أخبار العالمبحوث ودراسات

ما بعد الحرب على إيران: معركة الممرات والنفوذ بين أنقرة وتل أبيب

نادراً ما تنتهي الحروب الكبرى عند حدود ساحات القتال التي اندلعت فيها؛ فالحروب في جوهرها، ليست فقط مواجهات عسكرية بين جيوش، بل لحظات تاريخية لإعادة توزيع القوة والنفوذ وإعادة تعريف الأدوار داخل النظام الإقليمي والدولي. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب الأميركية- “الإسرائيلية” على إيران حدثاً يتجاوز بكثير حدود المواجهة المباشرة مع طهران، ليكشف عن صراع أعمق يتشكل بصمت بين قوتين إقليميتين تسعيان إلى احتلال الموقع نفسه داخل “الشرق الأوسط”: تركيا و”إسرائيل”.

ففي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بمتابعة نتائج الضربات العسكرية وحسابات الردع المتبادل، كانت أنقرة تراقب المشهد من زاوية مختلفة. لم تكن تسأل فقط عن مصير إيران، بل عن شكل المنطقة التي ستولد بعد الحرب، وعن القوى التي ستملأ الفراغات التي خلفتها سنوات الاستنزاف والصراعات المتراكمة. وهنا تحديداً يكمن جوهر الموقف التركي.

لقد أدركت القيادة التركية أن أي تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية لن يتوقف عند حدود دول الخليج أو إيران، بل سيمتد مباشرة إلى “سوريا ولبنان والعراق وشرق المتوسط”، وهي ساحات تعتبرها أنقرة جزءاً من أمنها القومي المباشر. لذلك لم تكن تصريحات الرئيس رجب طيب إردوغان حول أن “أمن تركيا يبدأ من دمشق وبيروت مجرد خطاب سياسي موجه إلى الداخل التركي”، بل كانت إعلاناً صريحاً عن تصور استراتيجي جديد يرى أن الدفاع عن المصالح التركية يبدأ خارج الحدود التركية نفسها.

الصراع الحقيقي: من يملك حق إدارة “الشرق الأوسط”؟

يميل الخطاب الإعلامي السائد إلى تصوير التوتر التركي – “الإسرائيلي” باعتباره خلافاً سياسياً ناتجاً عن الحرب في غزة أو نتيجة لتباينات أيديولوجية بين حكومة إردوغان والحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة. لكن هذا التفسير يبقى سطحياً إذا ما قورن بحجم التحولات الجارية.

فالصراع الحقيقي لا يدور حول غزة وحدها، ولا حول سوريا وحدها، ولا حتى حول إيران. إنه صراع على الوظيفة الاستراتيجية داخل النظام الإقليمي الذي تشرف عليه الولايات المتحدة. فمنذ عقود طويلة تمتعت “إسرائيل” بمكانة استثنائية باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر ارتباطاً بالمصالح الغربية والأكثر قدرة على حماية الترتيبات الأمنية التي نشأت بعد الحرب الباردة.

غير أن التحولات الدولية الأخيرة بدأت تطرح أسئلة جديدة حول مستقبل هذه المعادلة. فالتراجع النسبي للحضور الأميركي المباشر، وصعود قوى دولية جديدة، وتزايد أهمية الممرات التجارية والطاقة، كلها عوامل فتحت المجال أمام قوى إقليمية أخرى للمطالبة بحصة أكبر من النفوذ.

ومن بين هذه القوى تبدو تركيا الأكثر استعداداً لاغتنام اللحظة؛ فأنقرة تنظر إلى الحرب على إيران باعتبارها فرصة لإعادة تموضعها داخل معادلة القوة الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية وشبكة علاقاتها الممتدة من الخليج إلى البحر الأسود ومن البلقان إلى القرن الأفريقي.

من الجيوش إلى الممرات

إذا كان القرن العشرون قد شهد حروباً على الأرض والحدود، فإن القرن الحادي والعشرين يشهد صراعاً متزايداً على الممرات التجارية وشبكات الطاقة والبنية اللوجستية العالمية.

في هذا السياق تكتسب الجغرافيا التركية أهمية استثنائية؛ فتركيا تقع عند نقطة التقاء آسيا بأوروبا، وتتحكم بمضيقي البوسفور والدردنيل، وتمتلك القدرة على ربط الخليج وأوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى بشبكة نقل واحدة. ولذلك تنظر أنقرة إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لترسيخ دورها كمركز عبور إقليمي للطاقة والتجارة والاستثمار.

لكن المشكلة أن هذا الطموح يصطدم مباشرة بالمشاريع التي تعمل عليها “إسرائيل” في شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج. فتل أبيب تسعى بدورها إلى التحول إلى عقدة إقليمية للممرات والطاقة عبر مشاريع الربط البحري والسككي وخطوط الغاز والتحالفات الأمنية الجديدة.

وهنا يتحول التنافس إلى تناقض بنيوي؛ فالمسألة لم تعد فقط تنافس بين دولتين، بل صراع بين مشروعين يريد كل منهما احتكار الموقع نفسه داخل منظومة الشرق الأوسط المقبلة. ومن هنا يصبح الصدام بينهما مرتبطاً بالممرات أكثر مما هو مرتبط بالأيديولوجيا، وبالاقتصاد السياسي أكثر مما هو مرتبط بالشعارات السياسية.

سوريا بوصفها مركز الصراع

تدرك أنقرة أن المعركة على مستقبل “الشرق الأوسط” تمر عبر سوريا؛ ولهذا السبب جاءت تصريحات إردوغان الرافضة لأي مساس بوحدة الأراضي السورية أو أي محاولات لإعادة تشكيل الخرائط الداخلية للدولة السورية.

فمن وجهة النظر التركية، لا تمثل سوريا فقط دولة مجاورة، بل تشكل العمق الأمني والجغرافي لتركيا نفسها. وأي مشروع يؤدي إلى تقسيمها أو تفكيك مؤسساتها أو تحويلها إلى ساحة نفوذ مفتوحة سيهدد المصالح التركية بصورة مباشرة.

لذلك يمكن فهم الرسالة التركية الموجهة إلى واشنطن بعد الحديث عن أدوار سورية محتملة في ترتيبات أمنية تستهدف لبنان أو قوى إقليمية أخرى؛ فأنقرة لا تريد أن تتحول سوريا إلى منصة لحروب جديدة، لأنها تدرك أن إعادة إشعال الصراعات داخل الجغرافيا السورية ستؤدي إلى نسف الاستقرار النسبي الذي تسعى إلى تكريسه منذ سنوات.

كما تدرك تركيا أن أي مواجهة جديدة داخل سوريا ستفتح الباب أمام عودة الفوضى على حدودها الجنوبية، وستمنح القوى المنافسة فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى الميدانية والسياسية، وهو ما يفسر تمسكها بـ”وحدة الدولة السورية” ورفضها مشاريع التقسيم أو الفيدراليات المفروضة من الخارج.

لماذا تخشى “إسرائيل” صعود تركيا؟

المشكلة بالنسبة إلى “إسرائيل” ليست في القدرات العسكرية التركية وحدها، بل في طبيعة المشروع التركي نفسه. فأنقرة لا تتحرك فقط عبر القوة العسكرية، بل عبر شبكة واسعة من الأدوات السياسية والاقتصادية واللوجستية والثقافية؛ وهي تبني نفوذها في (سوريا والعراق والبلقان والقرن الأفريقي وشرق المتوسط) في وقت واحد، ما يمنحها قدرة متزايدة على التأثير في مسارات التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.

والأهم أن تركيا نجحت في تحويل علاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما السعودية وقطر، إلى رافعة اقتصادية وسياسية لمشروع الاستقرار في سوريا؛ فإعادة الإعمار والاستثمارات وشبكات النقل والطاقة لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة، بل أصبحت أدوات لإعادة إنتاج النفوذ السياسي.

ومن هنا تنظر تل أبيب إلى هذا الحراك بوصفه تهديداً طويل الأمد؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في صعود “قوة إقليمية جديدة”، بل في ظهور منافس قادر على الجمع بين (القوة العسكرية والموقع الجغرافي وشبكات الاقتصاد والطاقة) في آن واحد.

واشنطن بين شريكين متنافسين

تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى تركيا بالطريقة نفسها التي تنظر بها “إسرائيل”. فواشنطن، خصوصاً في ظل التوجهات الجديدة التي تسعى إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر، ترى في أنقرة أداة مفيدة لإدارة التوازنات الإقليمية واحتواء خصومها من دون تحمل كلفة التدخل المباشر.

لكن هذه المقاربة تخلق معضلة حقيقية لتل أبيب؛ فكل توسع في الدور التركي يعني تراجعاً نسبياً في احتكار “إسرائيل” لموقع الشريك الإقليمي المفضل لدى الولايات المتحدة. ولهذا السبب تبدو الحساسية “الإسرائيلية” مرتفعة تجاه أي تقارب أميركي – تركي في ملفات “سوريا والطاقة وشرق المتوسط”. فالصراع هنا ليس فقط على النفوذ الإقليمي، بل أيضاً على الموقع داخل الاستراتيجية الأميركية نفسها.

حدود القوة التركية

مع ذلك، فإن الحديث عن صعود تركيا لا يعني أنها تتجه نحو هيمنة إقليمية كاملة؛ فأنقرة تواجه تحديات حقيقية تتعلق بالاقتصاد والتضخم والملف الكردي والتوازنات الداخلية المعقدة.

كما أن تركيا، رغم استقلالية قرارها النسبي، لا تزال جزءاً من المنظومة الغربية اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما يفرض عليها سقوفاً وحدوداً لا تستطيع تجاوزها بسهولة؛ إضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من القوى العربية تنظر إلى الطموحات التركية بحذر، ما يجعل بناء محور إقليمي دائم ومستقر مهمة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه في الخطابات السياسية.

الشرق الأوسط”: صراع النفوذ تحت السقف الأميركي

تكشف الحرب على إيران أن المنطقة تدخل “مرحلة جديدة” لا تقوم على إنهاء الصراعات بقدر ما تقوم على إعادة توزيعها؛ فالولايات المتحدة لم تعد راغبة في إدارة “الشرق الأوسط” بالطريقة التقليدية، لكنها لا تزال حريصة على منع ظهور قوة إقليمية قادرة على الهيمنة الكاملة.

ضمن هذا السياق، يتحول التنافس التركي – “الإسرائيلي” إلى أحد أهم عناوين المرحلة المقبلة؛ فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بـ(سوريا أو لبنان أو غزة)، بل بمستقبل الممرات التجارية والطاقة والوظيفة الاستراتيجية التي ستحدد من يمتلك القدرة على التأثير في “الشرق الأوسط” خلال العقود المقبلة.

ومن هنا يمكن فهم رسائل إردوغان الأخيرة بوصفها إعلاناً عن دخول تركيا “مرحلة جديدة” من الصراع على النفوذ؛ فأنقرة لا تريد فقط حماية حدودها أو منع تفكك سوريا، بل تسعى إلى تثبيت نفسها لاعباً رئيسياً في رسم خرائط ما بعد الحرب.

وفي المقابل، تدرك “إسرائيل” أن صعود تركيا لا يمثل فقط تحدٍ سياسي هامشي، بل منافسة استراتيجية على الجغرافيا والممرات والأسواق والدور الوظيفي داخل النظام الإقليمي الجديد.

لذلك فإن السؤال المركزي في المرحلة المقبلة لن يكون ما إذا كان الصدام بين أنقرة وتل أبيب سيتواصل، بل أين ستكون ساحته الرئيسية: في سوريا، أم في لبنان، أم في “شرق المتوسط”، أم على امتداد الممرات التجارية التي أصبحت اليوم القلب الحقيقي للصراع على “الشرق الأوسط”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق