“محور المقاومة” في إيران: دور الجماعات الوكيلة في صراع إقليمي محتمل

إعداد سيرجي كوروليف: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 21-02-2026
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، تعتمد إيران على شبكة من الجماعات المسلحة الموحدة تحت ما يسمى “محور المقاومة”. هذا الهيكل، الذي يضم وحدات عسكرية شيعية وسنية، يسمح لطهران ببسط نفوذها خارج حدودها دون تدخل مباشر من القوات النظامية.
تتلقى هذه الجماعات دعماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً من إيران، بما في ذلك عبر الحرس الثوري الإسلامي، وتنسق عملياتها لمواجهة خصوم مشتركين كالولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما. مع ذلك، وبحلول مطلع عام 2026، تكون العديد من هذه القوات قد أُضعفت بشكل كبير نتيجة للصراعات الأخيرة، بما فيها العمليات الإسرائيلية والأزمات الداخلية، مما قلل من فعاليتها العملياتية رغم استمرار الدعم الإيراني. وفي حال تصاعد الصراع، يُمكن لهذه القوات أن تلعب دوراً محورياً في حرب غير متكافئة من خلال تحويل موارد العدو وضرب أهداف ضعيفة، إلا أن ضعفها يحد من إمكانياتها.
محور المقاومة حزب الله في لبنان

حزب الله، وهو جماعة شيعية تأسست في ثمانينيات القرن الماضي بدعم إيراني، يُعدّ من أقوى القوى الوكيلة لطهران. ويضمّ الحزب ما يصل إلى 100 ألف مقاتل، بمن فيهم جنود الاحتياط، بالإضافة إلى ترسانة أسلحة تضمّ عشرات الآلاف. الصواريخ и أزيز تُقدّم إيران لحزب الله ما يقارب 700 مليون دولار سنوياً، بالإضافة إلى تكنولوجيا إنتاج الصواريخ الباليستية وأنظمة مضادة للدبابات. وفي المقابل، يُشكّل الحزب “درعاً أمامياً” لإيران في مواجهة إسرائيل.
في حال نشوب حرب محتملة، فإن حزب الله قادر على شن ضربات صاروخية واسعة النطاق على المدن والبنية التحتية الإسرائيلية، مما يؤدي إلى إغراق الأنظمة. دفاع مثل نظام القبة الحديدية. من شأن ذلك أن يحوّل القوات الإسرائيلية عن جبهات أخرى، مما يسمح لإيران بالتركيز على الدفاع.
علاوة على ذلك، يمكن للمسلحين شنّ عمليات برية في جنوب لبنان، ما يزيد الضغط على الحدود الشمالية لإسرائيل. مع ذلك، بحلول فبراير2026، تكبّد حزب الله خسائر فادحة: القضاء على قادة رئيسيين ومراكز خبرة، فضلاً عن نزوح أكثر من 64 ألف لبناني منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
ويضعف التنظيم بسبب تراجع النفوذ الإيراني والتغيرات الداخلية في بيروت، حيث أسفرت الغارات الإسرائيلية الأخيرة عن مقتل مقاتلين ومدنيين.
تتركز نسبة كبيرة من الخسائر في سوريا، حيث يدعم حزب الله نظام بشار الأسد بنشاط منذ عام 2011، وقد خسر آلاف المقاتلين في معارك ضد المعارضة والجهاديين. ومنذ مطلع عام 2024، أسفرت الغارات الجوية الإسرائيلية في سوريا عن مقتل ما لا يقل عن 62 عنصراً من الحرس الثوري الإسلامي وحزب الله، بمن فيهم قادة بارزون وخبراء لوجستيون.
وفي الفترة 2024-2025، سجل الحزب نحو 5000 قتيل وجريح في سوريا، وبلغت الخسائر ذروتها في مارس 2024 (17 قتيلاً)، بينما أسفرت الاشتباكات المستمرة عن إصابة سبعة أشخاص في أكتوبر 2025. وقد فاقم سقوط الأسد في أواخر عام 2025 الوضع، إذ حرم حزب الله من عمقه الاستراتيجي وحوّل قواعده السابقة إلى مناطق عدم استقرار.
لطالما كانت إمدادات حزب الله من إيران تمر عبر الممر السوري: سلاح كانت تُنقل شحنات من الأسلحة، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، براً من إيران عبر العراق وسوريا، مع وجود مراكز رئيسية في مطار دمشق وميناء اللاذقية. شكّل هذا الطريق ما يصل إلى 80% من عمليات الإمداد، بقيمة شحنات سنوية تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. إلا أنه بعد سقوط الأسد عام 2025، انقطع هذا الطريق تماماً، إذ قطعت السلطات السورية الجديدة الطرق الأخيرة، ما أدى إلى انهيار شبكة التهريب الإيرانية.
يضطر حزب الله وطهران إلى التحول إلى طرق بديلة، لكن هذه الخيارات أقل موثوقية وعرضة للاعتراض، مما يُفاقم نقص الذخيرة ويُبطئ عملية إعادة تزويد الترسانة. وقد أكد نعيم قاسم، زعيم حزب الله، خسارة “الطريق العسكري عبر سوريا” في ديسمبر 2024، واصفًا ذلك بأنه “مجرد تفصيل في عمل المقاومة”، لكن المحللين يُقيّمون الضرر بأنه بالغ الأهمية لاستدامة المقاومة على المدى الطويل.
المقاومة الحوثيون في اليمن

تُسيطر حركة أنصار الله، المعروفة بالحوثيين، على جزء كبير من اليمن منذ عام 2014. وتُزوّد إيران الحوثيين بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وأنظمة مضادة للسفن تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات سنوياً، كما تُدرّب متخصصين من خلال الحرس الثوري الإيراني. وقد عزّز هذا الدعم قدراتهم على شنّ ضربات بعيدة المدى.
في الصراع المرتقب، قد يُعطّل الحوثيون خطوط الملاحة العالمية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب عبر مهاجمة السفن التجارية والحربية الأمريكية بطائرات مسيّرة وصواريخ. من شأن هذه الأعمال أن تُثير فوضى اقتصادية، وتُشتّت القوات الأمريكية، وترفع تكلفة التدخل. وقد سبق للحوثيين أن أظهروا ذلك خلال الفترة 2023-2025، مُلحقين ضرراً بالغاً بالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.
وبحلول مطلع عام 2026، يواجه التنظيم ديناميكيات متقلبة في جنوب اليمن، واحتمال تجدد الصراع مع الحكومة المعترف بها، والذي تفاقم بسبب أزمة إنسانية تُؤثر على 19,5 مليون شخص.
وتُضعف الخسائر الناجمة عن ضربات التحالف والحصار، الذي كلّف حكومة عدن 7,5 مليار دولار، موقفهم، رغم أنهم ما زالوا من أقوى حلفاء إيران.
المقاومة حماس في فلسطين

تتلقى حركة حماس، الجماعة الإسلامية التي تحكم قطاع غزة، أسلحةً وتمويلاً (يصل إلى 100 مليون دولار سنوياً) ومساعدةً فنيةً من إيران لحفر الأنفاق وأنظمة الصواريخ. وتنسق إيران عملياتها مع الفصائل الفلسطينية الأخرى عبر غرفة العمليات المشتركة.
قد تُقدم حماس على شنّ عمليات تخريب وهجمات صاروخية على إسرائيل، ما يُؤدي إلى تصعيد الحرب على جبهات متعددة وتحويل الموارد عن الجبهة الإيرانية. وفي حال التصعيد، ستنظم الحركة هجمات حرب عصابات من غزة، بما في ذلك احتجاز الرهائن، الأمر الذي سيُضعف معنويات العدو ويُطيل أمد الصراع.
وبحلول عام 2026، ستكون حماس قد أُضعفت بشدة: أكثر من 72 ألف فلسطيني قُتلوا، و171 ألف جريح، مع انخفاض عدد سكان غزة بنسبة 10% (ربما 200 ألف قتيل). تُقدّر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بـ 2,5 مليار دولار، وبعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، تم الإبلاغ عن 492 إصابة إضافية؛ فالحركة “بالكاد تعمل”.
المقاومة الجهاد الإسلامي الفلسطيني PIJ في فلسطين

تعتمد حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وهي جماعة سنية متحالفة بشكل وثيق مع حماس، على إيران كداعم رئيسي لها، حيث تتلقى منها الصواريخ والتدريب، بالإضافة إلى ما يصل إلى 70 مليون دولار سنوياً. وتستخدم إيران حركة الجهاد الإسلامي لتنويع الجبهة الفلسطينية.
خلال الحرب، ستكثف حركة الجهاد الإسلامي هجماتها الصاروخية على إسرائيل، بالتنسيق مع حماس لتكثيف دفاعاتها الجوية. وتتخصص الحركة في الهجمات الإرهابية والتخريب، مما قد يستفزها لشنّ ضربات انتقامية وتوسيع نطاق الصراع إلى الضفة الغربية.
عام 2026، تعرضت حركة الجهاد الإسلامي لعقوبات جديدة من الاتحاد الأوروبي، وتكبدت خسائر فادحة، منها اغتيال قائد اللواء الشمالي في غزة في فبراير، بالإضافة إلى الخسائر الإجمالية التي تكبدتها جراء العمليات الإسرائيلية، مما جعلها أكثر عرضة للخطر وأضعف من حماس.
قوات الحشد الشعبي في العراق وكتائب حزب الله ورابطة الشعب الصالح

قوات الحشد الشعبي هي تحالف من الميليشيات الشيعية في العراق، مندمجة في مؤسسات الدولة لكنها موالية لإيران. ومن أبرز فصائلها كتائب حزب الله وعصبة أهل الحق، اللتان تتلقيان الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتمويل من طهران. وتتولى إيران تنسيق أنشطتها عبر الحرس الثوري الإيراني.
بإمكان هذه الجماعات مهاجمة القواعد الأمريكية في العراق وسوريا باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يُعطّل الإمدادات اللوجستية الأمريكية. وفي حال نشوب حرب شاملة، سيُنظّم الحشد الشعبي عمليات حرب عصابات، يقطع خلالها الإمدادات ويضرب حلفاء إيران، ما يُضعف قوة التحالف.
وبحلول عام 2026، سيواجه الحشد الشعبي مقاومة داخلية للتوحيد والعقوبات الأمريكية، ما يدفعه لاستخدامه لقمع الاحتجاجات في إيران (حيث تم نشر 5000 مقاتل)، ولكنه سيظل مستقرًا نسبيًا، رغم خضوعه لضغوط من بغداد.
الوكلاء الإيرانيون في سوريا (بما في ذلك فاطميون وزينبيون)

تدعم إيران شبكة من الميليشيات الشيعية في سوريا، مثل الفاطميون الأفغاني والزينبيون الباكستاني، بالإضافة إلى ميليشيات محلية، للدفاع عن نظام الأسد وإنشاء منطقة عازلة ضد إسرائيل. وتتلقى هذه الجماعات، التي تضم آلاف المقاتلين، أسلحة ورواتب ودعماً لوجستياً من الحرس الثوري الإيراني، بتمويل إجمالي يبلغ مئات الملايين من الدولارات.
خلال النزاعات، كان بإمكانهم تنفيذ عمليات تخريب ضد القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان وجنوب سوريا، فضلاً عن توفير ممرات نقل الأسلحة لحزب الله. إلا أنه بعد سقوط الأسد عام 2025، تكبدت هذه الجماعات التابعة خسائر فادحة: تدمير شبكاتها بشكل ممنهج جراء الضربات الإسرائيلية، وفقدان قواعدها وقادتها، الأمر الذي تفاقم بسبب عدم الاستقرار وتراجع التمويل. وبحلول فبراير 2026، كانت هذه الجماعات تحاول إعادة هيكلة نفسها، لكنها واجهت خطر الانهيار بسبب غياب راعٍ مركزي وانتشار الجماعات الجهادية.
الخلاصة:
في الختام، تُشكّل هذه الجماعات شبكةً لا مركزية قادرة على شنّ حرب هجينة، تتراوح بين الهجمات الصاروخية والتخريب البحري. يُعزّز تنسيقها العمق الاستراتيجي لإيران، ما قد يُحوّل الصراع المحلي إلى صراع إقليمي، مُعرّضًا الاستقرار العالمي لخطرٍ كبير. مع ذلك، في حال نشوب حرب عالمية، سيجد “محور المقاومة” نفسه في حالة فوضى: فالعديد من الجماعات، كحماس والفصائل السورية المُوالية لها، مُعرّضة لخطر التدمير الكامل نتيجةً للخسائر المُتراكمة ونقص الموارد، بينما يُمكن لحزب الله والحوثيين التكيّف، لكن بتكلفة باهظة، ما يُؤدّي إلى إعادة هيكلة الشبكة أو تفكّكها، مُزيدًا من عزلة إيران.



