أخبار العالمبحوث ودراسات

قطاع الحبوب وضعف منظومة التخزين في تونس  : ثروة مهدورة بفعل ” الفقر الغذائي”

بلقيس العيوني قسم العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

يعد “القمح” عبر التاريخ مكونا أساسيا في غذاء البشر، فهو موروث غذائي متكامل بنت عليه الحضارات الكبرى كالقرطاجي والرومانية وغيرها تاريخها ،… مع تطور الأزمنة حظى بأهمية كبيرة في تونس، بفضل زراعته المتميزة عبر التاريخ فقد شهد ثورة تقنية بداية من سبعينات القرن الماضي تتمثل في التهجين مكنت من زيادة و تنويع الإنتاج فيمكن في تونس إحصاء ما يزيد عن 20 صنف قمح من القمح الصلب ذي  البذور المحلية و بدرجة أقل القمح اللين بفضل بحوث وجهود “المعهد الوطني للبحوث الزراعية”. فبما تتسم منظومة تخزين الإحتياطي الإستراتيجي من القمح في تونس ؟ ما هي العوائق و التحديات التي تواجه هذا القطاع حاليا ؟ وما هي الحلول الممكن اعتمادها للنهوض بهذا المجال ؟ 

  • منظومة تخزين الإحتياطي الإستراتيجي من القمح في تونس :

يهدف تخزين القمح إلى الحفاظ على جودة المنتوج لتحقيق الأمن الغذائي لدى المواطنين، فهذه الطريقة تمكن من استغلاله بعد موسم الحصاد لمدة طويلة. و تنقسم الخزائن في تونس إلى نوعين، مينائية و محورية فيمكن التخزين في مخازن حقلية أو مسقفات حديدية باستعمال الأكياس، التخزين في أنفاق تحت الأرض وتكون جدرانها من الإسمنت المسلح أو التخزين في خلايا حديدية أو من الإسمنت المسلح. فنجد هذه الخزانات متوزعة على المجال الجغرافي التونسي حيث تتمركز بعض خزانات الموانئ  في بنزرت، تونس و قابس. بينما تقع بعض الخزانات المحورية في تونس، الكاف، صفاقس. تتميز هذه المخازن برقابة الجودة لضمان نظافة الحبوب وسلامتها، لتحسين منظومة الجودة التي عمل ديوان الحبوب على تركيزها تدريجيا خلال السنوات الأخيرة،حيث تم منذ سنة 2000 وضع نظام مندمج للتقييم والمراقبة والتحكم في جودة الحبوب المحلية والمستوردة. يساهم في عملية التخزين ديوان الحبوب بنسبة 41 % أي طاقة خزن بحوالي 2,4 مليون قنطار، كما يلتجئ  إلى كراء خزانات من المستثمرين الخواص عند الحاجة فنجد مساهمة المستثمرين الخواص بنسبة 37 % أي حوالي 2,2 مليون قنطار و الشركات التعاونية بنسبة 22 % أي حوالي 1,3 مليون قنطار لتقدرطاقة الخزن المتوفرة بالبلاد التونسية 5,9 مليون قنطار.

  • العوائق و التحديات التي تواجه قطاع تخزين القمح حاليا

يعتبر توفير الكمية الكافية لتأمين الإحتياجات المحلية للمستهلك مكلفا في ظل الظروف الإقتصادية الحالية، فقد بلغ الإستهلاك المحلي 36 مليون قنطار بكلفة 3400 مليون دينار. كما أن الإنتاج المحلي غير قادر على تغطية احتياجات المواطنين من القمح وهو ما يخلق تبعية للبلدان المصدرة، فالبلاد التونسية تستورد 95% تقريبًا من القمح اللين المستخدم في صناعة الخبز، تتأتى عُشر كمية القمح لديها من روسيا ونسبة 65% تقريبًا من أوكرانيا، ظهرت هشاشة هذا النظام خاصة منذ غزو روسيا لأوكرانيا فأصبحت البلاد تنفق 250 مليون دولار إضافية على وارداتها مما يعمق الأزمة الإقتصادية. 

إضافة إلى غياب إستراتيجيا واضحة على المدى البعيد تخفف من حدة أزمة نقص القمح و تعزز الأمن الغذائي المحلي، غياب دعم الرقمنة لتوفير إحصائيات تخص القطاع إلى جانب التذبذب في الإنتاج و الإنتاجية، كما يكثر الاحتكار في هذا القطاع. 

تتسم مردودية الحبوب بنسبها المحدودة نتيجة إرتفاع قياسي في معدلات الحرارة تزامنا مع حاجة النبات للماء، خاصة في المناخ الجاف وشبه الجاف الذي يميز البلاد التونسية، فالثروات المائية في تونس لا تتوزع بتكافؤ على المجال الجغرافي و غير كافية في بعض الأحيان لري المساحة كاملة رغم ذلك نجد عادات المواطن الغذائية تتركز على الزراعات التي تتطلب كميات كبيرة من المياه. بالإضافة إلى التصحر وانجراف التربة وزيادة نسبة الأملاح فوق الأرض وتحتها، و تأثير الرياح والسيول.

يساهم العنصر البشري بشكل ملحوظ بذاته في تعميق الأزمة من خلال عدم ترشيد استغلال المياه، و عدم اهتمامه بصيانة  وتنظيف السدود وشبكات نقل المياه مما يتسبب في ضياع كميات كبيرة منها. إضافة إلى تحويل المساحات الخضراء إلى مناطق سكنية و إستعمال أدوات الحرث العصرية الضخمة، و هي عوامل تُسرّع التصحر والإرمال. نجد كذلك التلوث البيئي مصدره المناجم بقفصة،الصناعات الكيميائية بقابس وصفاقس والصناعات الثقيلة الملوِّثة كالإسمنت والحديد ببنزرت وهو يؤثر في نضافة وجودة المياه والأغذية.

  • الحلول الممكن اعتمادها للنهوض بهذا المجال

لتلافي هذه الأزمة تعمل البلاد التونسية على مشاريع ترفع من طاقة التخزين مثال ذلك اقتراضها 150 مليون يورو من البنك الأوروبي للاستثمار في ديسمبر 2022 مع تخصيص 82 مليون يورو من هذا المبلغ لشراء الحبوب، حيث يهدف هذا المشروع إلى توسيع شبكة صوامع الحبوب وتحسينها في جميع أرجاء البلاد لتأمين الاستهلاك المحلي لفترة أطول من شهرين إلى أربعة أشهر. كما تم التركيز في هذا المشروع على تحسين البنية التحتية للخزائن لتشمل الصوامع الحقلية، البنية التحتية الإضافية لربط الصوامع عن طريق السكك الحديدية لتسهيل النقل، تجديد الصوامع في الموانئ الرئيسية التي تستقبل الواردات من الحبوب لتكون أسرع ،مساعدة فنية  للاستثمار في قضايا الأثر البيئي والاجتماعي وتحسين عملية الرقمنة في الهيئة الحكومية. يقول سيباستيان فالور، مسؤول قروض في البنك الأوروبي للاستثمار في العالم،”تُعد هذه الأزمة جزءًا من سبب توجُّه ديوان الحبوب إلى المؤسسات المالية الدولية العام الماضي. وهذه هي السابقة الأولى من نوعها بالنسبة لهم”.

بات من الضروري ترشيد إستهلاك المياه لتفادي هدره

  • التقليل من الزراعات السقوية  التي تستهلك الكثير من مياه الري، كالطماطم والفلفل والبصل والبطاطا ومختلف أنواع البطيخ. 
  • الحفاظ على المساحات الخضراء و تشديد القوانين التي تحمي هذه المساحات من الحرائق مع توعية المواطنين بالمخاطر الممكن مواجهتها،و تقديم الحلول لتفادي إتلاف الأراضي مثال حصاد وحراثة جوانب المزارع المجاورة للطرقات.  
  •  تقليل إستعمال البذور المستوردة المعدلة جينيا التي تنهك وتفقر وحتى تعقم الأرض و تكريس الجهود لمحاولة استرداد بعضها الذي نُهب و صار في بنوك جينات في عدة دول من العالم. 
  • دعم صغار الفلاحين لتمويل نشاطهم و تشجيع الإستثمار في القطاع الفلاحي.

يواجه الإحتياطي الإستراتيجي من القمح في تونس عديد التحديات الإقتصادية و الطبيعة إضافة إلى سوء تصرف العنصر البشري في الثروات. رغم محاولات المسؤولين النهوض بهذا القطاع و تنفيذ  إصلاحات هيكلية ، تحسين جودة المنتوج و تأمين الاكتفاء الذاتي للمواطنين. فهل ستنجح مجهودات تحسين هذا القطاع بشكل مستدام ؟ 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق