ألكسندر دوغين: مستقبل العالم الإسلامي ومكانته في النظام العالمي القادم

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية: 14-03-2026
يطرح المفكر والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين رؤية مثيرة للجدل حول مستقبل العالم الإسلامي ومكانته في النظام العالمي القادم، فدوغين، الذي يعد أحد أبرز منظّري الفكر الأوراسي في روسيا المعاصرة، لا ينظر إلى الصراعات الجارية في الشرق الأوسط بوصفها مجرد مواجهات سياسية أو عسكرية عابرة، بل يراها تعبيرًا عن تحولات حضارية كبرى قد تعيد تشكيل توازن القوى في العالم، وفي هذا السياق طرح دوغين فكرة لافتة عندما تحدث عن مشروع سماه “الخلافة البغدادية 2.0″، أو ما يمكن تسميته بالعربية “الخلافة العباسية الجديدة”، وقد يبدو هذا المصطلح صادمًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يعكس تصورًا فكريًا أوسع يتجاوز المعنى السياسي الضيق للخلافة، ليشير إلى مشروع حضاري محتمل يعيد صياغة دور العالم الإسلامي في التاريخ المعاصر.
ينطلق دوغين من فرضية أساسية مفادها أن النظام العالمي الذي نشأ بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي يقترب من نهايته. فمرحلة الهيمنة الغربية الأحادية التي قادتها الولايات المتحدة طوال العقود الثلاثة الماضية بدأت تتآكل تدريجيًا، مع صعود قوى دولية جديدة وتنامي النزاعات الجيوسياسية.
ويرى دوغين أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة “تعدد الحضارات”، حيث لن يكون الصراع مجرد تنافس بين دول قومية، بل بين مشاريع حضارية كبرى تمثل رؤى مختلفة للعالم والإنسان والتاريخ.
ففي مقابل الحضارة الغربية الليبرالية، هناك الصين الصاعدة، وهناك المشروع الأوراسي الذي يدعو إليه دوغين في روسيا، وربما – كما يعتقد – يمكن للعالم الإسلامي أن يتحول بدوره إلى قطب حضاري مستقل.
إيران كمركز لمشروع حضاري
في هذا الإطار يقرأ دوغين المواجهة التي خاضتها إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة. فهذه المواجهة، في نظره، لا ينبغي فهمها فقط كصراع إقليمي، بل كجزء من مواجهة أوسع بين رؤيتين مختلفتين للنظام العالمي.
فإيران، بحسب تحليله، لم تتصرف كدولة إقليمية عادية، بل كقوة تمتلك مشروعًا حضاريًا واضحًا. ولذلك يرى أن الضربة التي تعرضت لها لم تؤدِّ إلى إضعافها كما توقع كثيرون، بل ساهمت في إعادة إحياء الطاقة الثورية التي إنطلقت مع الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة آية الله روح الله الخميني.
فالخميني – في نظر دوغين – لم يكن مجرد قائد سياسي أطاح بنظام الشاه محمد رضا بهلوي، بل كان صاحب مشروع يسعى إلى إعادة إدخال الدين إلى المجال السياسي العالمي، بعد عقود من هيمنة الأيديولوجيات العلمانية.
يشير دوغين إلى أن أحد أسباب صمود إيران يكمن في قدرتها على الجمع بين عنصرين مهمين: العقيدة الدينية والهوية القومية التاريخية.
فالنظام السياسي الإيراني يقوم على مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح القيادة شرعية دينية، وفي الوقت نفسه تستند الدولة إلى إرث حضاري فارسي عريق يمتد لقرون طويلة. هذا المزج بين البعدين الديني والقومي يمنح المشروع الإيراني – بحسب دوغين – قدرة كبيرة على تعبئة المجتمع في مواجهة الضغوط الخارجية
في هذا الجزء من تحليله يميز دوغين بين النخب السياسية السنّية التي تحكم عددًا من الدول الإسلامية، وبين المجتمعات السنّية نفسها.
فبحسب رأيه أصبحت كثير من هذه النخب جزءًا من النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهو ما يجعلها – في نظره – عاجزة عن طرح مشروع حضاري مستقل.
لكن المجتمعات السنّية نفسها، كما يرى، ما زالت تحتفظ بحس ديني تقليدي قوي، خاصة فيما يتعلق بالرؤية الأخروية للتاريخ. ففكرة الصراع النهائي بين الخير والشر، وظهور المهدي المنتظر ومواجهة المسيح الدجال، حاضرة في التراث الإسلامي السنّي كما هي حاضرة في الفكر الشيعي.
إنطلاقًا من هذه الملاحظة يعتقد دوغين أن هناك أرضية عقائدية مشتركة بين الشيعة والسنّة يمكن أن تشكل أساسًا لتحالف حضاري أوسع في العالم الإسلامي.
لكنه في الوقت نفسه ينتقد بشدة بعض التيارات الإسلامية المعاصرة، مثل الحركات السلفية والجهادية، ويرى أنها قدمت نماذج مشوهة لفكرة الخلافة أو تحولت إلى أدوات في صراعات جيوسياسية.
وفي هذا السياق يشير إلى تنظيم داعش وشخصيات مثل أبو محمد الجولاني بوصفها أمثلة على ما يراه إنحرافًا عن المسار الحضاري للإسلام.
بدلًا من ذلك يقترح دوغين العودة إلى نموذج تاريخي مختلف، هو نموذج الخلافة العباسية.
ففي زمن هذه الخلافة كانت بغداد واحدة من أعظم مدن العالم، ومركزًا عالميًا للعلم والفلسفة والترجمة والتصوف. وقد شهدت تلك المرحلة إزدهارًا فكريًا هائلًا جمع بين الفقه الإسلامي والفلسفة والعلوم الطبيعية.
ويرى دوغين أن إستعادة روح هذه المرحلة – لا إعادة النظام السياسي نفسه – قد تشكل أساسًا لمشروع حضاري إسلامي جديد.
ولكي يوضح فكرته أكثر، يقارن دوغين بين هذا المشروع وبين نماذج أخرى ظهرت في العالم الإسلامي المعاصر.
فبعض التيارات الوهابية والسلفية حاولت طرح فكرة الخلافة لكنها قدمت – في نظره – نسخة متشددة ومحدودة منها. وفي المقابل هناك مشروع “العثمانية الجديدة” المرتبط بالمفكر والسياسي التركي أحمد داود أوغلو، والذي يسعى إلى إحياء النفوذ التركي في العالم الإسلامي على أساس الإرث العثماني.
أما “الخلافة العباسية الجديدة” التي يتحدث عنها دوغين فهي، في تصوره، مشروع حضاري مختلف يقوم على إحياء الإسلام الكلاسيكي الذي جمع بين الفقه والتصوف والفلسفة.
في النهاية ترتبط هذه الفكرة برؤية دوغين الأوسع للنظام الدولي. فهو يعتقد أن العالم يتجه نحو مرحلة تتنافس فيها حضارات كبرى: الحضارة الغربية، والحضارة الصينية، والحضارة الروسية الأوراسية.
وفي هذا السياق يرى أن العالم الإسلامي يمتلك المقومات التاريخية والروحية التي قد تسمح له بالتحول إلى قوة حضارية مستقلة، إذا إستطاع إعادة إكتشاف تراثه الكلاسيكي وتجاوز الإنقسامات التي فرضتها الصراعات السياسية الحديثة.
ورغم أن هذه الفكرة تبقى في جوهرها تصورًا فكريًا أكثر منها مشروعًا سياسيًا واقعيًا، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف عن الطريقة التي ينظر بها بعض المفكرين الروس إلى مستقبل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي في زمن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يطرحه هذا الطرح مفتوحًا: هل يستطيع العالم الإسلامي أن يعيد إكتشاف ذاته كحضارة قادرة على إنتاج مشروعها الخاص، أم سيظل مجرد ساحة للصراع بين القوى الكبرى؟



