زيارة الرئيس الصيني إلى واشنطن في ظل متغيرات دولية جديدة

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 23–09-2026
لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن مجرد محطة جديدة في العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والصين، ولا مجرد لقاء للبحث في الرسوم الجمركية والتجارة. فالزيارة تأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب مع إيران، وأمن الطاقة والممرات البحرية، والحرب في أوكرانيا، والتنافس على أفريقيا، إلى جانب التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويصل شي إلى الولايات المتحدة في زيارة تستمر من 23 إلى 25 سبتمبر، فيما ينتظر أن يكون اللقاء مع الرئيس دونالد ترامب في 24 سبتمبر محطة رئيسية في إدارة العلاقة بين القوتين. وتظهر في جدول المحادثات ملفات التجارة وتايوان وإيران والذكاء الاصطناعي، إلى جانب محاولة الحفاظ على قدر من الاستقرار في العلاقة الثنائية.
لكن أهمية الزيارة، في تقديري، لا تكمن فقط في جدول أعمالها المعلن، وإنما في الظرف الدولي الذي تأتي فيه، وفي تعدد الملفات التي تستطيع بكين أن تربط بينها في قراءة واحدة.
واشنطن أمام ملفات متزامنة
تدخل الولايات المتحدة هذه المحادثات وهي تتعامل مع ملفات دولية متزامنة، وفي مقدمتها الحرب مع إيران وتداعياتها على المنطقة وأسواق الطاقة والملاحة.
وهنا تظهر إحدى المساحات التي يمكن للصين أن تتحرك فيها دبلوماسياً.
فبكين ليست طرفاً عسكرياً مباشراً في الحرب، لكنها تحتفظ بعلاقات مع إيران، وفي الوقت نفسه تربطها علاقات اقتصادية وسياسية متنامية بدول الخليج. وقد أجرت الصين اتصالات مع أطراف مختلفة في المنطقة، ودعت إلى ضبط التصعيد والعودة إلى الحوار، بينما ناقش وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، في سبتمبر، تطورات الشرق الأوسط وضرورة استمرار الاتصالات بين واشنطن وبكين.
وهذا لا يعني أن الصين تمتلك القدرة على حل الأزمة الإيرانية، ولا أن الأطراف الأخرى تنتظر منها ذلك، لكنه يمنحها هامشاً مختلفاً للحركة.
فالصين تستطيع أن تتحدث مع أطراف لا تتحدث معها واشنطن بالطريقة نفسها، وتستطيع أن تستخدم علاقاتها الاقتصادية كجزء من أدواتها الدبلوماسية. وقد ظهر ذلك بوضوح في تعاملها مع الأزمة الخليجية ــ الإيرانية، حيث حافظت بكين على علاقاتها مع الجانبين بدلاً من الانحياز الكامل إلى أحدهما. وتشير تحليلات حديثة إلى أن دولاً خليجية تنظر إلى الصين باعتبارها طرفاً يمكنه استخدام علاقاته الاقتصادية مع إيران للمساعدة في فتح الممرات البحرية والحد من تداعيات الحرب، وإن كانت قدرة بكين على ممارسة نفوذ حاسم على طهران لا تزال موضع نقاش.
الصين تستفيد من الأزمة… لكنها تحتاج إلى الاستقرار
هنا تظهر مفارقة مهمة في السياسة الصينية.
قد تمنح الأزمات بكين مساحة إضافية للحركة الدبلوماسية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول هذه الأزمات إلى حالة دائمة.
فالصين تحتاج إلى الطاقة، والتجارة، والملاحة، وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية. وكلما اتسعت رقعة عدم الاستقرار، ارتفعت المخاطر التي تواجه التجارة الصينية، من ارتفاع تكلفة النقل والطاقة إلى اضطراب الممرات البحرية.
ولهذا فإن المصلحة الصينية لا تبدو في استمرار الأزمة بقدر ما تكمن في استخدام القدرة على التواصل مع أطرافها لتحقيق مساحة سياسية واقتصادية أوسع، ثم الدفع باتجاه مستوى من الاستقرار يسمح باستمرار المصالح التجارية.
وهذه النقطة مهمة لفهم أسلوب الصين في إدارة علاقاتها الدولية: فالقوة لا تتحرك دائماً عبر المواجهة، وإنما يمكن أن تتحرك أيضاً عبر التجارة والاستثمار والطاقة والدبلوماسية.
شبكة علاقات وليست ملفات منفصلة
من الخطأ، في رأيي، النظر إلى علاقة الصين بإيران أو السعودية أو مصر أو روسيا أو الدول الأفريقية باعتبارها ملفات منفصلة.
الأدق هو النظر إليها كجزء من شبكة واحدة من المصالح.
الصين ترتبط بالخليج بالطاقة والتجارة والاستثمار، وبإيران بالطاقة والتجارة والعلاقات السياسية، وبأفريقيا بالاستثمارات والبنية التحتية والأسواق والموارد، وبروسيا بالطاقة والتجارة والعلاقات الاستراتيجية.
ومن هنا تكتسب الزيارة إلى واشنطن معنى أوسع. فشي لا يصل إلى العاصمة الأمريكية حاملاً ملف التجارة وحده، وإنما يصل وهو يدرك أن علاقة الصين بالولايات المتحدة تتقاطع مع شبكة واسعة من العلاقات الدولية.
وهذه الشبكة تمنح بكين أدوات متعددة للحركة، حتى إذا لم تكن هذه الأدوات متساوية في القوة أو التأثير.
أفريقيا تدخل في حسابات المنافسة
أفريقيا أيضاً أصبحت جزءاً مهماً من المنافسة الدولية، خصوصاً في ظل ارتفاع أهمية المعادن الحيوية التي تدخل في الصناعات المتقدمة والطاقة والتكنولوجيا.
وتتنافس القوى الكبرى على الوصول إلى الموارد والأسواق والبنية التحتية والموانئ والممرات التجارية، فيما تحاول دول أفريقية بدورها الحصول على قيمة اقتصادية أكبر من مواردها وعدم الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
وهنا يمكن فهم الحضور الصيني في القارة باعتباره جزءاً من استراتيجية اقتصادية طويلة المدى، وليس مجرد توسع تجاري.
كما أن هذه العلاقات يمكن أن تصبح أكثر أهمية مع تصاعد المنافسة على سلاسل إمداد المعادن الحيوية والتكنولوجيا المتقدمة، وهي منافسة أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي والتكنولوجي للدول الكبرى.
التجارة أكبر من الرسوم الجمركية
قد تبدو التجارة العنوان الأكثر وضوحاً في العلاقة بين واشنطن وبكين، لكن جوهر الخلاف أصبح أكبر بكثير من الرسوم الجمركية.
المسألة تتعلق بسلاسل الإمداد، والمعادن النادرة، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا المتقدمة، والأسواق، وقدرة كل طرف على تقليل اعتماده على الطرف الآخر.
وتأتي القمة الحالية في ظل هدنة تجارية من المقرر أن تنتهي في نوفمبر، ولذلك تراقب الأسواق ما إذا كان ترامب وشي سيتمكنان من تمديدها أو البناء عليها. وفي الوقت نفسه، لا تزال قضية المعادن النادرة إحدى الأوراق المهمة في العلاقة التجارية، نظراً إلى اعتماد صناعات أمريكية حيوية على الإمدادات الصينية.
وهذا يعني أن المفاوضات التجارية لا تتعلق فقط بمن يفرض رسوماً أقل على الآخر، وإنما بمن يمتلك قدرة أكبر على التأثير في سلاسل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي… المنافسة التي تتجاوز الاقتصاد
الذكاء الاصطناعي يمثل وجهاً آخر للمنافسة.
فالولايات المتحدة والصين لا تتنافسان فقط على الأسواق، وإنما على الرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والقدرة الحوسبية، والنماذج الذكية، والبيانات، والاستخدامات العسكرية والأمنية.
وفي الوقت نفسه، ظهرت خلال الفترة الأخيرة أفكار لإقامة حوار أمريكي ــ صيني حول الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك آليات للتعامل مع المخاطر المرتبطة بالاستخدامات ذات الطابع الأمني. لكن طبيعة المنافسة التكنولوجية تجعل من الصعب توقع اتفاق واسع في هذا المجال خلال لقاء واحد.
وهنا تصبح التكنولوجيا جزءاً من تعريف القوة نفسها.
فالقوة في النظام الدولي لم تعد تقاس فقط بعدد السفن والطائرات، وإنما أيضاً بمن يمتلك التكنولوجيا، ومن يسيطر على الرقائق، ومن يستطيع إنتاج النماذج المتقدمة، ومن يملك سلاسل الإمداد التي تقوم عليها الصناعات المستقبلية.
روسيا وأوكرانيا في الخلفية
ويبقى الملف الروسي ــ الأوكراني حاضراً في الحسابات الصينية، حتى إذا لم يكن محوراً رئيسياً في اللقاء.
فالصين ليست طرفاً مباشراً في الحرب، لكنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على قنواتها مع مختلف الأطراف الدولية.
ومن منظور أوسع، فإن الحرب في أوكرانيا ترتبط بالطاقة والأسواق والتحالفات الأوروبية والعلاقات الروسية ــ الصينية، وبالتالي فإنها تؤثر بصورة غير مباشرة في البيئة التي تتحرك فيها بكين وواشنطن.
وهنا أيضاً تظهر ميزة السياسة الصينية القائمة على الاحتفاظ بعلاقات مع أطراف متباعدة، بدلاً من حصر الحركة في محور واحد.
هل تمنح السياسات الأمريكية المتغيرة الصين مساحة إضافية؟
وهنا أصل إلى إحدى النقاط الأساسية في هذه القراءة.
لا تحتاج الصين بالضرورة إلى أن تحل محل الولايات المتحدة في كل منطقة أو في كل ملف حتى توسع حضورها الدولي.
يكفي، في بعض الحالات، أن تصبح طرفاً يصعب تجاوزه.
الصين تبني حضورها من خلال التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والعلاقات السياسية، وتحاول أن تجعل مصالحها متشابكة مع مصالح عدد متزايد من الدول.
وفي المقابل، فإن تغير أدوات الضغط والتفاوض الأمريكية، وخصوصاً في السياسة التجارية، يمكن أن يخلق حالة من عدم اليقين لدى بعض الشركاء والأسواق. وقد أصبحت الرسوم الجمركية والتغييرات المتكررة في السياسة التجارية جزءاً من النقاش حول كلفة عدم اليقين على الشركات والاقتصاد العالمي.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها أو أن الصين حسمت المنافسة، فهذه قراءة مبكرة لا يمكن إثباتها من زيارة واحدة.
لكن من الممكن القول إن طريقة إدارة المنافسة نفسها قد تصنع مكاسب لطرف وتكاليف للطرف الآخر.
فإذا تمكنت الصين من المحافظة على شبكة واسعة من العلاقات، وفي الوقت نفسه تطوير قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، فإنها توسع هامش حركتها.
وإذا أدت أدوات الضغط المتغيرة إلى زيادة حالة عدم اليقين لدى بعض الشركاء والأسواق، فقد تجد واشنطن نفسها أمام كلفة إضافية في إدارة المنافسة.
ومن هنا، فإن القضية ليست في القول إن الصين “تنتصر” وإن أمريكا “تخسر”، وإنما في السؤال الأكثر واقعية: هل تؤدي طريقة إدارة المنافسة إلى تعزيز قدرة طرف على بناء شبكة مصالح أوسع، بينما تزيد في الوقت نفسه كلفة خيارات الطرف الآخر؟
زيارة لا تنهي الملفات
من الصعب توقع أن تنهي زيارة واحدة هذه الملفات المتشابكة.
الأرجح أن قيمة اللقاء تكمن في فتح مسار مستمر لإدارة المنافسة، ومحاولة منع الخلافات التجارية والتكنولوجية والسياسية من التحول إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
فالجانبان لديهما مصلحة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، حتى عندما تستمر المنافسة بينهما.
ومن هنا، فإن نجاح الزيارة لا يقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات أو اتفاقات، وإنما بما إذا كانت ستؤسس لمرحلة أكثر انتظاماً من الحوار، تسمح بتسوية بعض الملفات، وإدارة الملفات الأخرى، ومنع سوء التقدير من دفع العلاقة إلى مستويات أكثر خطورة.
الخلاصة
يصل شي جين بينغ إلى واشنطن، إذن، وليس أمامه ملف واحد.
إنه يصل ومعه شبكة من الأوراق: إيران والخليج، الطاقة والممرات البحرية، روسيا وأوكرانيا، أفريقيا، التجارة، المعادن الحيوية، التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تدخل الولايات المتحدة الحوار وهي مطالبة بإدارة هذه الملفات المتداخلة مع الحفاظ على قدرتها على المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.
وهنا تكمن أهمية الزيارة الحقيقية.
فالمنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد منافسة على التجارة وحدها، وإنما أصبحت منافسة على القدرة على بناء شبكة مصالح دولية تجعل كل طرف أكثر قدرة على التأثير في الملفات الأخرى.
وربما يكون هذا هو التحول الأهم في المرحلة المقبلة: الصين لا تحتاج بالضرورة إلى أن تحل محل الولايات المتحدة في كل مكان، كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل الصين في معظم الملفات الكبرى.
وبين هذين الطرفين، يبدو أن العالم يتجه تدريجياً إلى مرحلة يصبح فيها إدارة التنافس، وليس إنهاؤه، هي الاختبار الحقيقي للقوتين..



