أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

قراءة نفسية لدونالد ترامب

حين يتبوأ إنسان نرجسي مهووس بالقوة والسيطرة وبالإبهار وكسب الإعجاب رئاسة دولة عظمى، فإنه يشكل خطراً حقيقياً على شعوب العالم.

دعونا نتفق في البداية على أن سياسة ترامب استعمارية تشمل حروباً وتدخلات عدوانية وهيمنة في مناطق مختلفة في العالم، إلا أن هذه السياسة ليست صفة “ترامبية” بل هي نهج أمريكي استعماري سار عليه رؤساء أمريكا السابقون.

ما يميز أداء ترامب هو تنمره وكذبه المتواصل فهو يتنفس كذبا وعنجهيته وبذاءته وفظاظته وتقلباته التي تشذ عن الأخلاق والبروتوكول والنمط السائد لدى رؤساء الدول.

هل هذا الأداء يدل على غباء؟

تتبع مسيرة حياته يؤكد أنه ليس غبياً كما يعتقد البعض، فهو كان متفوقاً في دراسته في المدرسة وفي الكلية العسكرية وفي جامعة بنسلفانيا وكان يتقلد مناصب قيادية أثناء دراسته، إضافة إلى أنه يعتبر رجل أعمال ناجحاً جداً.

هل هو معتوه أو مجنون؟

هو فعلاً ذو شخصية غير سوية إلا أن حالته لا تعتبر جنوناً أو انفصاماً. في طفولته كان ولداً مفرط الحركة Hyperactive، وفيما بعد أصبح يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic personality disorder، بحيث يرى نفسه مركز العالم ويستخف بالآخرين، وهذا ما نراه بتحقيره لرؤساء دول آخرين، يرى العالم بمنظار قطبي بين غالب ومغلوب ويخشى أن يكون الطرف الخاسر، وهو أيضاً غير مستقل نفسياً وعاطفياً (وهذه صفة طفولية) بل متعلق باستحسان الآخرين له، لذلك يكثر من الظهور ولفت الانتباه وإطلاق النكات التي لم نعهدها من رئيس دولة وكذلك يطلق العنان لمدح نفسه على انه الاذكى والاقوى وغيرها من عبارات جنون العظمة.

ماذا يحرك سلوكه؟

ترامب لا تحركه الأيديولوجيات (ليبرالية أو قومية أو غيرها) ولا يحركه الضمير أو الأخلاق، بل هو يدوس على كل مبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان، ولا يحركه الانتماء القومي أو الديني، بل هو ينتمي فقط إلى شركائه في المصلحة حتى لو كانوا من انتماءات قومية أو أيديولوجية أخرى، كعلاقته بالرئيس الروسي بوتين، وهو غير ملتزم بالحقيقة بل يكذب ويلوي الحقائق وفق مصلحته وبوتن يدرك هذه الحقيقة ولهذا يتلاعب به ويضحك عليه.

طبعاً، بغياب هذه المرجعيات المنهجية الموجهة، بالإضافة إلى أنه يرى العالم كجولات منازلة منفصلة يهمه أن يربح فيها كل جولة، يظهر أداؤه متقلباً وغير ثابت، إلا أن هذا التقلب ليس غباءً، بل هو تقلب يخدم المصلحة الآنية وفق مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”.

ما يحرك ترامب في سلوكه هو حب السيطرة والقوة والانتصار من جهة، والرغبة في الاستعراض وكسب الإبهار والتصفيق من جهة أخرى هو يتغذى من شكر الاخرين له وهذا ما تفعله الجوقة المحيطة به وخاصة وزير حربه.

كيف تكونت شخصية ترامب؟

هو الرابع بين خمسة إخوة وأخوات: ماريان البنت البكر عملت كقاضية، وفريدي كان طياراً وانحدر إلى المخدرات والكحول، وإليزابيث عملت في المجال المصرفي، والرابع هو دونالد ترامب، والأخ الأصغر روبرت الذي هو نسخة مصغرة من دونالد ترامب ويقع تحت ولائه.

الوالد فريدريك كان تاجر عقارات في حي كوينز في نيويورك، نجح من الصفر كتاجر عقارات بفضل قوته وشخصيته الصارمة التي رأى من خلالها العالم مقسوماً بين أقوياء وضعفاء (غالب ومغلوب)، وهكذا ربى أولاده على هذا الأساس ألا يكونوا ضعفاء.

في مذكراته، يذكر دونالد ترامب أثر تعامل أبيه القاسي على أخيه الأكبر فريدي الذي لم يحتمل سطوة أبيه وإهاناته فانزلق للكحول والمخدرات وخسر مهنته كطيار، مما دفع ترامب إلى أن يسير في الاتجاه المعاكس ويكون قوياً وصامداً (هذا جاء في كتاب أصدرته ابنة الأخ فريدي وهي دكتورة نفسية).

الوالدة ماري، وهي من أصول اسكتلندية، كانت باردة عاطفياً وضعيفة ومنبهرة بمشاهد العظمة والظهور. صورة انبهارها أثناء مشاهدة احتفالات تتويج الملكة إليزابيث بقيت عالقة في ذهن دونالد ترامب (هذا جاء في مذكرات دونالد ترامب نفسه).

يمكن القول إن دونالد ترامب تأثر بعقيدة القوة ليرضي أباه، وتأثر بالحاجة للإبهار والظهور ليرضي أمه.

هل هو فاقد السيطرة على نفسه أم أنه يتحلى بانضباط ذاتي عالٍ؟

صحيح أنه في طفولته كان مفرط النشاط (hyperactive) وكان سلوكه في البيت والمدرسة مشاكساً ومشاغباً وعنيفاً، وكان يقود “شلة من الفاسدين”، وحصل أن ضرب معلم الموسيقى، إلا أن أباه أدخله بعمر 13 المدرسة العسكرية لتعليمه الانضباط، فتعلم هناك ترويض التمرد وطوّر شخصيته القيادية، وقد كان بالفعل متفوقاً وقيادياً، بعدها تعلم إدارة الأعمال في جامعة بنسلفينيا المرموقة بنجاح.

إذن هو ليس فاقداً للسيطرة على نفسه، هو يقرر مجالات انضباطه وعشوائيته: فمثلاً هو امتنع طوال حياته عن التدخين والكحول والمخدرات (ربما بتأثير مأساة أخيه فريدي).

التقلب لديه ليس عشوائياً، إنما هو يتيح لنفسه فوضى منظمة تشكل مزيجاً من سمات شخصيته، فنراه أحياناً يقرأ نصاً مكتوباً أُعدّ بعناية ويخرج عن النص بما يناقض النص، أو نراه يصرح تصريحاً معيناً وفي اليوم التالي يصرح تصريحاً مناقضاً.

التقلب عنده بمثابة نظام تشغيل وتكتيكات تفاوضية مدروسة وهادفة: التقلب بين تهديد إيران بالفناء وبين دعوته لاتفاق سلام يضع الطرف الإيراني في حالة غموض وإرباك تصب في مصلحة ترامب، كما أن مراوحة تصريحاته بين نقيضين (حرب طاحنة أو سلام) تجعل أي نتيجة تنتهي بها الحرب مع إيران تقع ضمن خططه المعلنة، فيسجل لنفسه “انتصاراً” (حسب اعتقاده) بأي نتيجة تنتهي بها الحرب.

التقلب عنده تكتيك مساومة تجارية؛ فيرفع السعر في البداية ليرضى الطرف الآخر بأي سعر فيما بعد. هذا ما فعله في الحرب على غزة حين صرح في البداية بتهجير الفلسطينيين وإنشاء ريفيرا وبعدها جاء بمجلس سلام لإعمار غزة. تصريحاته الأولى بالتهجير والريفيرا جعلت المجلس مقبولاً على الجميع، وحتى اعتبره البعض انتصاراً على خطة ترامب للتهجير والريفيرا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق