات النزوح، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المتضررين.

وبعد مرور عام، لا تزال تداعيات الأحداث التي شهدتها المدينة تلقي بظلالها على الوضع الإنساني في دارفور. فقد حذرت الأمم المتحدة من استمرار معاناة النساء والفتيات النازحات، في ظل تعرضهن لمخاطر العنف الجنسي، وفقدان أفراد من أسرهن، وانقطاع مصادر الرزق، وتدهور أوضاعهن النفسية والاجتماعية.

ووفق إحاطة أممية نُشرت في جنيف يوم 23 أكتوبر، أظهر مسح شمل 50 منظمة نسائية تقدم الدعم للنازحين من الفاشر أن 49 منظمة رصدت مؤشرات على معاناة نفسية لدى النساء والفتيات المتضررات، فيما أفادت 90% من المنظمات بأن هذه المعاناة استمرت بعد مرور عام على أعمال العنف. كما أشارت المنظمات إلى استمرار انعدام الأمن، ومحدودية الوصول إلى خدمات الدعم النفسي والقانوني، وصعوبة استعادة الحياة الطبيعية في مناطق النزوح.

وتبرز هذه المعطيات أن الأزمة لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة أو النزوح القسري، بل تشمل أيضًا آثارًا اجتماعية ونفسية طويلة الأمد تهدد تماسك المجتمعات المحلية، وتزيد من هشاشة الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها وشبكات الدعم الاجتماعي.

وتتفاقم هذه الأوضاع في ظل تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على الرعاية الأساسية، فضلًا عن المخاطر التي تواجه النساء والأطفال في مناطق النزاع والنزوح. وتشير المعطيات الأممية إلى أن الهجمات على المدنيين والبنية التحتية واستمرار انعدام الأمن ما زالت تدفع السكان إلى الفرار، في وقت لا تزال فيه الاستجابة الإنسانية تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل وإمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة.

تحذيرات أممية من اتساع الانتهاكات وتفاقم الأزمة الإنسانية

لا تقتصر المخاوف الدولية على الفاشر وحدها، إذ تتواصل المواجهات في مناطق أخرى من السودان، ولا سيما شمال كردفان وجنوب كردفان والنيل الأزرق، مع استمرار الهجمات الجوية وهجمات الطائرات المسيّرة التي تعرض المدنيين والمنشآت الحيوية للخطر.

وفي إحاطة أمام مجلس الأمن بتاريخ 16 أكتوبر، حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية، مشيرة إلى استمرار الهجمات على مواقع مدنية وعمليات الإغاثة، وإلى مخاطر تصاعد العنف في ظل استمرار تدفق الأسلحة وتجنيد المقاتلين. كما دعت الأطراف الخارجية إلى استخدام نفوذها لدفع الأطراف المتحاربة نحو وقف القتال، بدلًا من تقديم الدعم الذي يطيل أمده.

وتشكل حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية أحد أبرز التحديات أمام الجهود الدولية، خصوصًا مع اتساع رقعة النزاع وتضرر البنية التحتية الأساسية. فاستمرار القتال يعوق إيصال الغذاء والدواء، ويزيد من صعوبة عمل المنظمات الإنسانية، ويضاعف المخاطر التي تواجه السكان في المناطق المحاصرة أو التي تشهد مواجهات متكررة.

كما تثير الأزمة مخاوف من تداعيات إقليمية متزايدة، في ظل استمرار نزوح السودانيين إلى الدول المجاورة، وما يفرضه ذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية على البلدان المستقبلة. ويجعل هذا الترابط بين الأمن الإنساني والاستقرار الإقليمي من وقف الحرب ضرورة تتجاوز حدود السودان، لتصبح جزءًا من الجهود الرامية إلى منع توسع الأزمات في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية واقتصادية.

هل تنجح التحركات الدبلوماسية في تجاوز الانسداد السياسي؟

رغم اتساع دائرة التحركات الإقليمية والدولية، لا تزال فرص التوصل إلى تسوية شاملة تواجه عقبات كبيرة. ويتمثل أبرزها في استمرار الرهان العسكري لدى الأطراف المتحاربة، وتباين حساباتها بشأن موازين القوى على الأرض، فضلًا عن تعقيد المشهد السياسي وتعدد الأطراف والقوى المؤثرة في مسار الحرب.

وقد أشار المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، في سبتمبر الماضي، إلى أن طرفي النزاع لا يزالان يعولان على تحقيق مكاسب عسكرية لتعزيز مواقعهما قبل الدخول في مفاوضات، رغم الجهود الدبلوماسية الواسعة المبذولة لإيجاد حل سلمي. كما أكد أهمية إشراك القوى المدنية والنساء والشباب في العملية السياسية، باعتبار أن إنهاء الحرب لا يمكن أن يقتصر على التفاهمات بين الأطراف العسكرية وحدها.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى بناء مسار تفاوضي يجمع بين وقف إطلاق النار، وضمانات حماية المدنيين، وتسهيل العمل الإنساني، وإطلاق حوار سياسي شامل بشأن مستقبل الحكم في البلاد. كما يتطلب التوصل إلى تسوية مستدامة معالجة المخاوف المرتبطة بوحدة المؤسسات الوطنية، ومنع إنشاء هياكل حكم موازية قد تؤدي إلى تكريس الانقسام السياسي والجغرافي.

ويظل الدور الإقليمي والدولي مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الوسيطة على توحيد رسائلها الدبلوماسية، والضغط من أجل التزامات قابلة للتنفيذ، وضمان ألا تتحول الهدنة الإنسانية إلى إجراء مؤقت يسمح باستمرار الحرب بعد انقضاء مدتها. فوقف القتال يمثل خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي وحده لإرساء سلام مستدام ما لم يقترن بعملية سياسية ذات مصداقية، تحظى بقبول واسع داخل المجتمع السوداني.

السودان أمام مفترق طرق

تعكس زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى الخرطوم، بالتزامن مع تكثيف المشاورات الدولية والتحذيرات بشأن الفاشر، حجم التحديات التي تواجه السودان في واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخه الحديث. فاستمرار الحرب يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويعمق الأزمة الإنسانية، ويزيد من احتمالات الانقسام وعدم الاستقرار الإقليمي.

وفي حين تمثل التحركات الدبلوماسية فرصة لإعادة تنشيط المسار السياسي، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من التصريحات والمشاورات إلى إجراءات ملموسة توقف القتال وتحمي المدنيين وتضمن وصول المساعدات. كما أن بناء السلام يتطلب عملية سياسية سودانية شاملة تتيح للقوى المدنية والمجتمعية المشاركة في تحديد مستقبل البلاد، وتضع أسسًا لمرحلة انتقالية تستند إلى الشرعية والتوافق الوطني.

وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الجهود العربية والدولية لا يتمثل فقط في التوصل إلى هدنة، بل في منع تحول الحرب إلى واقع دائم يعيد تشكيل السودان على أسس من الانقسام والعنف. وبين المساعي الدبلوماسية ومأساة الفاشر، تبقى الأولوية لإنهاء معاناة المدنيين، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية تضع حدًا للحرب وتعيد للسودانيين حقهم في الأمن والاستقرار وتقرير مستقبلهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق