أبعاد الحرب وحدودها: مواجهة الانزلاق الإقليمي والدولي

إعداد إدريس أحميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية 29-03-2026
بطبيعة الأحداث التي تشهدها المنطقة، تتكشف تهديدات خطيرة تتجاوز مجرد السيطرة على مصادر الطاقة أو الممرات الاستراتيجية، لتصل إلى محاولة فرض هيمنة كاملة على الجغرافيا السياسية. هذا الانزلاق المستمر قد يُدخل المنطقة والمصالح الدولية في فوضى شاملة، تهدف إلى تشكيل واقع جديد لم تتضح ملامحه بعد، ويتطلب نظرة استراتيجية دقيقة لفهم ما يُحاك.
التحركات الأخيرة بقيادة دونالد ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو تكشف عن مشروع واسع لإعادة رسم موازين القوى، حيث تُفرض على الدول خيارات صعبة قد تُجرّها إلى مواجهات لم تختَرها، وتضع شعوبها في دائرة استنزاف مستمرة.
التحذيرات حول خطورة الانزلاق الإقليمي لم تأتِ من تركيا وحدها، بل صدرت أيضًا عن الدول الأوروبية، والصين، وروسيا، والمنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، التي طالبت بتوخي الحذر وضرورة عدم السماح لتوترات المنطقة بالتصعيد نحو صراعات شاملة. هذه التحذيرات تؤكد أن المخاطر ليست إقليمية فحسب، بل تحولت إلى قلق عالمي، يطال الأمن والاستقرار الدوليين.
تحذيرات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لم تأت بجديد، فهي تكرر ما تنبأ به المحللون الاستراتيجيون، وتؤكد أن المنطقة تُدفع تدريجيًا إلى لعبة إسرائيلية مكتوبة بعناية، وبذور الفتنة زرعت بالفعل. الرسالة التركية واضحة: إوعوا تقعوا في اللعبة، لأن أي خطوة للانخراط في مواجهة ضد إيران ستكون نقطة تحول خطيرة للمنطقة.
الاتفاقيات الإبراهيمية، رغم التسويق السياسي والاقتصادي لها، هي في العمق أداة لتوريط الدول العربية في مواجهة إيران، وتحويل الصراع من قضاياه الحقيقية إلى نزاعات داخلية تستنزف الجميع، بينما تتفرغ إسرائيل لمشروعها الاستراتيجي، بما في ذلك إقامة “إسرائيل الكبرى” تحت شعارات دينية وسياسية.
لقد احترنا أمام هذه الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل، مع محاولة تأليب العالم ضد إيران، التي رغم وجود مشروعها واستراتيجيتها لإيجاد مكانتها في المنطقة والعالم، تواجه اليوم محاولات لضربها من كل جانب. السؤال المحوري يبقى: هل نعرف عدونا؟ وهل نستطيع اتخاذ موقف ينجح في إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان؟
الدول العربية، في ظل الانقسام والضعف، أكثر عرضة للتورط والخسارة. دول الخليج ستدفع الثمن الأكبر، بينما امتداد المخاطر يشمل مصر وبقية الدول العربية، إذا لم تُحدد المواقف بسرعة وحكمة. هذا الوضع يحتم التحرك العاجل وتنسيق الرؤى، كما يُنتظر من اللقاء الباكستاني-السعودي-المصري-التركي أن يوفر أرضية لرؤية مشتركة، تهدف إلى حماية المنطقة من الانزلاق في وحل الحرب، مع التركيز على الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي تعمل عليها الولايات المتحدة وإسرائيل.
هل يمكن تدارك ما يحدث؟
نعم، لكن ذلك يتطلب:
- توحيد المواقف العربية لتقليل خطر التورط وإعادة القوة لمواقفها.
- تحديد الأولويات والأعداء بوضوح، لمنع الانزلاق في صراعات جانبية.
- بناء تحالفات استراتيجية ذكية، مثل اللقاء الباكستاني-السعودي-المصري-التركي، لتنسيق الرؤية المشتركة.
- العمل الدبلوماسي النشط للضغط على الأطراف الفاعلة ومنع تفاقم الصراعات.
- رفع الوعي السياسي والمجتمعي لتعزيز الموقف الداخلي ومواجهة الضغوط الخارجية.
المنطقة اليوم على مفترق طرق: إما استعادة زمام المبادرة عبر وضوح الرؤية واتخاذ مواقف استراتيجية، أو الانزلاق نحو صراعات مستنزفة لا تخصها، بينما تظل الأطراف الخارجية المستفيد الأكبر.
القاعدة واضحة: من لا يحدد عدوه بدقة سيقاتل في معركة ليست له، ويدفع ثمنها وحده.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يكتب النجاح لإيجاد تحالف إقليمي ودولي قادر على مواجهة المخاطر واستيعاب ما يحدث، من أجل إنقاذ الشرق الأوسط والعالم، وإنهاء الجنون والغطرسة التي تستهدف الجميع جراء المخططات الانفرادية التي لا مثيل لها؟
لابد أيضًا من الحذر من مخاطر اتساع الحرب إلى مناطق أخرى من العالم، حيث التوترات المتصاعدة قد تدفع الدول إلى صياغة تحالفات ليست بالدبلوماسية بل عبر مواجهات عسكرية، في سباق لتحقيق أهدافها بسرعة، مما قد يدخل العالم في كارثة لا يمكن توقع مآلاتها.
إذا استمر هذا الوضع، يمكن أن يتحول العالم إلى غابة بكل ما تعنيه الكلمة، تهدد الاقتصاد العالمي والاستقرار الإنساني، وتضعف ما تبقى من الأعراف والمواثيق الدولية، وتُظهر الحاجة الملحة إلى صياغة نظام دولي فعال في ظل عجز الأمم المتحدة التي أصبحت متفرجة، وللأسف، بعض الدول التي كان يجب عليها احترام القانون الدولي حولتها إلى أداة لتحقيق مصالحها الخاصة.
فالأزمة الحالية ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل اختبار حقيقي لقدرة المنطقة والعالم على حماية أنفسهم واستعادة دور المؤسسات الدولية، قبل أن تتحول التوترات إلى كارثة إقليمية وعالمية لا يمكن تداركها.



