رعاية المركز الإستراتيجي للصراع في المنطقة المستهدفة

اعداد الاستاذة بقلم خلود نور الدين غنية: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-03-2026
أثبتت المشهدية الميدانية منذ الحرب العدوانية على قطاع غزة ضعف الدبلوماسية بل وفشلها التام على مستوى رعاية المركز الإستراتيجي للصراع في المنطقة المستهدفة في ظل غياب جدية اتخاذ القرارات والتفاوض الدبلوماسي مرجعا إلزاميا لفض الصراع وحفظ استقرار المنطقة وفق تطور خطابات عدوانية من نوع مستحدث في الإستثمار الخطابي لاستهلاك حقوق الشهداء على أراضيهم كضرورة مشروعة لما تبنته مقتضيات الشرعية الدولية وهو الخطاب المسرحي لسياسة تدمير الإنسانية والتوسع في الإحتلال الوجودي لحق الشعوب في تقرير مصيرها دون سواها، إذ تحول هذا النوع من الخطاب على أساس أنه الحل الأنسب لفض النزاع وفق المستجدات الحينية إلى صراع عميق الأبعاد و خطير الآثار على المنطقة وبالذات على المدنيين ومحور العلاقات الدولية بشكل عام الذي تجلى فيه مستقبل السلام على هذا النحو خطرا فادحا على الإنسانية بدل ان يكون سلاما لحقوق الشعوب وأمنه الداخلي. مذ برزت الوصاية على قطاع غزة بعد استهلاك أرواح المدنيين بما لا يقل عن معدل حروب يمكن أن يمتد زمانها لعشرات السنين في تغافل تام عن الأثر الأممي للقانون الدولي ومؤسساته الراعية لحفظ السلم والأمن الدوليين والتعثر المطلق عن قيام المسؤولية الدولية الجزائية وأثرها المباشر في تحقيق جودة معايير القانون الدولي لحفظ الإنسان ومؤسسات الدولة زمن الحرب والصراعات، وإن عجزت المؤسسات الدولية عن التدخل الآمن لحفظ السلم ضمن منطقة الصراع كان يمكن للتدخل الجنائي حسن الأثر على مستوى ردع جرائم الإحتلال و الوقائع ضد الإنسانية ما من شأنه حفظ السلم والأمن الدوليين والتصدي لخطر الحرب النووية التي بدأت تأتي بمخاطرها على الأمن الأممي بل الكوني نتيجة خرق هيبة القانون الدولي والصمت المنبوذ والمكروه عن تجاوزات المؤسسات العدوانية لمستقبل السلام الخطير في سياق انتهاك السيادات القومية، الإقتصادية وخاصة الطاقية للدول في هيمنة مطلقة على النظام الدولي والمؤسسات السلمية التي سعت الشعوب إلى الإحتماء بها لفرض الحقوق والحريات الشعبية ضمن الحق الجوهري في تقرير المصير الذي بات محور انتهاكات القانون الدولي الإنساني بل محور انتهاك الأمم المتحدة ومبادئها، ذلك لو سعت الحكومات إلى حسن تنفيذ التدخل الجنائي في هذه المرحلة المعقدة إلا أن خلفيات التدخل الدبلوماسي و ربما المفاوضات السياسية كانت أجدر بالتعبير عن مرحلة ما بعد استشهاد آلاف الضحايا وفق استخدام أسلحة للدمار الشامل لتدمير البنية التحتية، المؤسساتية، الحياتية في منهجية عدوانية خطيرة و خطيرة للغاية امتدت تداعياتها لخطر العدوان على المنطقة بأكملها في امتداد غير محمود لتداعيات هذه الهيمنة العدوانية على الحق الإنساني في السلم في سياق استهلاكه أداة فعالة بل وحتمية لتحقيق أهداف التدمير والترهيب القومي، وحال الصراع في المنطقة لا يستدعي اجتهادات توصيفية أو تكييفية لواقع المنطقة فالمشهدية الميدانية وحدها أصيلة الموضوع و الحقائق الإجرامية المنظمة في حق المدنيين وسيادة الدول بناءا على منهجية عدوانية متشعبة ليست بالتلقائية أو اعتباطية إنما ممنهجة لضرب السلم والأمن الدوليين مع مراعاة مركزية القوى الإدارية السياسية للمؤسسات القانونية الدولية ضمن توظيف الدبلوماسية بديلا للقواعد الأممية الآمرة و الملزمة بحفظ السلام، كحال كواليس اتفاق مجلس السلام الذي يشكل وصاية أمريكية دولية في صيغة احتلال من نوع السلام بالقوة أو السلام المشروط رغم استمرار سياسة القصف والتدمير والعدوان والقتل والوقائع اللإنسانية تحت منبر مجلس السلام الذي يتمحور حول وقف إطلاق النار كأخطر تفاوض دبلوماسي على حق الشعب الفلسطيني، ولما تجلى المشهد الدبلوماسي الفاخر على أساس أن الدبلوماسية هي الحل الأنسب لفض النزاع رسمت الوقائع والمستجدات الميدانية للعالم بعدا آخر من الفراغ في مستقبل المنطقة على أساس التفاوض الدبلوماسي في سياق منهج الإحتلال وتوسع دائرة التجريم الإستيطاني العدواني وامتلاك الحق الغير مشروع واللامشروط بدعم الدبلوماسية الغير ذكية في التعامل مع الأطراف بل وإدارة هذه التغييرات المستهدفة لافتكاك الشرعية بالقوة لا بالشرعية القانونية فبرز للعالم صراعا إسرائيليا فلسطينيا توارثته أجيال الحكومات و الشعوب و الحال أن المخطط الإستيطاني أوسع بل أعمق من ذلك بكثير تبنته الأطراف العدوانية بشكل صريح كحق مشروع يستوجب الدفاع و التوغل بناءا على أهداف لتدمير العلاقات الدولية وتفكيك وحدة مدنية الدول في بعد متجدد لتاريخ القرن الواحد والعشرين فيه عودة لانقسام الدول والتوسع الممكن لفرض وجودية يبرر استهداف الرضع فيها دفاعا عن معاداتها في سياق التعويل على الدبلوماسية الهشة و الهجينة من التنديد بالعدوان إلى التطبيع مع أطراف و أشخاص العدوان.
والصورة على الميدان هنا أوضح بكثير للمخطط الاستعماري من استشراف منهجي واضح للأحداث بل ولسبق الإضمار في تحقيق جرائم وانتهاكات القانون الدولي الإنساني وزعزعة المنطقة في غياب قرارات إلزامية فورية لحفظ السلم وتفادي التصعيد الذي خلف توترا حادا بين العلاقات الدولية كالمشهد الإيراني الخليجي وفق خطة إستراتيجية ذكية من الإدارة العدائية، العدوانية في قناعة ربما تكون تامة لتوجيه الدفاع الإيراني نحو استهداف منطقة الخليج بحكم تمركز القواعد الأمريكية وربما التعويل على الآثار كان غير مدروس بالنسبة للإدارة العدوانية الأخيرة و لكن التدبير الإستراتيجي لخلق نزاع في العلاقة الإيرانية الخليجية لا يمكن إلا أن يكون ممنهجا ومستهدفا للسلام في المنطقة، وكذا بالنسبة لإستراتيجية تدويل مسألة مضيق هرمز ما من شأنه تطور التوتر وامتداد النزاع في خطر فادح على الشعوب والمؤسسات وحتى البيئة والمناخ السلمي الإستراتيجي، والحال في لبنان وما تشهده الدولة من أزمة إنسانية معقدة بسبب العدوان الإسرائيلي رغم أن الأرض لم تتعافى من آثار الدمار والقصف والصورة لم تتعافى من مشاهد الأشلاء وصراع الطفولة مع البقاء، ورغم أن العالم لم يتعافى من أنين الجرحى واستغاثة الأصوات بلا رجعة مع الرصاص المعدم للحياة في قطاع غزة، بدأنا نلحظ بداية نفس المشهدية الميدانية في لبنان في غياب مطلق لتحريك آليات القانون الدولي بشكل حقيقي و ضرورة استعجالية ملحة.
ولأن الدبلوماسية لا ترعى مصالح الشعوب بل تراعي مصالح القوى فالقانون لا يراعى مصالح القوى بل يرعى حقوق الشعوب وسلمهم الدائم وهو تماما الإشكال الحقيقي وأزمة هذا التاريخ من الزمن الذي تراجعت فيه الشعوب عن تحررها بل و تراجعت فيه الحكومات عن تحريرها، هذا التاريخ من الزمن الذي تبخرت فيه أجساد الضحايا بموجب أسلحة خارقة لكل معايير الردع و تجريم أسلحة الدمار في فراغ تام عن منطق القانون واللجوء إلى القواعد القانونية الملزمة لمراعاة سلم الشعوب وأمنهم ما يجعل تعزيز الثقة بالقانون الدولي الإنساني شبه حلم وإن كان المجتمع الدولي في حاجة لهذه الثقة لنزع العدوان بقوة القانون لا بقوة السلاح والمشهدية لحالها كافية لتوصيف حال المستجدات في المنطقة وربما في العالم كله من تطور الجريمة واستهلاك فكرة قوة القانون بل وهيبته كأزمة تعبر عن خطر حقيقي داهم يصعب معه العودة إلى السلم و الأمن و بالتالي الحاجة الملحة للعودة إلى ملاذ القانون الدولي وتفعيل المؤسسات الدولية لردع ما يمكن امتداده من خطر العدوان المسلط على الدول وشعوبه ومن ذلك زجر التدخل في شؤون الدول.
نحن هنا لا نتحدث عن المركز الاستراتيجي للصراع في المنطقة كتحديد الأهداف العسكرية وما إلى ذلك من تكتيكات التوغل والعدوان وإنما نتحدث عن رعاية هذا المركز وبالذات نطاق محيطه الواسع كل ما وجد الفرد والمجموعة، فوفق آثار الحرب العدوانية على قطاع غزة يجدر القول أنه نسبة للخسائر البشرية أصبح الإنسان في هذا العدوان محورا بل هدفا استراتيجيا مستهدفا بديلا عن الإلتزام بقواعد التمييز والتناسب وحتى الضرورة العسكرية وبالتالي يمكن القول أن المركز الإستراتيجي للصراع بشكل عام أصبح متعدد الأبعاد ليكون الشخص المدني محور الإستهداف بامتياز وهنا تستوجب ضرورة حماية المدنيين اللجوء لقوة المؤسسات القانون الدولي ضمانا لما يمكن إنقاذه لاستمرارية على الأقل الشبه السلم والأمن الدوليين.
وكذا التوصيف الدولي للفرد كمكسبا هاما لتطوير أشخاص القانون الدولي الذي ألحقته ذات المشهدية الميدانية والمستجدات الدولية بفراغ جودة النفوذ المؤسساتي الدولي ما يستوجب ثورة حقيقة على هذا التوصيف ليكون لرعاية هذا المركز بعدا إنسانيا مستحدثا من مستجدات العدوان على الإنسانية يتمثل في دور الشعوب في تفعيل السلام، وإن كان الفرد شخصا من أشخاص القانون الدولي فالمجموعة اليوم أصبحت أكثر مطلبا وضرورة لإنقاذ المنظومة الكونية من خطر امتداد الهيمنة الاقتصادية، السياسية العالمية وعودة النظام الدولي للطرف الواحد وهنا يكمن عيب القطبية، فماذا لو أصبح للشعوب بعدا متجددا ضمن مؤسسات القانون الدولي ومركزا في دعم السلام وصاحبة القوى السياسية بديلا عن الدبلوماسية الهشة ولأن الشعوب هي أصحاب السلام والمحبة للسلم فهذا التاريخ من الزمن في حاجة لتدخلها وفق معايير قانونية مدنية مؤسساتية تفرض تغيير نمط هذه الهيمنة القطبية والصراع الإستعماري.
تشهد المرحلة التاريخية الحالية من سياسة الترهيب والعنف الدولي وأهداف إستراتيجية إدارة احتلال الأراضي والدول لتحقيق فكرة الوجودية الإستعمارية من فلسطين إلى منطقة الشرق الأوسط على أهمية هذا الموقع إلى كل أجزاء العالم من العلاقات الدولية بناءا على التراجع الخطير للنظام الدولي، أزمة نظام حقيقية ومعقدة لا تتعلق بالمنطق السياسي وإنما في علاقة مباشرة بأزمة القضاء الدولي في حفظ حقوق الشهداء وتفعيل الجزاء المطلوب والمرغوب للتصدي للعدوان والحرب على سيادة الدول ومن جهة أخرى تفعيل المؤسسات الدولية لفض الصراع وخفض ما يمكن من الخطر الداهم ليس على المنطقة الحالية و إنما على المنظومة الكونية بأكملها
يبدو أن رعاية المركز الإستراتيجي للصراع لا تحتاج لمثل قرار مجلس الأمن الدولي 2803 و إنما إلى قراره التاريخي رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 لإقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط وإن كانت ظروف المستجدات ليست على حالها إلا أن المنظومة الإنسانية اليوم في حاجة لمثل هذا القرار لعودة بعض من السلم والأمن في رعاية المركز الاستراتيجي للصراع في المنطقة المستهدفة.



