شمال افريقيا

لقاء فكري بين الرئيس التونسي والباحث الفرنسي جيل كيبل

تونس – تونس – 13-02-2020


استقبل رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيّد، مساء أمس الأربعاء بالقصر الرئاسي في قرطاج، الكاتب والباحث السياسي الفرنسي جيل كيبل الذي أهدى له بالمناسبة نسخة من كتابه “الخروج من الفوضى والأزمات في منطقة المتوسط والشرق الأوسط”.
وأكد سعيّد على أهمية هذا اللقاء الفكري الذي يُعد فرصة للخروج من السياسة اليومية لفتح آفاق أرحب في الفكر السياسي والفكر الإنساني بوجه عام.
وصرح الباحث الفرنسي عقب اللقاء،بأن المحادثة مع رئيس الدولة تناولت عدة مسائل سياسية متوسطية وإقليمية، فضلا عن محاور تتعلق بالبحوث والدراسات الجامعية.
كما تناول اللقاء أفق التعاون بين الجامعيين والباحثين في تونس وفرنسا والتأكيد على عمق وأهمية العلاقات بين البلدين.

يذكر أن جيل كيبل، هو سياسي متخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر، اكتشف الشرق الأوسط عام 1974 في أول زيارة له إلى سوريا ليتابع بعد عودته إلى باريس دورات لغة عربية في جامعة فرنسية ثم عاد ليتعلم اللغة العربية في المعهد العربي الفرنسي في دمشق عام 1978.
درس العلوم السياسية والفلسفة واللغة الإنكليزية، أطروحته للدكتوراه كانت حول الحركات الإسلامية المعاصرة والإخوان المسلمين، لينشر بعدها أول كتاب له عام 1983 “النبي والفرعون”، ثم عين باحثاً بالمعهد القومي الفرنسي للبحوث، وأنجز أبحاثاً حول تطور الإسلام في فرنسا كظاهرة اجتماعية وسياسية، وعلى أثرها أصدر كتاب “ضواحي الإسلام” الذي اعتبر عملاً رائداً عن الإسلام في الغرب.. وتتالت بعدها مؤلفاته منها “رعب في فرنسا.. نشأة الجهاد الفرنسي” و”فتنة” إلى جانب مؤلفات أخرى ترجم معظمها إلى عدة لغات، وعمل أستاذاً زائراً في جامعتي كولومبيا ونيويورك.

انتقد كيبل غياب الباحثين الفرنسيين في هذا المجال كما انتقد التهميش الذي طال أعمال الباحث محمد أركون الذي حاول مع بعض المثقفين العرب التصدي لخطاب التطرف الديني.
ولا تخفى النزعة الإستشراقية لدى كيبل عندما يدعو الباحثين ومراكز الدراسات إلى ضرورة دراسة منطقة الشرق الأوسط وفهم تاريخها عن طريق تعلم لغتها “كي لا نسقط في تخبط كالذي وقعنا به مع أحداث الربيع العربي”،حسب قوله.

يحاول الكاتب المستشرق الفرنسي جيل كيبل أن يرشد إلى الطريق، ويوجه التفكير إلى التاريخ إذا ما كان امتحاناً للماضي أو إسقاطاً على المستقبل من خلال الماضي.. وطيلة أربعين عاماً من عمله الدؤوب والتخصص في الحركات الإسلامية والعالم العربي أغنى المكتبة الغربية بمؤلفات عن ظاهرة الإسلام السياسي، وقد شكل كتابه “انتشار وانحسار الإسلام السياسي” مرجعاً للمراكز الإستراتيجية التابعة لدوائر صنع القرار في فرنسا، واليوم يقدم في أحدث كتاب له “الخروج من الفوضى في الشرق الأوسط وحوض المتوسط “رؤية عن فوضى الشرق الأوسط والإشكاليات الكبيرة في المنطقة وعن الراديكالية في أوروبا، وفقاً لعدد من الأبحاث التي تستند إلى أرشيف كبير ووثائق وبيانات أخرى، كما يكشف النقاب عن أسباب معركته ضد “ايديولوجيا العصر” التي تستخف بالعلم والمعرفة.
جيل كيبل لم يخش يوماً من التعبير عن رأيه برغم الهجوم الشرس من الذين يتهمونه بملازمة فكرة “الجهادية” وتهديد أصوليي داعش له بالقتل، فهو يعدّ أكبر باحث فرنسي في تحليل الظاهرة الأصولية المتطرفة، واعتبر البعض دراساته مرجعاً مهماً لفهم التحولات الكبرى في المنطقة، إذ تتميز بالرصد الدقيق لتفاعلات أحداث تجري في مجتمعاتنا، ومن الأجدى أن يقوم باحثون عرب بدراستها وتحليلها واستشراف التطورات المستقبلية بحثاً عن حلول لمعضلات هذه الأمة لكنهم قد لا يملكون أدوات البحث أو لا يريدون تحمل عنائه.

في كتابه الأخير هذا، يرسم كيبل دوائر الإضطرابات التي تهاجم الشرق الأوسط وحافة المتوسط ويوضح متاهات الأحداث التي منذ احتلال فلسطين 1948 أدمت المنطقة..
ومن سوريا إلى مصر عام 1973 إلى سحق “دولة داعش” تقريباً في العراق وسوريا، يوضح كل التعقيدات والغدر لتاريخ مظلم لم تتوقف محركاته عن الدوران.

يقول الكاتب: لقد شهدنا منذ العام 1973 إسلاموية متدرجة في السياسة ثم انتشار “الجهاد” الذي وصل إلى الغرب وارتداد لا يضع حداً للظاهرة الجهادية، وإذا كانت الحدود بين”الجهاد” الداخلي للقاعدة والخارجي لداعش مموهة فإن “الجهادية” تدعو مصادر محلية إلى ارتكاب أعمال إرهابية على الأراضي الأوروبية وليس كما حصل في 11 سبتمبر بتجنيد إرهابيين قادمين من الخارج لضرب الولايات المتحدة وقد انتقلنا خلال السنوات العشر الأخيرة من حماسة الشعارات الديمقراطية الكونية لـ”الربيع العربي” إلى تراجع مشؤوم للسلفية وإلى داعش وهكذا استقرت الفوضى اليوم في محيط المتوسط.
العالم كله أخطأ وكنا قد انبهرنا وأعمانا الصخب الذي أطلقته هذه الحركات وما سمي “الثورات العربية” واعتقدنا أنها ستأخذ المنطقة إلى نظام ديمقراطي لكنها في الواقع أدت إلى فوضى عارمة وحالة تشظي لهذا الشرق.

في ديسمبر عام 2011 كنت أتناول العشاء في قاعة رئاسة الأركان في مصر يومها قال لي ضابط مصري إن الجيش سيدع الإخوان المسلمين يربحون الإنتخابات لأن هؤلاء سوف تظهر عدم كفاءتهم بسرعة ومن ثم سيستدير الشعب نحو الجيش.. لم آخذ هذا الكلام على محمل الجد وسحبت القصة من كتاب كنت سأنشره يومذاك “شغف عربي” لكن هذا ما حصل بالضبط.

الجهادية قامت على ثلاث مراحل: الأولى عام 1979 في أفغانستان تتالت مع انهيار الإتحاد السوفييتي عام 1989 وبعدها في البوسنة ومصر والجزائر، المرحلة الثانية كانت بتغيير الإستراتيجية حين ضرب بن لادن في واشنطن ونيويورك عام 2001 والمرحلة الثالثة في العام 2005 وهي مرحلة مهمة جداً في تاريخ الحركات الأصولية المعادية للغرب عندما أشاد أبو مصعب الزرقاوي بالقتال بين الشيعة والسنة ثم عندما دعا أبو مصعب السوري إلى ضرب أوروبا وما أسماها بالمقاومة الإسلامية العالمية.. ومع غليان الربيع العربي ترسخت القوى الإسلامية بأعرافها واستثمرت الساحة.

يتبع..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق