عندما تعجز الحروب عن الحسم: التفاوض بالنار يعيد رسم الشرق الأوسط لصالح إيران

اعداد رضا الشاب: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 27-03-2026
حين تبلغ الحروب ذروتها، لا تعود المدافع وحدها من ترسم ملامح المرحلة، بل تلك المساحة الرمادية التي تبدأ فيها النار بالكلام… لا صمتاً، بل تفاوضاً من نوع آخر.
هناك، تحديداً، ندخل في ما يمكن تسميته بـ”مرحلة التفاوض بالنار”، حيث تتكفّل الصواريخ برسم حدود الطاولة، وتُكتب الشروط بلغة الردع قبل أن تُدوّن بالحبر السياسي.
في الحرب الدائرة على إيران، يبدو أن هذا التحوّل قد بدأ فعلاً. لم تعد المواجهة مجرّد سعيٍ إلى حسمٍ عسكريٍ تقليدي، بل تحوّلت إلى عملية شدّ حبال استراتيجية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة ثانية، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين شروطه التفاوضية عبر التصعيد المدروس، لا الانفلات الكامل.
على المستوى الدولي، لم يأتِ اندفاع الوسطاء من فراغ. فقد عكست الدعوات المتسارعة للتهدئة حجم القلق العالمي من انزلاق الحرب إلى ما هو أبعد من السيطرة.
فتوصيف الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير للحرب بأنها “خطأ سياسي كارثي ومخالفة للقانون الدولي” لم يكن مجرد موقف أخلاقي، بل إشارة إلى إدراك أوروبي عميق بأن استمرارها يهدد بنسف ما تبقى من استقرار النظام الدولي.
كذلك، فإن استعداد رئيس وزراء باكستان شهباز شريف لاحتضان حوار أميركي – إيراني يعكس إدراكاً متزايداً بأن لحظة التفاوض، ولو تحت النار، قد حانت.
لكن، في المقابل، لا تبدو “إسرائيل” معنيّة بهذه اللحظة. فهي ترى في انخراط الولايات المتحدة المباشر في الحرب فرصة استراتيجية نادرة، وربما غير قابلة للتكرار، لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتناسب مع رؤيتها الأمنية.
لذلك، تواصل الدفع باتجاه إطالة أمد المواجهة، خشية أن تؤدي أي تسوية سياسية إلى إنتاج “نصف هزيمة” لا تلبّي سقف طموحاتها. من هنا، يمكن فهم القلق الإسرائيلي من احتمال تقديم واشنطن تنازلات تحت ضغط الواقع العسكري أو الداخلي.
في قلب هذا المشهد، تبرز “الشروط” بوصفها التعبير الأكثر وضوحاً عن طبيعة هذه المرحلة. فالولايات المتحدة، في ظل قيادة النرجسي ترمب، رفعت سقف خطابها اليوم إلى حد التهديد العلني لإيران بـ”الويل والثبور وعظائم الأمور” في حال رفضت الجلوس على طاولة التفاوض وفقاً للشروط الأميركية.
وهي شروط، كما يُتداول، تتوزّع على نحو خمسة عشر بنداً تتمحور حول تفكيك البرنامج النووي، وتقييد القدرات الصاروخية، وإعادة ضبط الدور الإقليمي الإيراني، بما يعني عملياً إعادة صياغة موقع إيران في غرب آسيا.
لكن ثقل هذا التهديد يتآكل أمام حقيقة أن طهران لم تستخدم كل أسلحتها بعد. فالجمهورية الإسلامية، رغم انخراطها في المواجهة، لم تكشف كامل أوراقها الاستراتيجية.
فما زال باب المندب خارج دائرة الاشتباك المباشر حتى الآن، ولم يدخل حليفها اليمني على خط التصعيد بالنار ما قد يشعل كامل دائرة المواجهة.
فإغلاق هذا الممر الحيوي لا يعني فقط تعطيل حركة الملاحة، بل يؤدي عملياً إلى شلّ قناة السويس، فضلاً عن إقفال آخر الشرايين التي يتدفق عبرها النفط الخليجي إلى العالم. وفي وقت، لم تتردّد طهران في استخدام أوراق أخرى أكثر مباشرة. فقد نجحت، وفق معطيات المشهد، في فرض واقع ضاغط في مضيق هرمز، الممر الأكثر حساسية لتدفق الطاقة العالمية، إلى حدّ دفع ترمب إلى الإقرار علناً بأن إدارة هذا المضيق باتت خاضعة عملياً لإشراف “آيات الله”، في إشارة رمزية إلى ثقل القرار الإيراني في هذه البقعة الحيوية.
هنا، لم تعد الجغرافيا مجرد مسرح للعمليات، بل تحوّلت إلى أداة تفاوض قائمة بذاتها.
وفي موازاة الضغوط الأميركية، تطرح إيران شروطها بوضوح: إيقاف النار من دون شروط ووقف عمليات الإغتيال، ضمانات دولية تمنع تكرار الحرب، رفع سريع وفعلي للعقوبات، الاعتراف بدورها الإقليمي، وقف الحرب على لبنان والانسحاب منه، وتعويضات عن الأضرار. بذلك، لا تفاوض طهران على إنهاء الحرب فحسب، بل على تثبيت موقعها في معادلة القوة.
ضمن هذا التوازن، تتكرّس معادلة “التفاوض بالنار”: كل ضغط يقابله ضغط، وكل ورقة بأخرى، فيما يبقى الانفجار الكبير مؤجّلاً عند حافة الهاوية.
ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن السياق الأوسع. فالولايات المتحدة لا تخوض هذه المواجهة بمعزل عن صراعها مع القوى الكبرى، ولا عن هواجسها المرتبطة بأسواق الطاقة. لذلك، فهي تسعى إلى تحقيق “نصر كافٍ” يمنعها من الظهور بمظهر العاجز أمام الصين، دون الانزلاق إلى حرب بلا قعر لا يمكن ضبط مآلاتها.
أما العدو الإسرائيلي، ووفق ما أوردته صحيفة معاريف العبرية، فيرفع سقف تعريفه للنصر إلى أقصاه: تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، تقليص نفوذها الإقليمي، والإمساك بمفاصل التأثير في سوق الطاقة.
غير أن الوقائع الميدانية، ولا سيما في لبنان، تكشف حدود هذا الطموح. فما تحقق حتى الآن لا يتجاوز عمليات تكتيكية متفرقة، تفتقر إلى رؤية استراتيجية متكاملة، وتبدو في أثرها أقرب إلى “مسكّن ألمٍ لمريضٍ مزمن” منها إلى علاجٍ حاسم. بل إن الإعلام العبري نفسه أقرّ بإخفاقات واضحة للجيش في مواجهة مقاتلي الرضوان.
لذلك، يصبح لبنان جزءاً حتمياً من أي تسوية، لا هامشاً فيها. فالساحة اللبنانية ستُدرج ضمن سلّة التفاهمات بين واشنطن وطهران، سواء أُعلن ذلك أم لا.
في النتيجة، نحن أمام لحظة مفصلية قد تستمر أسابيع اضافية لا تُقاس بنتائج الميدان فقط، بل بقدرة الأطراف على تحويل النار إلى سياسة. إنها مرحلة تُرسم فيها الخرائط لا بالحبر، بل بمدادٍ من نار.


