عراقجي والبوسعيدي يبحثان تطورات اليمن وسط تصاعد التوترات الإقليمية ومساعي احتواء الأزمة

قسم الاخبار الدولية 14-10-2026
أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، تناول آخر التطورات الإقليمية، ولا سيما المستجدات في اليمن، وسبل إحلال السلام وتعزيز الاستقرار في المنطقة. ويأتي الاتصال في إطار المشاورات الدبلوماسية المتواصلة بين طهران ومسقط بشأن الملفات الإقليمية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً في التوترات الأمنية وتزايداً في المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين الأطراف المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الأزمات القائمة.
ويكتسب هذا التواصل أهمية إضافية بالنظر إلى تزامنه مع تحركات دبلوماسية إيرانية شملت عدداً من العواصم الإقليمية، إذ أجرى عراقجي اتصالات منفصلة مع نظرائه في تركيا ومصر والعراق، تناولت التطورات في اليمن وسبل خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين. ويشير اتساع نطاق هذه المشاورات إلى اهتمام طهران بتبادل وجهات النظر مع الأطراف الإقليمية بشأن تداعيات الأزمة اليمنية، في ظل تداخلها مع ملفات أمن الخليج والملاحة البحرية والعلاقات بين القوى الإقليمية. غير أن هذه الاتصالات لا تعني بالضرورة التوصل إلى مبادرة مشتركة أو اتفاق بشأن آليات التسوية، إذ لم تُعلن تفاصيل محددة عن نتائج الاتصال الإيراني العُماني أو الخطوات العملية التي قد تترتب عليه.
اليمن في قلب معادلة الأمن الإقليمي
لم تعد الأزمة اليمنية تقتصر على المواجهة الداخلية بين القوى السياسية والعسكرية المتنافسة، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمنية إقليمية تتقاطع فيها مصالح دول الخليج وإيران والقوى الدولية. فالموقع الجغرافي لليمن، المشرف على مضيق باب المندب وخليج عدن والقريب من خطوط الملاحة المؤدية إلى البحر الأحمر وقناة السويس، يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز حدوده الوطنية. وتزداد هذه الأهمية في ظل ارتباط أمن الممرات البحرية باستقرار التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وهو ما يجعل أي تصعيد في الساحة اليمنية قادراً على إحداث تداعيات تتجاوز المنطقة المحيطة بها.
وتبرز خطورة الوضع في إمكانية انتقال المواجهة من نطاقها المحلي إلى مسارات بحرية وإقليمية أوسع، سواء عبر استهداف السفن التجارية أو تهديد المنشآت الحيوية أو تصاعد العمليات العسكرية العابرة للحدود. وفي هذه الحالة، لا تقتصر التداعيات على الاعتبارات العسكرية، بل تمتد إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة الضغوط على أسواق الطاقة. ولذلك، فإن معالجة الأزمة اليمنية ترتبط بصورة متزايدة بقدرة الأطراف الإقليمية على منع تحولها إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في الخليج والبحر الأحمر.
كما أن استمرار الأزمة يطرح تحديات أمام الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، خصوصاً في ظل تعدد الأطراف المحلية وتباين أولوياتها ومواقف القوى الخارجية المؤثرة في مسار الصراع. فالتوصل إلى تهدئة مستدامة يتطلب أكثر من احتواء المواجهات العسكرية المباشرة، إذ يستدعي معالجة القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيق استقرار البلاد، إلى جانب توفير ضمانات تحول دون تجدد التصعيد مع تغير موازين القوى.
عُمان ودورها في قنوات الوساطة الإقليمية
تحتل سلطنة عُمان موقعاً مهماً في الحسابات الدبلوماسية المرتبطة بالملف اليمني، بفضل نهجها القائم على الحوار والحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متباينة المصالح والتوجهات. وقد ساعد هذا النهج مسقط على الاضطلاع بأدوار الوساطة وتسهيل الاتصالات في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، مستفيدة من علاقاتها مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة، فضلاً عن موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب وخليج عُمان ومضيق هرمز.
وتمنح هذه الخصائص الدبلوماسية سلطنة عُمان قدرة على توفير مساحة للتشاور في الأوقات التي تتراجع فيها فرص التفاهم المباشر بين الأطراف المتنافسة. وفي الملف اليمني، تبرز أهمية الوساطة العُمانية في إمكانية تقريب وجهات النظر بشأن ترتيبات وقف التصعيد وفتح قنوات التفاوض، بما يسمح بتقليل المخاطر الأمنية وتهيئة الظروف أمام معالجة سياسية أوسع للأزمة.
ومع ذلك، فإن دور الوسيط يظل مرتبطاً بمدى استعداد الأطراف المعنية للانخراط في الحوار وتقديم تنازلات متبادلة. فامتلاك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية، كما أن نجاح الوساطة يتطلب وجود حد أدنى من التوافق بشأن أهداف المفاوضات والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي تفاهمات. ومن ثم، فإن أهمية الاتصال بين عراقجي والبوسعيدي تكمن في استمرار التشاور بشأن التطورات الإقليمية، دون أن يعني ذلك بحد ذاته إطلاق مسار تفاوضي جديد أو التوصل إلى اتفاق بشأن اليمن.
الحسابات الإيرانية وحدود التحرك الدبلوماسي
بالنسبة إلى إيران، يمثل الملف اليمني أحد الملفات المرتبطة بتوازنات القوة في المنطقة وبعلاقاتها مع دول الخليج والولايات المتحدة. وتكتسب التحركات الدبلوماسية التي تقودها طهران أهمية في ظل حاجتها إلى التواصل مع العواصم الإقليمية بشأن التطورات الأمنية وتداعياتها المحتملة على مصالحها الاستراتيجية. كما يتيح التواصل مع سلطنة عُمان مساحة لتبادل التقديرات بشأن فرص خفض التصعيد، بالنظر إلى العلاقات التي تربط مسقط بمختلف الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الاتصال باعتباره جزءاً من تحرك دبلوماسي أوسع يسعى إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة وتفادي تفاقم التوترات الإقليمية. غير أن تقييم أهداف طهران يقتضي التمييز بين ما أعلنته وزارة الخارجية الإيرانية بشأن بحث التطورات الإقليمية وسبل إحلال السلام، وبين أي استنتاجات تتعلق بوجود تفاهمات غير معلنة أو مبادرات محددة لم يُكشف عنها رسمياً.
وتواجه الجهود الإيرانية في هذا المجال تحدياً يتمثل في ضرورة إقناع الأطراف الإقليمية بأن المسار الدبلوماسي قادر على تحقيق نتائج عملية، لا الاكتفاء بتبادل المواقف والتقديرات. كما أن نجاح أي تحرك يتوقف على مدى استعداد الأطراف المعنية لفصل الخلافات الاستراتيجية الأوسع عن الجهود الرامية إلى معالجة الملف اليمني، وإعطاء الأولوية لتجنب اتساع المواجهة وما قد يترتب عليها من تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية.
أمن الخليج والملاحة البحرية في حسابات التهدئة
تتجاوز أهمية المشاورات الإيرانية العُمانية حدود اليمن، بالنظر إلى ارتباط الأمن الإقليمي بعدد من الممرات البحرية ذات الأهمية الحيوية للاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال، بينما يشكل مضيق باب المندب نقطة عبور استراتيجية للسفن المتجهة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وأي اضطراب في أحد هذين الممرين يمكن أن يؤدي إلى إعادة توجيه حركة السفن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن زيادة الضغوط على أسواق الطاقة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة عندما تتزامن التوترات في اليمن مع المواجهات الأوسع في الخليج. فقد أوردت تقارير حديثة تصاعد المخاطر التي تواجه السفن التجارية في مضيق هرمز، مع انعكاسات مباشرة على أسعار النفط وتقديرات الأسواق بشأن استقرار الإمدادات. ويعني ذلك أن أمن الملاحة بات مرتبطاً بمجموعة من الملفات المتداخلة، وأن احتواء أزمة في إحدى الساحات لا يضمن بالضرورة استقرار بقية المسارات البحرية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الاتصالات الدبلوماسية بين دول المنطقة أهمية تتجاوز تبادل وجهات النظر السياسية، إذ يمكن أن تشكل مدخلاً لتنسيق الجهود الرامية إلى حماية الملاحة ومنع استهداف المنشآت الحيوية وتجنب الإجراءات التي قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة. غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تفاهمات واضحة بشأن قواعد خفض التصعيد وآليات التواصل في حالات الطوارئ، فضلاً عن معالجة الخلافات السياسية التي تغذي انعدام الثقة بين الأطراف.
فرص التسوية وتحديات المرحلة المقبلة
على الرغم من أهمية التحركات الدبلوماسية، لا تزال التسوية في اليمن تواجه عقبات مرتبطة بتعدد الأطراف المحلية والإقليمية وتباين تصوراتها بشأن مستقبل العملية السياسية والترتيبات الأمنية. كما أن أي تفاهم محدود بشأن وقف العمليات العسكرية قد يظل هشاً ما لم يقترن بخطوات تضمن استمراره وتفتح المجال أمام معالجة الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية التي تؤثر في استقرار البلاد.
ويقتضي الانتقال من الاتصالات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة وجود مسارات تفاوضية واضحة، وتحديد القضايا التي يمكن تحقيق تقدم بشأنها في المدى القريب، إلى جانب وضع ضمانات تحول دون استخدام التهدئة لإعادة ترتيب الاستعدادات العسكرية تمهيداً لجولات جديدة من المواجهة. كما يتطلب ذلك مشاركة الأطراف اليمنية المعنية في أي مسار سياسي، بما يمنح التسوية فرصة أكبر للاستمرار ويحد من مخاطر فرض ترتيبات لا تعالج أسباب النزاع.
وفي المقابل، فإن استمرار التوترات الإقليمية قد يحد من فرص إحراز تقدم في الملف اليمني، خصوصاً إذا أصبحت الساحة اليمنية مرتبطة بصورة أكبر بالمواجهات الأوسع بين إيران وخصومها. ولهذا، فإن أحد الاختبارات الأساسية أمام التحركات الدبلوماسية يتمثل في منع انتقال الخلافات الإقليمية إلى داخل مسارات التسوية اليمنية، والحفاظ على مساحة تفاوضية تسمح بالتعامل مع الأزمة وفقاً لخصوصيتها السياسية والأمنية.
يعكس الاتصال الهاتفي بين عباس عراقجي وبدر البوسعيدي استمرار التشاور الإيراني العُماني بشأن تطورات اليمن والتحديات الأمنية المحيطة به، في وقت تتزايد فيه أهمية الدبلوماسية الإقليمية في احتواء المخاطر المرتبطة بالملاحة البحرية وأمن الخليج. كما يندرج التواصل ضمن سلسلة من الاتصالات التي أجرتها طهران مع عدد من العواصم الإقليمية لمناقشة التطورات اليمنية وسبل خفض التصعيد.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه المشاورات لا تقاس بمجرد انعقادها، بل بمدى قدرتها على الانتقال إلى خطوات عملية تسهم في تقليل التوترات وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية مستدامة. وبين تعقيدات الأزمة اليمنية وتداخل المصالح الإقليمية وحساسية الممرات البحرية، تبقى فرص التهدئة مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على توظيف القنوات الدبلوماسية لتقريب المواقف وتجنب توسيع المواجهة. وحتى تتضح نتائج هذه التحركات، يظل الاتصال مؤشراً على استمرار الحوار الإقليمي، لا دليلاً كافياً على تحقق اختراق سياسي في مسار الأزمة.



