واشنطن وبكين والبرازيل في قلب صراع النفوذ: لماذا تتنافس واشنطن وبكين على البرازيل؟

اعداد أمل التكابري : قسم البحوث والدراسات والعلاقات الدولية 07-10-2026
لم تعد البرازيل مجرد قوة إقليمية مؤثرة في أميركا اللاتينية، بل أصبحت نقطة تقاطع لمصالح اقتصادية واستراتيجية متزايدة بين الولايات المتحدة والصين. فحجم السوق البرازيلية، وثقلها الزراعي والمعدني، ومواردها من الطاقة والمعادن الاستراتيجية، فضلًا عن موقعها داخل مجموعة «بريكس»، يجعلها شريكًا يصعب تجاهله في الحسابات الدولية للقوتين
وتكتسب هذه المنافسة أهمية خاصة مع تصاعد الطلب العالمي على المعادن الحرجة والأتربة النادرة التي تدخل في صناعة السيارات الكهربائية، والإلكترونيات المتقدمة، ومعدات الطاقة، والتقنيات الدفاعية. وتمتلك البرازيل ثاني أكبر احتياطي معروف من العناصر الأرضية النادرة عالميًا، الأمر الذي جعل مواردها جزءًا من جهود واشنطن لتنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين. وقد استحوذت شركة
على مشروع «سيرا فيردي» البرازيلي، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الأميركي بالقطاع USA Rare Earth
لكن أهمية البرازيل بالنسبة للصين مختلفة في طبيعتها. فبكين لا تنظر إليها فقط كمصدر للمعادن، وإنما باعتبارها شريكًا تجاريًا واستراتيجيًا راسخًا.
وقد أصبحت الصين جزءًا عميقًا من شبكات التجارة والإنتاج البرازيلية، ولا سيما في قطاعات الزراعة والطاقة والتعدين. وتشير بيانات حديثة إلى أن الصين استوعبت 30.7% من الصادرات البرازيلية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، مقابل 9.6% للولايات المتحدة، وهو فارق يوضح صعوبة إعادة توجيه الاقتصاد البرازيلي بعيدًا عن السوق الصينية
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الانتخابات الحالية. ففلافيو بولسونارو يطرح توجهًا أكثر قربًا من واشنطن، وقد جعل من التعاون الأميركي في مجال المعادن النادرة جزءًا من رؤيته للسياسة الاقتصادية والخارجية. وفي المقابل، لا تعني هذه المقاربة بالضرورة قدرة البرازيل على التخلي عن الصين؛ فحتى حكومة جايير بولسونارو، التي تبنت خطابًا أكثر تقاربًا مع واشنطن وانتقادًا لبكين، انتهت إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية واسعة مع الصين
لذلك، فإن جوهر التنافس الأميركي–الصيني في البرازيل لا يتمثل في انتزاع البرازيل بالكامل من الطرف الآخر، بقدر ما يتعلق بمن يمتلك نفوذًا أكبر على القطاعات التي ستحدد الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة: المعادن الحرجة، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد
وتكشف هذه المعادلة أن فلافيو قد يكون أكثر قربًا سياسيًا من واشنطن، لكن البرازيل تظل مرتبطة اقتصاديًا ببكين
كما أن المؤسسات والقوانين البرازيلية تجعل الوصول إلى الموارد الاستراتيجية عملية تفاوضية معقدة، لا يمكن لأي رئيس اختزالها في خيار أيديولوجي واحد. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الفارق بين لولا وفلافيو يكمن أساسًا في طريقة إدارة هذه الشراكات وشروطها، وليس في إمكانية قطع العلاقة مع أحد الطرفين.
ومن ثم، فإن البرازيل لا تبدو أمام خيار بسيط بين واشنطن أو بكين، بل أمام محاولة للحفاظ على قدرتها على التفاوض مع القوتين في آن واحد. وإذا كانت عودة آل بولسونارو قد تدفع نحو تقارب سياسي أكبر مع الولايات المتحدة، فإن الثقل الاقتصادي للصين سيظل عاملًا بنيويًا يفرض حدوده على أي إعادة تموضع كاملة.
وهنا تتحول البرازيل من ساحة للمنافسة الأميركية–الصينية إلى طرف يملك أوراقًا في هذه المنافسة نفسها.
فالسؤال لم يعد فقط: من سيكسب النفوذ في البرازيل؟
بل: إلى أي مدى تستطيع برازيليا تحويل هذا التنافس إلى مكسب استراتيجي يحافظ على استقلالية قرارها؟



