أخبار العالمبحوث ودراسات

نهاية اخوان تونس والعودة المحتملة من خلال الصف الثالث والرابع للتنظيم

اعداد عادل الحبلاني : قسم البحوث والدراسات السياسية والعلاقات الدولية

مراجعة واشراف الدكتورة بدرة قعلول : رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية

لا توجد قاعدة تقول بأن كل ما يتم إنهاءه بقوة السلاح والحرب،سيندثر بالضرورة فالأفكار النازية على سبيل المثال لم تنتهي من ألمانيا، بقدر ما أعيد إنتاجها داخل أطر وهياكل مخالفة للتي كانت عليها، لتتحول إلى ظاهرة معاصرة عابرة للجغرافيا، كما أن انتصار المعسكر الرأسمالي في أعقاب الحرب الباردة لم يقضي على فكرة الاشتراكية التي ظلت حلم الكثيرين باعتبارها مملكة العدل على الأرض وفق معتقديها، ولم تنتهي الأفكار الإخوانية من العالم العربي بمجرد حضرها وإغلاق المنافذ أمام تواجدها منذ تأسسها في مصر.

ذلك أن الأيديولوجيات باعتبارها نسق كلي من الأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة والسلوكيات التي تعبر عن نظام ما وإضفاء المشروعية عليه بكل الوسائل الممكنة لا يمكن إنهائها كليا بقدر ما يمكن الكشف عن  احتمالات ومحاولات إعادة تموضعهاوفق متغيرات ومقتضيات واستراتيجيات ظهورها، فالقول بأن الإخوان في تونس وبعد إنهائهم سياسيا وفك الارتباط بينهم وبين مؤسسة الحكم لن يحاولوا إعادة التموقع من جديد هو ضرب من ضروب الاعتقاد في نهاية الإيديولوجيات وعدم قدرة على فهم بنية التنظيم ومساعيه الدؤوبة للتمكن من المجتمع والسلطة.

هل تم فعلا دق المسمار الأخير في نعش الإخوان بعد إسقاطصرحهم السياسي الأخير في تونس ؟

هل بالإمكان الحديث عن عودة التنظيم عبر وجوه وتنظيمات حزبية جديدة ؟

نهاية الإخوان  في تونس والتنصل الأوروبي من التنظيم

تمثل لحظة 25 جويلية التي أقدم عليها الرئيس التونسي قيس سعيد الحدث الأبرز على المستوى المحلي والدولي، فتنظيم الإخوان الذي تهاوى تباعا في أغلب الدول العربية بداية بالثورة الشعبية المصرية في 2013، فقد اخر أمل تواجده في الحكم والسلطة في تونس  ليصبح الحديث عن “السقوط الأخير” أمرا وجيها، ذلك أن صرح الإخوان الذي حاولوا تشييده في أعقاب الأحداث التي عاشتها الدول العربية من خلال التمكن من السلطة والتمكين الاجتماعي تهاوى سياسيا في ليبيا وسوريا واليمن وأين ما حل، ليعيش اليوم ملاحقات واتهامات ومحاكمات لأبرز قياداته بتهم التآمر والتخابر على أمن الدولة والفساد المالي، فتنظيم الإخوان لم يعش منذ نشأته فترة حالكة في تاريخه كما يعيشها الان، ذلك أن الملاحقات لم تكن ذات طابع وطني فقط بل أخذت منحا دوليا وخاصة أوروبيا، وعلى رأسهم النمسا التي عززت إجراءات مكافحة التطرف، بحظر رموز وشعارات جماعة الإخوان، وكثفت الرقابة على الاستثمارات والمؤسسات المالية التابعة للتنظيم والتي تمثل ممرات لتمويل الإرهاب والتطرف، فالإجراءات الأوروبية التي ارتأت استحداث جريمة جنائية خاصة بقوى الإسلام السياسي وفي مقدمتها تنظيم الإخوان الذي يشكل المظلة الكبرى لكل التنظيمات الإرهابية.

 اصبحت بعد الاجتماع الافتراضي لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي تمثل مسار كامل لتشكل قانون أوروبي يهدف إلى السحب المباشر للمحتويات ذات الطابع الإرهابي من الإنترنت ومراقبة تمويلات الجمعيات والمساجد وكل المؤسسات الدينية، لاعتبار مفاده أن هذه الأخيرة لا تمثل إلا واجهة للتغطية على النزعة التطرفية للتنظيم، ويدعم التوجه الأوروبي هذا ما جاء  في التقرير الإعلامي للسلطات الأمنية الألمانية الذي يعتبر أن الإخوان المسلمين أخطر من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة على الديمقراطية في ألمانيا.

 كما في أوروبا ووحدتها، ذلك أن الإقبال على المنظمات والمساجد ذات الصلة بجماعة الإخوان أصبح أمرا ملموسا وواقعا يتهدد القيم الديمقراطية، حيث يقول بوركهارد فرايير، رئيس جهاز الاستخبارات في ولاية شمال الراين فيستفاليا، للمجلة الألمانية أن “الجمعية الإسلامية في ألمانيا وشبكة المنظمات الناشطة تنشد، رغم الادعاءات الرافضة هدف إقامة دولة إسلامية حتى في ألمانيا”.

وبالعودة إلى مسار 25 جويلية الذي قام على أنقاض عشرة سنوات من التطرف الفكري والتوغل السياسي لحركة النهضة التي تمكنت تمكنا شبه كلي من مؤسسات الدولة وخاصة المؤسسات الحيوية التي تضمن بقاؤها في سيرورة العمليات السياسية والاستحقاقاتالانتخابية، عشرة سنوات من المغالطات السياسية التي انتهجها الإخوان المسلمين على أساس التحول إلى حزب مدني يؤمن بالتداول السلمي على السلطة وكل مقومات الحياة السياسية السلمية، كانت نتائجها مخالفة تماما للادعاءات الإخوانية حيث كانت عشرية سوداء عرفت فيها تونس اغتيالات سياسية وتصفية لجنود وحماة الديار والتحريض على قوات الأمن والساسة الذين يخالفونهم الرأي، إلى جانب خرق كل المواثيق الدولية والحدث الفارق في تاريخ السياسة الخارجية التونسية وتسليم البغدادي المحمودي إبان رئاسة حمادي الجبالي للحكومة ورئاسة المنصف المرزوقي.

 ناهيك عن تردي الأوضاع الممنهج وتدني مستويات المعيشة للمواطنين التونسيين في مقابل ثراء فاحش لقياداتها ومناصريها وكل من دخل تحت مظلة حركة النهضة وأعلن التوبة والطاعة، كل هذه العوامل وغيرها والتي إن عددناها لن نستوفي حجم تجاوزاتها جعلت من 25 جويلية ضرورة ملحة تعبر عن الغليان الشعبي والسياسي وتستجيب إلى سيرورة التاريخ الذي لا يحتمل القفزات عليه، بقدر ما يلعب دائما على الإجهاز على كل ما يعطل سيرورته.

 فنهاية الإخوان سياسيا كانت ضرورة دولية ووطنية ومطلبا ملحا لما لهذا التنظيم من خطورة على الدولة وسيادتها وخطر أكبر على النسيج المجتمعي، فالفكر الذي لا يؤمن بالوطن بقدر ما يؤمن بتوطين الأموال والأعمال لا يمكن له أن يدوم سياسيا وإن تواجد فذلك ليس إلا مسألة عرضية أو تمكين دولي لتمرير مشاريع وتنفيذ سياسات عبر توكيلهم كما هو الحال في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها من الدول.

لكن تظل مخاوف عودة التنظيم للحكم قائمة بالضرورة، ذلك أن تنظيم الإخوان الموغل في تاريخ المجتمعات العربية المعاصرة وخاصة في مصر كما في تونس خاصة في فترة الثمانيات والذي كانت له فرصة تذوق طعم السلطة في 2011 وإن بنسب متفاوتة زمنيا لا يزال يشكل خطرا في تونس طالما ما أنه تمكن من مفاصل الدولة وهيأ الأرضية لعدم خروجه ومحاولات اجتثاثه كليا من مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل التساؤلات عن محاولات العودة والمنافذ الممكنة للقفز من جديد داخل المشهد السياسي ومسار ما بعد 25 جويليةتساؤلات ذات طروحات وجيهة.

احتمالات عودة الإخوان للمشهد السياسي في تونس

تظل المخاوف من عودة الإخوان للحكم في تونس قائمة وضرورة ملحة تدعمها عديد العوامل التي تؤكد بعدم تسليم حركة النهضة ( إخوان تونس) السلطة بكل سهولة، ذلك أن المحطات السابقة التي عرفت فيها الحركة أزمات سياسية كادت تجهز عليها مجتمعيا وتنهيها من المشهد السياسي إلا ووجدت الحركة لنفسها مخرجات ومنافذ حافظت من خلالها على ديمومتها داخل المشهد السياسي لطيلة أكثر من عشرة سنوات، فتجاوزها للهبات الشعبية ضدها في أعقاب الاغتيالات السياسية ومن بعدها قدرتها على محاذات حالات الاحتقان التي ترافقت مع العمليات الإرهابية التي راح ضحيتها أمنيين وجنود، بالإضافة إلى قدرتها على المراوغة السياسية في كل المحطات الحالكة في تاريخ العشرية الأخيرة لتونس وتواجدها في كل مرة في سدة الحكم وفي القرارات المصيرية له دلالات على تمكن حركة النهضة من مؤسسات الدولة وتوغلها في الوزارات السيادية وتمكين أذرعها وصفوفها المعلنة والغير المعلنة من المناصب التي تضمن لها حماية ظهرها وتدعم سياسات مشروعها المتمثل في أخونة الدولة.

فالعشرية الأخيرة كانت بالنسبة لحركة النهضة عشرية التمكن من السلطة أي العمل قدر الإمكان تحسبا لكل المتغيرات على المستوى الوطني والدولي، على وضع أجهزتها السرية والاستخباراتية وأذرعها داخل الإدارة التونسية من كوادر أمنية (الداخلية على وجه الخصوص)  وعمداء وولاة وكتاب دولة وكتاب عامين ومراقبي انتخابات وجمعيات (خيرية )بغية المحافظة على السلطة بماهي مفتاح التمكين.

لهذه الدواعي وغيرها… يمكن القول أن لحظة 25 جويلية والاستحقاق الانتخابي القادم في ظل عدم حل حزب حركة النهضة وجناحه العنيف ائتلاف الكرامة  اللذان تلقيا أموالا من كل من قطر وتركيا وغيرها من الدول التي راهنت على الإخوان في تونس يبقى أملا منقوصا سيما وأن ليس هنالك إلى اليوم ما يشير إلى عدم مشاركة الإخوان في الانتخابات حتى وإن تغيرت صيغتها من انتخاب على القوائم إلى انتخاب على الأفراد، فالحركة تحترف القفز من النوافذ ولا تترك الأشياء للصدفة الأمر الذي ينذر باحتمالات عودتها في شكل ذئاب سياسية منفردة، وكل من يعرف الحركة من الداخل وأدبيات عملها يعرف جيدا أنها تعمل وفق تراتبية استراتيجية  معسكرة تقوم على الولاء والطاعة العمياء، ولها القدرة على الانحناء وتمكين شبابها ومنتسبيها الذين يعملون في الخفاء من الظهور تحت رايات ومسميات أخرى  إلى حين مرور العاصفة،وإذ يكون الخوف من احتمالات عودتها وإعادة تموضعها وتوغلها من جديد أمرا وجيها، فذلك يعود إلى البهتة السياسية التي نعيشها إلى اليوم في ظل استقواء الحركة بالخارج ومحاولات الاستجداء الماراثونية لإعادة فتح برلمان العشرية السوداء، و الغفلة السياسية التي لم تستأصل الورم الإخواني من المشهد السياسي التونسي ومحاسبة قياداته السياسية بتهم ترتقي إلى جريمة التخابر على أمن الدولة.

لا يعنى ملاحقة حركة الإخوان في الداخل الأوروبي وتضييق الخناق على أبرز قياداتها ومراقبة مواردها المالية ورفع يد الدعم عنها من قبل العديد من الدول وسقوطها المدوي في أغلب الدول العربية والإجهاز على اخر معاقلها السياسية الحاكمة في تونس نهاية التنظيم واندثاره، ففي تونس كما في بقية الدول التي لحقها المرض الإخواني يظل الإخوان المسلمون خطرا داهما جاثما يجب التعامل معه بكل وسائل المراقبة واليقظة اللازمتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق