في خطاب موجّه للرأي العام الأمريكي: حرس الثورة الإيراني يربط كلفة الهيمنة وتضخم الديون بإخفاقات واشنطن الإقليمية

قسم الأخبار الدولية 29-09-2026
في تحوّل يكتسي أبعاداً اتصالية واستراتيجية، وجّه المتحدث باسم حرس الثورة الإسلامية الإيرانية، العميد حسين محبي، اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، خلال مؤتمر صحفي موسّع، مجموعة رسائل علنية صيغت خصيصاً للرأي العام والشعب الأمريكي. وتأتي هذه الخطوة لتجاوز قنوات الدبلوماسية التقليدية وخطاب الإدارات الرسمية، عبر استحضار الملفات الاقتصادية والأولويات الداخلة في صلب اهتمامات المواطن الأمريكي، مع فتح الباب أمام استقبال ردود وانطباعات الشارع الإيراني والأمريكي على حدٍّ سواء.
مساجلة الميزانيات: العسكرة الخارجيّة مقابل التنمية الداخلية
طرح المتحدث باسم حرس الثورة مقاربات تتصل بجدوى العقيدة العسكرية الأمريكية ومعدلات الإنفاق المالي المرتبطة بها؛ متسائلاً عن المسوغات الاستراتيجية لتشغيل واستمرار نحو 800 قاعدة عسكرية أمريكية حول العالم، في ظل ميزانية تسليح سنوية ناهزت 1100 مليار دولار. وفي مقابل ذلك، أشار محبي إلى أن كلفة التسليح والدفاع الإيراني لا تتجاوز 1% من هذا الرقم الإجمالي.
وسلّط الخطاب الضوء على التباين بين الإمكانات المادية الضخمة للولايات المتحدة—كالبيئة الجغرافية الثرية وموارد الطاقة والمناجم وبين بروز ظواهر اجتماعية كالفقر وتراكم الديون الوطنية. وحثّ محبي الشارع الأمريكي على التفكيك التحليلي لطبيعة العوائد التي يجنيها المواطن من صناعة الأسلحة المتنامية والمستمرة منذ سبعة عقود، متسائلاً عما إذا كانت هذه السياسات الخارجية قد أسهمت فعلياً في تعزيز رفاه المجتمع أم أنها عمّقت العجز المالي والمديونية المرتفعة.
أبعاد الخطاب الإقليمي وقضية الحرب على غزة
تطرّق المؤتمر الصحفي إلى الأوضاع الراهنة في الشرق الأوسط، مستعرضاً تداعيات الموقف الأمريكي من حرب الإبادة في غزة واتساع رقعة الرفض الشعبي الدولي للسياسات الخارجية لواشنطن. واعتبر محبي أن استمرار نهج الهيمنة وتوجيه الاتهامات للدول الأخرى يهدف بالأساس إلى تبرير التواجد العسكري وتسهيل الاستحواذ على الموارد، داعياً القيادة الأمريكية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها في المنطقة.
وفي الملف النووي، شدد المتحدث على أن الاتهامات الموجهة لبلاده برغبتها في إنتاج السلاح النووي تمثل ادعاءات تفتقر للواقعية، مستشهداً بوجود مواقف وفتاوى دينيه وسياسية حازمة تحرّم أسلحة الدمار الشامل، متسائلاً عن خلفيات استهداف القيادات التي تبنّت هذا المبدأ.
تقييم الخارطة الميدانية والخيارات الدفاعية
امتدت رسائل طهران لتشمل دول الجوار التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية؛ حيث أوضح العميد محبي أن وجود هذه القواعد لم يوفر الحماية أو الاستقرار المنشود لمحيطها الإقليمي، بل تحوّل إلى عبء أمني وعسكري أثبتت التطورات الميدانية عدم قدرته على حماية نفسه، ما أدى إلى تراجع قيمتها التشغيلية والاستراتيجية، وهو ما بدأت تدركه القوى الإقليمية.
واختتم المتحدث باسم حرس الثورة المؤتمر بتأكيد الجاهزية العسكرية والعملياتية لإيران، متطرقاً للأبعاد التالية:
- التطوير التسليحي المستمر: مواصلة الأبحاث وتصنيع منظومات دفاعية جديدة مجهزة للاندماج فوراً في الترسبات العسكرية عند نشوب أي مواجهة أو عدوان.
- إدارة السيناريوهات المعقدة: وضع ترتيبات وخطط استجابة سريعة تحسباً لجميع البدائل التي قد تلجأ إليها القوى المنافسة، وضمان التكيف مع تحولات المسرح الميداني.
دلالات التوقيت وأبعاد الرسالة الاتصالية
تكتسب هذه التصريحات أهمية بالغة بالنظر إلى توقيتها وأسلوب صياغتها، ويمكن إيجاز أبعادها التحليلية في محاور ثلاث:
- القوة الناعمة والدبلوماسية الشعبية: يُظهر التركيز على الديون والفقر والميزانيات العسكرية رغبة إيرانية في مخاطبة “الداخل الأمريكي”، عبر العزف على أوتار القضايا المعيشية التي تؤرق الناخب الأمريكي، ونقل النقاش من صراع إيديولوجي إلى مساجلة واضحة حول كلفة الإمبراطورية والعسكرة على حساب المواطن.
- فك الارتباط الإقليمي بالقواعد الأمريكية: حملت الرسالة الموجهة ل دول الجوار محاولة صريحة لإقناع دول المنطقة بعدم جدوى الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، وتصدير رؤية مفادها أن التواجد الأمريكي بات يشكل ثقلاً أمنياً بدلاً من كون حائط صد دفاعي.
- الردع المزدوج: وازن الخطاب بين إبداء الانفتاح على الحوار والرسائل الشعبية، وبين التأكيد الصارم على الجاهزية العسكرية وإدخال أسلحة جديدة، لضمان إرسال إشارات ردع واضحة لمنع أي حسابات خاطئة قد تقود إلى التصعيد.



