أخبار العالمبحوث ودراسات

عالم المرتزقة السّوداء: الجنجويد نموذجا

إعداد: منى بوسيف باحثة في المركز الدّولي للدراسات الإستراتيجية الأمنيّة والعسكريّة

اشراف ومراجعة : بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية


كـما حزب اللهفي لبنان وكـما الحوثيون في اليمن، الجنجويد هم تنظيم مسلحمتمركز في إقليم دارفورغرب السّودان، وهم عبارة عندولة داخل دولة، لها ميزانيتهاالمنفصلة، تعقد الاتفاقيات مع دول أخرى وتقوم بحملات تجنيد للشباب والأطفال خارج نظام المؤسسة العسكرية الرسمية (الجيش).

وتفرض الميليشيات سيطرتها كاملةً على العاصمة السودانية الخرطوم، كما يسعى قائدها ونائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي والحاكم الفعلي للسودان، منذ خلع البشير وحتى الآن، إلى فرض نفسه رئيساً للبلاد بقوة السلاح والمال.

فمن هم “الجنجويد” وما أصل هذه التسمية الغريبة؟

  • أصل التّسمية:

لا يوجد تفسير متفق عليه لكلمة “الجنجويد”، إذ جعلها البعض اسما منحوتا من عبارة “جن على جواد” وجعلها البعض الآخر من ثلاث كلمات تبدأ كلها بحرف الجيم وهي: جن وجواد وجيم ثلاثة (G3) السلاح المعروف.

وأطلق سكان دارفور اسم جنجويد على هذه الميليشيات التي كان مقاتلوها يمتطون الجياد ويحملون أسلحة رشاشة ويغيرون على القرى فيحرقونها وينهبونها ويغتصبون النساء دون هوادة، فكأن الواحد منهم (جني) على ظهر (جويِّد) تصغير (جواد)، وجميعهم جن على ظهور الجياد، ومن هنا أطلق عليهم اسم جنجويد.

ويُرجع آخرون أصل تسمية الجنجويد إلى إحدى الشخصيات المعروفة في درافور وهو حامد جنجويد الذي كان يقود عصابة سرقة ونهب.

  • النشأة والتأسيس
  • من رعي الإبل والماشية إلى الإغارة والقتال:

“الجنجويد” أو قوات الدعم السريع كما تُسمى حاليا، وقوامها أفراد ما يُسمى القبائل العربية في إقليم دارفور، التي تنشط بشكل أساسي في رعي الإبل والماشية، فيما تعيش القبائل الأخرى (الأفريقية) حياة زراعية مستقرة قرب مصادر المياه.

وهي جماعة ظهرت في إقليم دارفور عام 1987 حيث عُقد تحالف موسّع يشمل كل القبائل ذات الأصول العربية في الإقليم، أطلق عليه اسم “التجمع العربي” ويضم 27 قبيلة، ثم توسع التنظيم ليشمل بعض قبائل كردفان ذات الأصول العربية.

يرفض البعض في السودان تمثيل “الجنجويد” لقبائل بعينها، ويقولون أنهم أفراد غير منضبطين، ينحدرون من قبائل عديدة، ولا يلتزمون بقواعد العرف المحلي، ويمارسون النهب المسلح.

وقد أسس الرئيس السّوداني المخلوع عمر البشير هذه الميليشيات بإشراف مباشر من نائبه الأول حينها علي عثمان طه، على خلفية ظهور حركات مسلحة متمردة على الدولة المركزية بالخرطوم بين عامي 2002 و2003، تطالب بإعادة هيكلة الدول السودانية وبالعدالة في توزيع الثروة والسلطة بين أقاليم السودان المختلفة.

  • تداعيات الصّراع في إقليم دارفور:

تتميز دارفور السودانية، بأنها خزّان بشري هائل متنوع الإثنيات والعرقيات والطوائف، ناهيك عن غناها بالثروات النّفطية (فيها احتياطي نفط يبلغ 7 مليارات برميل، إضافةً إلى المعادن الثمينة كالذهب واليورانيوم).وكلمة دارفور تعني حرفياً: دار قبائل الفور، وهي القبائل التي أسست في القرن الرابع عشر ما سمي بـ “سلطنة الفور”، والفور ليسوا عرباً بل أفارقة، ولكنهم مسلمون حقيقيون، حتى أن آخر سلاطينها “علي دينار”كان يُسَيّر، سنوياً، إلى السعودية قافلةً تحمل كسوة الكعبة، علاوة على مؤن لإكرام الحجيج.

وبعد زهاء 11 عاماً على انقلاب البشير/ الترابي الذي أطاح بالحكومة الديمقراطية التي كان يرأسها الصادق المهدي، انقلب الأول على عرّابه في ما عرف بمفاصلة الإسلاميين 1999، وأقصاه عن السلطة، ما أحدث شرخاً حاداً في ما يُسمى الحركة الإسلامية السودانية، التي انقسمت إلى حزبي المؤتمر الوطني” بقيادة البشير، و”المؤتمر الشعبي” بقيادة الترابي.

وبدأت لعبة كسر العظام بينهما، وقد دعم معظم أبناء دارفور المنتسبين إلى الحركة الإسلامية جناح الترابي.

ووضعهم ذلك في مواجهة الأجهزة الأمنية الموالية للبشير، فنكلت بهم كثيراً، فقرروا مقاومتها، وأسسوا حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم أحد أهم الكوادر القتالية في الحركة الإسلامية وأمير ما كان يعرف بالمجاهدين، إبان الحرب التي شنها البشير والترابي على جنوب السودان تحت عنوان “الجهاد”.

  • “موسى هلال” من سجين في حكومة البشير إلى قيادي وزعيم ميليشيات

مع تسارع وتيرة الأحداث في أفريل 2003 المتمثلة في شنّ الحركات المسلحة المتمرّدة الحربَ على الحكومة، عبر عملية عسكرية نوعية استهدفت مطار مدينة الفاشر عاصمة إقليم شمال دارفور وأسفرت عن تدمير أربع طائرات بالمطار، وأسفرت عنمقتل 32 شخصا من القوات الحكومية.

اندلعت حرب أهلية  في إقليم دارفور غربي السودان،ظهر فيها مقاتلون بجانب القوات الحكومية السودانية في حربها ضد الحركات المسلحة المتمردة.

وتزامن ذلك معإطلاق حكومة البشير سراح أحد السجناء من أبناء دارفور، “موسى هلال”، الذي كان معتقلاً لديها بتهمة قطع الطرق وقتل جنود نظاميين في شمال دارفور. كانت تلك هي اللحظة الأولى لتشكيل ميليشيات “الجنجويد”، والتي تأسست لمساندة القوات المسلحة السودانية في دحر التمرد وهزيمته حسب ما تدّعيه الحكومة.

ونُسب تأسيس مليشيات “الجنجويد” إلى موسى هلال، زعيم عشيرة “المحاميد”، إحدى أذرع قبيلة “الرزيقات” العربية.

وقاتل هلال بجانب الحكومة، هو ونجل عمه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عضو مجلس السيادة الانتقالي حاليًا، كما شغل هلال مناصب حكومية وعضوية البرلمان.

  • مطالبة قادة الجنجويد بالمثول أمام المحكمة الجنائية الدّولية:

صرّحتمنظمة “هيومان رايتسووتش” عام 2015 في تقرير لها، أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات مروعة وواسعة في دارفور وشردت السكان بالقوة ودمرت الآبار ونهبت المواشي وعذبت السكان وقامت بعمليات قتل خارج القانون واغتصابات جماعية.

وقد أدت انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الجنجويد في دارفور إلى اتهام من المحكمة الجنائية الدولية ضد البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية. طالب على إثرها مجلس الأمن الدولي،الحكومة السودانية بنزع سلاح “الجنجويد”، ومحاكمة قادتهم، وبرز آنذاك اسم هلال، بوصفه زعيم هذه المليشيا، مقابل نفيه المتكرر.

أدى ذلك إلى فرض حظر سفر دولي على هلال وتجميد ممتلكاته، بعد أن اتهمه مجلس الأمن، في 2006، بعرقلة عملية السلام بدارفور.

بعدها، وضعته الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة المشتبه بارتكابهم جرائم حرب في دارفور، لكن المحكمة الجنائية الدولية، التي يعتبرها الكثير “مُسيّسة” لم توجه إليه اتهامًا.

تطورت “الجنجويد” إلى قوات “حرس حدود”، وتم ضمّها إلى قوات “الدّعم السريع”.

رفض هلال الاستجابة لحملة جمع السلاح، وإلحاق قواته بقوات “الدعم السريع”، بقيادة حميدتي، واندلع القتال بينهما، في نوفمبر2017.

بعد معركة قصيرة بمنطقة مستريحة في دارفور، ألقت قوات “الدعم السريع” القبض على هلال، ولا يزال يقبع في السجن حيث يُحاكم عسكريًا.

  • “الجنجويد” من المخابرات إلى الجيش:

أجاز البرلمان السوداني، في جانفي 2017، قانونًا بشأن هذه القوات المثيرة للجدل يجعلها تابعة للجيش، بعد أن كانت تتبع جهاز الأمن والمخابرات. و مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية، في 19 ديسمبر 2018، انتشرت قوات “الدعم السريع” في ولايات عديدة.وطاف جنودها، على متن سيارات الدفاع الرباعي، في شوارع المدن، لاسيما العاصمة الخرطوم، حاملين أسلحة خفيفة وثقيلة، بينها رشاشات ومضادات للطائرات.وظهرت مدرعات في احتفالات تخريج دفعة من “الدعم السريع”، مؤخرًا، ما يفيد بتعاظم قوتها في السودان.

  • ظاهرة التجنيد الإلكتروني التي تعتمدها التنظيمات الإرهابية المسلّحة:

غدت مواقع التواصل الإجتماعي اليوم ملاذا آمنا للجماعات المتطرفة الإرهابية، يبثون فيها ثقافة التطرف والإرهاب فأصبحت وسيلة يعتمدونها لتجنيد الشّباب وفرصة لتمويل أنشطتهم الإرهابية وتخطيطها وتنفيذها.

ومنها ميليشيات الجنجويد التي أعلنتعبر صفحتها في “فيسبوك”، عن رغبتها بتجنيد أفراد بوحدة المدرعات التابعة لها.

  • تحرّكات الجنجويد في المثلّث الحدودي :

منيقف وراء هؤلاء؟

ومن يدعمهم عسكريا ولوجستيا؟

أما عن التمويل، فتسيطر هذه القوات على “جبل عامر” (غرب)، أحد أهم مناجم السودان لإنتاج الذهب، وهو ما يفسر تصريح حميدتي بدعمه الاقتصاد المتداعي، في آخر أيام البشير، بملايين الدولارات.وعقب عزل البشير، أعلن حميدتي إنشاء حساب احتياطي في بنك السودان، وإيداع 255 مليون دولار و150 مليون درهم.وقال إن قوات “الدعم السريع” حصلت على هذه الأموال من رواتب عناصرها ومن شراء الذهب.

  • مصادر الدعم والتمويلذاتها : الإمارات والسعودية وإسرائيل؟!

 إن دول الخليج العربي التي تخوض الحرب في اليمن تدرك أن الحكومة التي يقودها المدنيون في الخرطوم ستنسحب على الأرجح من التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات. لذلك، تمتلك كل من السعودية والإمارات حصصاً كبيرة في الحكومة السودانية “المؤقتة” التي يقودها المجلس العسكري الانتقالي والذي يمسك بمقاليد السلطة. 

وستحصل أي حكومة في الخرطوم تُعلن تحالفها مع السعودية والإمارات العربية المتحدة على الدعم من هاتين الدولتين في مجلس التعاون الخليجي بغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها ضد مواطنيها. وبالنظر إلى أن القيادة في الحكومة الفعلية في السودان قد وعدت بمواصلة قتال الحوثيين، ستواصل السعودية والإمارات بدورهما تعزيز شرعية المجلس العسكري الانتقالي.

ويظهر هذا الدّعم جليا في التقاء ملوك الإمارات والسعودية، (بأمرٍ أميركي) قائد “الجنجويد” اللواء محمد حمدان “حميدتي”، مناقشين معه مرحلة ما بعد “البشير”، مؤكدين  له أنه من الرجال الذين يبحثون عنهم لوضع ثقتهم فيه، هم ذاتهم من استقبل قادة الفصائل الإرهابية المقاتلة في سوريا، وناقشوا معهم مرحل مابعد الأسد (بمعنى أنتم رجالنا بعد سقوط الأسد).

وذاتها الدول (من ضمنها اسرائيل) التي تعمل على تسهيل وصول السلاح الى “الجنجويد” في السودان(عبر تشاد)، وتُسهل وصوله الى المجموعات الإرهابية في سوريا (عبر تركيا العراق والأردن).

ومثلما يوجد في صفوف “الجنجويد” مقاتلون أجانب من “النيجر” و”تشاد” و”مالي”، كذلك يوجد في صفوف  الفصائل الإرهابية، في سوريا، على مختلف مسمياتها، مقاتلون من آسيا الوسطى، وأفريقيا وأوروبا.

  • الجنجويد” حامي “إسرائيل” من الفُرات الى النيل
  • الدّور الاسرائيلي القذر

وظفَّت “إسرائيل”، المنظمات الدولية التي تعمل تحت شعار الأعمال الإنسانية والخيريّة، و مجموعات حقوق الإنسان، وكل مراكز البحوث والدراسات والجمعيات التابعة لها، لتلميع صورة “الجنجويد”

مما لا شك فيه أن “الجنجويد” جاء بهم نظام عمر البشير، لضمان بقائه في السلطة، وللقضاء على الحركات الثورية في السودان،إلاّ أن الدول الإستعمارية كذلك تسعى من خلال دعم وزج كل أشكال “الجنجويد” في العالم العربي، الى زعزة استقرار المنطقة، لما في ذلك من خدمة عظيمة للكيان الصهيوني.

يعمل أصحاب شعار “حدودك يا إسرائيل من الفُرات الى النيل” على إطالة عمر الحرب في السودان(الحد النيلي)، كما في سوريا (الحد الفراتي)، بذات الأساليب، الطرق والوسائل.

  • جرائم “الجنجويد” من دارفور إلى الخرطوم

و للتذكير فإن قوات الدّعم السّريع (الجنجويد)، هي التي فضت الاعتصامات وقمعت الحراك الشعبي في شوارع العاصمة والمدن المختلفة، وهي التي ارتكبت طيفاً واسعاً من الانتهاكات المروعة، بما في ذلك تهجير مجتمعات بالكامل قسرياً، وتدمير الآبار ومخازن الغذاء وغيرها من البنية التحتية اللازمة لاستمرار الحياة في بيئة صحراوية قاسية، ونهب الثروة الجماعية للعائلات، مثل الماشية.

كان التعذيب والقتل خارج نطاق القضاء والاغتصاب الجماعي من بين أبشع الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين. وتعرض الكثير من المدنيين إلى القتل على يد قوات الدعم السريع عندما رفضوا مغادرة منازلهم أو تسليم مواشيهم، أو عندما حاولوا منع مقاتلي قوات الدعم السريع من اغتصابهم أو اغتصاب أفراد أسرهم.

إن سكوت الحكومة والجيش على فظاعات الجنجويد في دارفور وغيرها ، هي التي جرأت حميدتي على أن يتبوأ منصب نائب رئيس المجلس العسكري، ويمني النفس بالوصول الى السلطة، بل ويقتل ويعذب اهالي العاصمة الخرطوم، دون أن يرتد له طرف.

فهل سيسمح الشعب السوداني بأن يحكمه لص حمير، بدعم من السّعودية والامارات وإسرائيل، أم أنه سيواصل حراكه حتى ينظف السودان من أمثال حميدتي، وكل رجال البشير المتغلغلين في الدّولة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق