أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

“نظرية المجنون” وحافة الهاوية : الذهان الاستراتيجي في السياسة الأمريكية

دراسة في تآكل الكوابح المؤسساتية وتوظيف “اللاعقلانية” كأداة للابتزاز الإمبراطوري المعاصر.

يقول المثل الشعبي: “مجنون رمى حجر في بير، ومية عاقل ما بيعرفوا يطالعوه”. واليوم، يبدو أن هذا “البير” هو منطقة الشرق الأوسط برمتها، والحجر هو التهديد الصريح بالإبادة النووية الموجهة ضد واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية. عندما تتخلى القيادة التنفيذية لقوة عظمى عن لغة الدبلوماسية لتتبنى خطاب المحو الشامل، يصبح لزاماً على العالم أن يتساءل: هل هذا “الجنون” استراتيجية مدروسة أم أنه انهيار منظوماتي نهائي؟

الافتتاحية التنفيذية

تشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى تحول خطير من “الردع التقليدي” إلى “التهديد الوجودي”. ومن خلال استدعاء فكرة تدمير “الحضارة” الإيرانية مع إبداء “أسف” بارد تجاه شعبها، دخلت واشنطن في مرحلة متقدمة مما يعرف بـ “نظرية المجنون” (Madman Theory).

إن التهديد باستهداف البنى التحتية المدنية والثقافية ليس مجرد صرخة إعلامية، بل هو إعلان صريح عن نية انتهاك اتفاقيات جنيف وميثاق الأمم المتحدة. يأتي هذا في وقت تستمر فيه الآلة العسكرية الأمريكية في كونها العمود الفقري للتصعيد الإقليمي، متجاوزةً دور “إدارة الوكلاء” إلى الانخراط المباشر في احتمالات تطهير عرقي شامل.

السياق التاريخي: عقيدة الاستثناء

إن تاريخ التدخلات العسكرية الأمريكية هو سجل حافل بـ “الاستثناء” على حساب القانون الدولي. من قصف طوكيو بالمدمرات الحارقة والدمار النووي في هيروشيما وناجازاكي، وصولاً إلى عقيدة “الصدمة والترويع” في القرن الحادي والعشرين؛ لطالما اعتبرت واشنطن نفسها فوق المعايير العالمية.

لا يمكن قراءة التصعيد الحالي ضد إيران بمعزل عن فشل سياسات “تغيير الأنظمة” والتواطؤ الأخير في حرب الإبادة على غزة. هذه ليست أحداثاً منفصلة، بل هي جزء من نزعة هيكلية ترى فيها الولايات المتحدة نفسها الحاكم الوحيد على بقاء الحضارات أو فنائها.

التحليل الاستراتيجي: بنية الغرور الإمبراطوري

تعتمد “نظرية المجنون”—التي تعود جذورها لعهد نكسون—على افتراض أن الخصم سيتراجع إذا اعتقد أن الطرف الآخر غير عقلاني لدرجة إشعال محرقة عالمية. ومع ذلك، تواجه هذه الاستراتيجية في الواقع الحالي قيوداً هيكلية:

  • فجوة المصداقية: لكي ينجح “الجنون” كأداة ردع، يجب أن يظهر كخيار واعي. لكن الخطاب الحالي، الذي يتسم بـ “انفصام من الدرجة العاشرة”—حيث يدعي الرئيس عدم القدرة على السيطرة (“ربما سيحدث ذلك”) بينما يمارس السلطة المطلقة—يشير إلى انهيار معرفي ومؤسساتي حقيقي وليس تكتيكاً محكماً.
  • نرجسية الإمبراطورية: تعيش واشنطن وتل أبيب حالة من “الهذيان” العظمة نتيجة الفشل في تحجيم إيران عبر العقوبات أو الحروب بالوكالة، مما دفع القيادات التنفيذية إلى حالة من الانهيار النفسي الاستراتيجي.
  • مسؤولية القيادة: بموجب القانون الدولي، فإن التهديد بارتكاب جرائم حرب هو جريمة بحد ذاتها. تجد القيادات العسكرية الأمريكية نفسها أمام مأزق أخلاقي وقانوني؛ فالانصياع لأوامر ذات طبيعة إجرامية يعرضهم للملاحقة بموجب معايير “نورمبرغ”.

الأدلة والوثائق

يتضح التحول من “السياسة” إلى “الذهان الاستراتيجي” عبر:

  • التوجيهات التنفيذية: التهديد العلني باستهداف 52 موقعاً إيرانياً، بما فيها مواقع ذات أهمية ثقافية محمية بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954.
  • العجز المؤسساتي: عدم تفعيل المادة الثانية، القسم الرابع من الدستور الأمريكي أو التعديل الخامس والعشرين رغم وجود مؤشرات واضحة على عدم الأهلية العقلية لمتخذ القرار.
  • التحركات الميدانية: تحويل حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية من أدوات “توازن” إلى أدوات لضربات “خارج القانون”.

الموقف والحجة: ضرورة العزل

وصلت “التجربة الترامبية” إلى عتبة نهائية بات فيها أمن سكان كوكب الأرض رهيناً بمزاج زعيم يظهر انفصالاً عيادياً عن الواقع. إن صمت الطبقة السياسية الأمريكية تجاه ضرورة العزل أو الإقالة يجعل الدولة بأكملها شريكة في جرائم الحرب القادمة.

من الخطأ الاستراتيجي الفادح افتراض أن “محور المقاومة” سينكسر أمام خطاب “الجنون”. بل على العكس، عندما يقتنع الخصم بأن عدوه فاقد للعقل، تزداد الدوافع لشن ضربات استباقية، مما يجعل “نظرية المجنون” نبوءة تحقق ذاتها بدمار شامل.

الاستشراف المستقبلي

  • على المدى القصير: توقع زيادة حالة عدم الاستقرار في الخليج. إذا استمر هذا الخطاب، قد تخلص طهران إلى أن القنوات الدبلوماسية قد أغلقت نهائياً، مما سيسرع من وتيرة تطوير قدراتها الردعية القصوى.
  • على المدى المتوسط: تعميق البنية الأمنية (الصينية-الروسية-الإيرانية). مع فقدان أمريكا لـ “عقلانيتها”، ستسرع القوى التعددية من إنشاء بدائل مالية وعسكرية لعزل العالم عن التهور الأمريكي.
  • عتبة المخاطر: تظل المخاطرة الكبرى في إقدام الإدارة الأمريكية على “ضربة تكتيكية” تطيح بأسواق الطاقة العالمية وتؤدي إلى مواجهة مباشرة مع القوى الأوراسية.

الخلاصة

لقد تجاوزت الولايات المتحدة دور “الشرطي العالمي” لتصبح “دولة مارقة” بامتياز. عندما تستخدم قوة عظمى تهديد “إنهاء حضارة” كأداة دبلوماسية، فهي بذلك تفقد شرعية القيادة. على المجتمع الدولي، والمؤسسة العسكرية الأمريكية، تقرير المصير: هل سيكونون مهندسي “نورمبرغ” جديدة، أم سيسحبون حجر “المجنون” من البير قبل أن يجر العالم معه إلى القاع؟

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق