من ضفتي المتوسط.. إلى شراكة الغد : الجزائر وإيطاليا.. تاريخ مشترك وفرص متجددة

اعداد امل التكابري: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 19-10-2026
لا تختزل العلاقات الجزائرية الإيطالية في الغاز والاستثمارات، بل تستند إلى تاريخ طويل من التفاعل المتوسطي، من صراعات نوميديا وروما إلى تضامن شخصيات إيطالية مع الثورة التحريرية، وصولا إلى التعاون الاقتصادي والثقافي الراهن. وبين ذاكرة الماضي ومتطلبات الحاضر، تتشكل شراكة تملك مقومات التوسع، لكنها تظل مرتبطة بقدرة البلدين على تحويل التقارب السياسي إلى نتائج ملموسة
ويعكس اللقاء الذي جمع وزير الصناعة الجزائري فريد كورتل بالسفيرة الإيطالية أليساندرا سكيافو، في 13 أكتوبر 2026، استمرار الاهتمام بتطوير التعاون الصناعي واستقطاب الاستثمارات. فالجزائر تنظر إلى إيطاليا باعتبارها شريكا أوروبيا يمتلك خبرة صناعية وتقنية واسعة، فيما تمثل الجزائر لروما بوابة مهمة نحو إفريقيا ومصدرا استراتيجيا للطاقة
من يوغرطة إلى إنريكو ماتيي.. تاريخ يتجاوز الخلافات
تحمل روما في الذاكرة الجزائرية دلالات تاريخية متعددة، من بينها نهاية الملك النوميدي يوغرطة أسيرا سنة 104 قبل الميلاد. غير أن تاريخ نوميديا وعلاقتها بروما لم يقتصر على المواجهة، بل شمل أيضا التفاعلات السياسية والحضارية التي ساهمت في تشكيل فضاء غرب المتوسط
وفي مراحل لاحقة، قدمت شخصيات تاريخية مثل الأمير عبد القادر نماذج تجمع بين مقاومة الاستعمار والدفاع عن القيم الإنسانية، بينما ارتبط اسم إنريكو ماتيي، مؤسس شركة «إيني»، بدعم استقلال الجزائر والدعوة إلى إقامة علاقات أكثر توازنا بين الدول المنتجة للطاقة والشركات الدولية
وقد ساهمت مواقف ماتيي، إلى جانب جهود مثقفين وصحفيين إيطاليين، في التعريف بالقضية الجزائرية داخل أوروبا. ولا تزال هذه الذاكرة حاضرة في العلاقات الثنائية، كما يعكس الاهتمام الإيطالي بتوثيقها من خلال الكتب والأرشيف والمبادرات الثقافية
واستمرت الروابط السياسية في مراحل لاحقة. فقد استحضر الرئيس عبد المجيد تبون، خلال زيارته إلى روما في ماي 2022، موقف إيطاليا من الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، مشيرا إلى ما قدمته من دعم في فترة اتسمت بالأزمة الأمنية والمالية. ويكشف هذا الاستحضار عن أهمية الثقة التاريخية في تشكيل تصورات الجزائر عن شركائها
الثقافة والهجرة.. جسور بين ضفتي المتوسط
لا تقتصر العلاقات على السياسة والاقتصاد، بل تمتد إلى التراث والهجرة والسينما والفكر. وتبرز شخصية القديس أوغسطين، المولود بطاغاست، سوق أهراس حاليا، إحدى نقاط الالتقاء الثقافي بين الجزائر وإيطاليا، خصوصا مع المبادرات المشتركة لتثمين المواقع المرتبطة بسيرته وإعداد مشاريع بحثية وتراثية
كما يمثل التعاون بين موقعي تيمقاد وبومبي مجالا لتبادل الخبرات في الترميم وحماية الآثار وإدارة المواقع التاريخية. وفي السينما، لا يزال فيلم «معركة الجزائر» للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، الفائز بالأسد الذهبي في مهرجان البندقية سنة 1966، شاهدا على قدرة الفن على معالجة قضايا الاستعمار والذاكرة والتحرر
وتكشف الهجرات الإيطالية إلى المدن الساحلية الجزائرية خلال القرن التاسع عشر وما بعده عن جانب آخر من التاريخ المشترك؛ فقد انتقلت عائلات إيطالية إلى الجزائر بحثا عن العمل والاستقرار، قبل أن تتغير مساراتها بفعل التحولات السياسية والاجتماعية. وتؤكد هذه التجارب أن حركة السكان بين ضفتي المتوسط لم تكن أحادية الاتجاه
ويمكن للمؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز الأرشيف في البلدين أن توسع هذا التعاون من خلال الترجمة والبحث المشترك والرقمنة والإنتاج الوثائقي، بما يحول الذاكرة التاريخية من مجرد رصيد رمزي إلى مجال مستدام للتبادل المعرفي
من الغاز إلى التصنيع.. اختبار القيمة المضافة
تمثل الطاقة العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية الجزائرية الإيطالية. وقد تعزز التعاون بين شركة «سوناطراك» الإيطالية و«إيني» الجزائرية خلال السنوات الماضية، سواء في الاستكشاف والإنتاج أو في تطوير البنية التحتية ومشروعات التحول الطاقوي
ومن بين المشروعات المعلنة عقد تقاسم الإنتاج في منطقة زمول الكبير بحوض بركين، الموقع في جويلية 2025، باستثمارات متوقعة تبلغ نحو 1.35 مليار دولار. كما تشمل المبادرات الثنائية التعاون في خفض انبعاثات الميثان وتطوير الطاقات المتجددة
لكن التحدي الاقتصادي الأهم لا يتمثل في زيادة صادرات المحروقات وحدها، بل في توظيف عائداتها وخبرات الشركاء لتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي. فالتعاون الصناعي يصبح أكثر جدوى عندما يتيح نقل التكنولوجيا، وتكوين المهندسين والتقنيين، وإدماج المؤسسات الجزائرية في سلاسل التوريد
وتوفر صناعة السيارات مثالا على هذا التوجه. فقد شهد مصنع «فيات» بطفراوي في وهران توسعا في الإنتاج، مع خطط لزيادة طاقته خلال السنوات المقبلة. وتكمن أهمية المشروع في قدرته المحتملة على تطوير شبكة محلية للموردين تشمل المكونات المعدنية والكهربائية والبلاستيكية، شرط الالتزام بمعايير الجودة والتنافسية
وتقدم صادرات أعمدة شحن السيارات الكهربائية التي تنتجها شركة «سايغ» التابعة لمجمع سونلغاز مؤشرا إضافيا على إمكانات التصنيع الجزائري. فدخول المنتجات الوطنية إلى الأسواق الأوروبية يفتح مجالا لتنويع الصادرات، لكنه يتطلب المحافظة على الجودة والموثوقية وتوفير خدمات ما بعد البيع
وفي الصناعات الغذائية، يمكن للخبرة الإيطالية في معدات التحويل والتعبئة والتبريد أن تدعم تطوير المنتجات الجزائرية، وتقلل الخسائر بعد الحصاد، وتزيد فرص تسويق المنتجات المصنعة بدلا من الاقتصار على المواد الخام
الزراعة والتكنولوجيا.. شراكة تتجاوز استيراد المعدات
تحتل الزراعة مكانة متزايدة في التعاون الجزائري الإيطالي، خاصة في ظل سعي الجزائر إلى تعزيز أمنها الغذائي وتطوير الزراعة الصحراوية. ويبرز مشروع تيميمون ضمن المبادرات التي تربط الإنتاج الزراعي بالمكننة والتكوين والبنية التحتية
كما تتيح البعثات الاقتصادية الإيطالية المتخصصة في الآلات الزراعية فرصا للتواصل بين الشركات والمستثمرين، وتحديد احتياجات السوق الجزائرية في مجالات الري الذكي والتخزين والرقمنة
غير أن اقتناء المعدات لا يعني بالضرورة انتقال المعرفة. فنجاح المكننة يرتبط بملاءمة الآلات لخصائص التربة والمناخ، وتوفير قطع الغيار والصيانة والتكوين، فضلا عن قدرة الفلاحين على تحمل تكاليفها. ولذلك، تبرز أهمية الشراكات التي تجمع بين المؤسسات الإنتاجية والجامعات ومراكز البحث، وتسمح بتطوير حلول تستجيب للظروف المحلية
ويمكن توسيع التعاون كذلك إلى الصناعات الكهربائية والطاقات المتجددة والاتصالات والهيدروجين. إلا أن هذه المجالات تحتاج إلى دراسات جدوى وتمويل وبنية تحتية واتفاقات تنفيذية؛ فمذكرات التفاهم والأهداف المعلنة تمثل خطوات أولية، وليست دليلا على اكتمال المشروعات
إيطاليا بوابة أوروبية.. والجزائر شريك إفريقي
تستند الشراكة إلى تكامل نسبي في الإمكانات: تمتلك الجزائر موارد طاقوية وطبيعية وموقعا استراتيجيا وعلاقات واسعة في إفريقيا، بينما توفر إيطاليا قاعدة صناعية متقدمة وشبكات تجارية وخبرة تقنية واتصالا مباشرا بالأسواق الأوروبية
وتمنح خطة ماتيي الإيطالية للتعاون مع إفريقيا إطارا إضافيا لتطوير المشروعات في الطاقة والزراعة والتكوين والبنية التحتية. ويمكن للجزائر الاستفادة من هذا التوجه في بناء شراكات إنتاجية وتوسيع حضور مؤسساتها في الأسواق الإفريقية، شريطة أن تقوم المشروعات على المصالح المتبادلة واحترام أولويات الدول المعنية
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال دور إيطاليا في كونها ممرا إلى أوروبا، ولا دور الجزائر في كونها موردا للطاقة. فالشراكة الأكثر استدامة هي التي تتيح للجزائر تطوير صادرات صناعية وزراعية وتقنية، وتمنح المؤسسات الإيطالية فرصا للاستثمار والإنتاج ضمن بيئة واضحة ومستقرة
من الاتفاقات إلى النتائج
تكشف العلاقات الجزائرية الإيطالية عن رصيد تاريخي وسياسي وثقافي واقتصادي يتيح توسيع التعاون في قطاعات متعددة. لكن قيمة هذا الرصيد لا تقاس بعدد الزيارات أو الاتفاقات الموقعة، بل بما ينتج عنها من مصانع ومهارات وفرص عمل وصادرات ومعرفة قابلة للتطوير
ويقتضي ذلك اعتماد مؤشرات واضحة لتقييم المشروعات، من بينها نسبة الإدماج المحلي، وحجم الإنتاج الفعلي، وفرص العمل المؤهلة، ومستوى نقل التكنولوجيا، وقدرة المؤسسات الجزائرية على الوصول إلى أسواق جديدة
في النهاية، لا تحتاج الجزائر وإيطاليا إلى تاريخ مشترك فحسب، بل إلى رؤية عملية تستثمره لبناء المستقبل. فمن ذاكرة يوغرطة إلى تجربة ماتيي، ومن التعاون الطاقوي إلى التصنيع والزراعة والثقافة، يبقى الرهان الحقيقي هو تحويل التقارب بين البلدين إلى شراكة متوازنة، تتجاوز تبادل الموارد نحو إنتاج المعرفة والقيمة المضافة وتعزيز الحضور في المتوسط وإفريقيا وأوروبا



