أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

عمان… حين يكون الصمتُ دبلوماسيةً والفعلُ إنقاذاً

في لحظةٍ يتجه فيها العالم نحو ترسيخ قواعد الاحترام المتبادل وبناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة، تظهر بين الحين والآخر تصريحات متعالية تكشف عن ضيق الأفق السياسي وعجزٍ عن إدراك قيمة الدول وسيادتها. وما صدر مؤخراً عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحق سلطنة عمان يندرج ضمن هذا الخطاب الاستفزازي الذي لا يليق بتاريخ العلاقات الدولية، ولا بمكانة دولةٍ صنعت حضورها بالحكمة لا بالضجيج.

سلطنة عمان ليست دولة هامشية تُختزل في كلمة عابرة أو تغريدة موجهة للاستهلاك الإعلامي. إنها دولة ذات سيادة كاملة، تمتلك إرثاً تاريخياً عريقاً يمتد لقرون، ورسخت حضورها الإقليمي والدولي عبر دبلوماسية هادئة لكنها فاعلة، لا تبحث عن الأضواء بقدر ما تسعى إلى النتائج. وقد عُرفت عمان، بقيادتها الحكيمة ونهجها المتزن، بأنها صوت العقل والحكمة والسلام في منطقةٍ تعج بالصراعات والتوترات.

من يتابع مسار السياسة العمانية يدرك أن مسقط لم تكن يوماً طرفاً في تأجيج النزاعات أو نشر الفوضى، بل كانت دائماً قناة خلفية مفتوحة للحوار عندما تُغلق كل القنوات. هذه الدبلوماسية الهادئة جعلت من عمان وسيطاً موثوقاً بين أطرافٍ متناقضة، وقادرة على إيصال الرسائل وإذابة الجليد حيث فشلت عواصم كبرى. فمكانتها لم تُبنَ على التحالفات المؤقتة، بل على الثقة التي راكمتها عبر عقود من الحياد الإيجابي والالتزام بمبادئ حسن الجوار.

والأهم أن هذه الدبلوماسية لم تبقَ نظريةً على الورق، بل تحولت إلى أفعال ملموسة أنقذت أرواحاً وبنت جسور ثقة. والولايات المتحدة الأمريكية نفسها كانت من المستفيدين من هذا النهج المتزن. فمن أبرز الشواهد دور سلطنة عمان الحاسم في الإفراج عن مواطنين أمريكيين كانوا محتجزين في اليمن، عبر مفاوضاتٍ معقدة أدارتها مسقط بصمتٍ ومهنية عالية. وهو موقفٌ ليس معزولاً، بل حلقة في سلسلة من التدخلات العمانية التي هدفت إلى تهدئة الأزمات وحماية المدنيين، بعيداً عن الاستعراض السياسي والبحث عن المكاسب الآنية.

لهذا فإن محاولات النيل من مكانة عمان أو اختزالها في خطابٍ شعبوي لن تغيّر من حقيقة راسخة: أن السلطنة تحظى بتقديرٍ دولي واسع في الشرق والغرب، لأنها لا تبيع المواقف ولا تُساوم على المبادئ. سياستها المتوازنة جعلتها محل ثقة الأطراف كافة، حتى المتناقضة منها، ومصدراً للاستقرار في محيط مضطرب.

كما أن الشعب العماني شعبٌ أصيل، يعتز بتاريخه وهويته الوطنية، ولا يقبل بأي إساءة تمس بلده أو قيادته أو سيادته. وقد أثبت العمانيون عبر العقود أنهم نموذجٌ في التكاتف والوعي والانتماء، يقفون صفاً واحداً عند المساس بكرامة وطنهم.

ختاماً، فإن القوة الحقيقية لا تُقاس بحدة الصوت أو استفزاز الخطاب، بل بالقدرة على صناعة السلام وفتح قنوات الحوار وإنقاذ الأرواح بصمت. وهذه معادلة جسدتها سلطنة عمان على الدوام، فبقيت شامخةً بتاريخها، قويةً بسيادتها، راسخةً بمبادئها، لا تهزها تصريحاتٌ عابرة، ولا تؤثر فيها حساباتٌ سياسية ضيقة. فالأمم العظيمة تُقاس بأفعالها ومكانتها بين الأمم، لا بما يُقال تحت أضواء الإعلام المؤقتة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق