مكتسبات إيران الاستراتيجية التي جعلت ترامب مأزوما

اعداد الدكتور محمد شمص: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 20-05-2026
في الصراعات الكبرى، لا تُقاس الحروب فقط بحجم النيران، بل بقدرة القوى العظمى على فرض الإرادة السياسية وتحويل التفوق العسكري إلى وقائع استراتيجية دائمة. وعندما تفشل القوى العظمى في تحقيق أهدافها المعلنة أمام دولة إقليمية كالجمهورية الإسلامية هذا يعني أنها لم تعد قوة عظمى.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو المواجهة الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران نموذجاً لفشل استراتيجي مركّب أصاب أكبر قوتين في العالم والمنطقة واشنطن وتل أبيب معاً. فالإدارة الأميركية دخلت الحرب تحت سقف أهداف كبرى تبدأ بإسقاط النظام الإيراني، وتدمير البنية الصاروخية والنووية، وإخضاع طهران سياسياً، ثم انتقلت الى السعي لفتح مضيق هرمز بالقوة تحت عنوان” مشروع الحرية”، لكنها انتهت إلى مسار تفاوضي يعكس تراجعاً واضحاً عن تلك الأهداف.
الأخطر بالنسبة لواشنطن أن الحرب كشفت حدود القوة الأميركية في بيئة إقليمية معقدة، خصوصاً بعد فشل الضغوط على الصين لدفعها إلى ممارسة نفوذ على إيران لفتح مضيق هرمز. كما أن تداعيات الحرب انعكست داخلياً على الاقتصاد الأميركي مع ارتفاع أسعار الوقود والديزل إلى مستويات قاربت 7 دولارات للغالون، وسط تحذيرات متزايدة من خبراء الاقتصاد من اقتراب ركود اقتصادي كبير قد يكون أعمق مما تتوقعه الأسواق الأميركية.
سياسياً، تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب انقساماً داخلياً حاداً حول الحرب، حيث انضم جمهوريون إلى الديمقراطيين في معارضة الحرب ضد إيران. هذا الانقسام عكس إدراكاً متزايداً داخل واشنطن بأن الحرب تحولت إلى استنزاف استراتيجي بدلاً من أن تكون عملية عسكرية حاسمة وسريعة.
لكن ما هي المكاسب السياسية والاستراتيجية التي حققتها إيران، وأين تراجعت الولايات المتحدة؟
- أولا، واشنطن تراجعت عملياً عن هدف تدمير البرنامج النووي الإيراني، وطرحت فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عاماً مع الإبقاء على منشأة نووية واحدة، إلا أن إيران رفضت ذلك، وقبلت فقط بتعليق محدود للتخصيب لخمس سنوات مقابل مكاسب سياسية واقتصادية، ورفع العقوبات المفروضة عليها.
- ثانياً، وافقت واشنطن على دفع نحو 25 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة، والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار.
- ثالثاً، قبلت إدارة ترامب إعفاءات مؤقتة من عقوبات “أوفاك” المتعلقة بالنفط الإيراني.
- رابعاً، والأهم أن الولايات المتحدة تراجعت عن أولوية مناقشة ملف القدرات الصاروخية الإيرانية، وتوقف النقاش تقريبا عن علاقة طهران بحلفائها في محور المقاومة.
هذا التراجع جاء بعد فشل واضح لا سيما في تحقيق الأهداف الكبرى، ومنها تدمير القدرات العسكرية، إذ أشارت تقديرات استخباراتية أميركية نقلتها “واشنطن بوست” إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بنحو 75 بالمئة من قدراتها الصاروخية والعسكرية. واعتبرت القيادة الإيرانية أن مجرد انتقال واشنطن من خطاب إسقاط النظام إلى البحث عن تسوية مرحلية يمثل اعترافاً بفشل الحرب.
لكن ماذا تريد كل من طهران وواشنطن الآن؟
طهران تريد إنهاء الحرب في كافة المنطقة وتشمل لبنان، ورفع العقوبات، والحصول على تعويضات الحرب مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. كما تريد الجمهورية الاسلامية اعترافاً عملياً بدورها وسلطتها على مضيق هرمز عبر ترتيبات ورسوم مرتبطة بالخدمات البحرية.
في المقابل، تحاول واشنطن لربط إنهاء الحرب وفك الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية بتنازلات نووية من قبل طهران، بينما تصر طهران على تقسيم التفاوض إلى مرحلتين: الأولى وقف الحرب، والثانية بحث الملفات الأخرى. بما فيها الملف النووي.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، يبدو ترامب أمام أزمة سياسية وإعلامية متفاقمة، إذ لم تعد قطاعات واسعة من الإعلام الأميركي والمؤسسات السياسية تتعامل مع تصريحاته بوصفها حقائق نهائية، بل باعتبارها جزءاً من معركة داخلية أميركية محتدمة. وتكشف تغريدته الأخيرة حجم هذا المأزق، عندما قال إن وسائل الإعلام الأميركية ستعتبر إيران منتصرة، حتى لو “استسلمت بالكامل”. هذا الخطاب يعكس حجم القلق داخل معسكر ترامب من تآكل السردية الأميركية حول نتائج الحرب.
رغم كل هذه المتغيرات، لكن كلما حصل اتصال بين ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعود طبول الحرب لتُقرع مجدداً في واشنطن وتل أبيب لتنفيذ عدوان جديد وجولة ثالثة من الحرب على إيران، وسط تحذير شديد اللهجة من القوات المسلحة الإيرانية بأنها أعدّت سيناريوهات هجومية جديدة مفاجأة وغير مسبوقة، وأن لديها بنك أهداف جديداً لأي جولة مقبلة من المواجهة العسكرية.



