أخبار العالم

رئيس الأركان الإثيوبي يوجه أصابع الاتهام إلى مصر والسودان بدعم المعارضة المسلحة

تتسع تداعيات التصعيد العسكري في شمال إثيوبيا لتتجاوز حدود الصراع الداخلي، في ظل عودة المواجهات المسلحة بين القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوى المرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وتصاعد المخاوف من تحول الأزمة إلى صراع ذي أبعاد إقليمية. وفي هذا السياق، وجه رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا اتهامات إلى قوى إقليمية، من بينها مصر والسودان وإريتريا، بدعم جماعات مسلحة تسعى إلى الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء أبيي أحمد، في تصريحات تعكس ارتفاع مستوى التوتر بين أديس أبابا وعدد من دول الجوار.

وقال جولا، في تصريحات نقلتها المنصة الإعلامية التابعة للجيش الإثيوبي، إن ما وصفهم بـ«الخصوم التاريخيين والمعاصرين» لإثيوبيا انتقلوا من محاولة مواجهة البلاد بصورة مباشرة إلى دعم جماعات مسلحة من الداخل، عبر توفير التمويل والمعلومات الاستخباراتية والأسلحة. واتهم إريتريا تحديداً بالاضطلاع بدور حلقة وصل بين قوى خارجية والجماعات المسلحة الموجودة داخل إثيوبيا، مشيراً إلى أن جبهة تحرير شعب تيغراي والقوى المتحالفة معها لا تمتلك، وفق تقديره، القدرة على مواجهة الحكومة الفيدرالية من دون دعم خارجي.

وذكر رئيس الأركان الإثيوبي السودان ومصر بصورة صريحة ضمن الجهات التي قال إنها تقدم دعماً للقوى المناوئة للحكومة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين أديس أبابا والقاهرة والخرطوم توترات متراكمة تتجاوز الملف الأمني المباشر. وتأتي هذه الاتهامات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمة سد النهضة والخلافات حول مياه النيل مع التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، إضافة إلى التداعيات الأمنية للحرب السودانية المستمرة منذ عام 2023.

تزامنت تصريحات جولا مع تجدد القتال في شمال البلاد، ولا سيما في إقليم تيغراي والمناطق المجاورة له. وكانت جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الفيدرالية قد خاضتا حرباً دامية بين عامي 2020 و2022 انتهت باتفاق بريتوريا للسلام، إلا أن التوترات السياسية والأمنية لم تختف بشكل كامل، قبل أن تعود المواجهات إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة.

وفي سبتمبر 2026، تصاعدت العمليات العسكرية مع تحرك قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي في مناطق عدة، بينما أعلنت القوات الموالية للحكومة استعادة السيطرة على مدينة ألماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي. كما امتدت المواجهات إلى مناطق عفار وأمهرة، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة مخاوف من انهيار الترتيبات الأمنية التي أُرسيت عقب اتفاق السلام لعام 2022.

وفي تطور يزيد من حساسية الوضع، أفادت تقارير في الأول من أكتوبر بسماع انفجارات في العاصمة أديس أبابا، فيما تحدثت مصادر دبلوماسية وتحالف معارض عن احتمال استهداف مواقع عسكرية بطائرات مسيّرة، من دون أن تكون هذه الروايات قد تأكدت بصورة مستقلة. وأعلنت أجهزة الأمن الإثيوبية لاحقاً فرض قيود على تحليق الطائرات المسيّرة في العاصمة.

ويأتي التصعيد في ظل تشكيل تحالف مسلح يضم سبع جماعات إثيوبية أعلنت في سبتمبر هدفها الإطاحة بحكومة أبيي أحمد وإنشاء إدارة انتقالية. ويكتسب هذا التحالف أهمية خاصة بسبب جمعه بين قوى كانت في السابق على طرفي نقيض خلال الحرب الإثيوبية السابقة، من بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو في أمهرة وجيش تحرير أورومو.

ويعكس تشكيل هذا التحالف اتساع دائرة المعارضة المسلحة للحكومة المركزية، إلا أن الجماعات المنضوية فيه تختلف في خلفياتها الإثنية والسياسية ومطالبها الإقليمية، وهو ما يجعل مستقبل التحالف وقدرته على الحفاظ على وحدة مواقفه السياسية والعسكرية موضع تساؤل. وفي المقابل، ترى الحكومة الإثيوبية أن التطورات العسكرية لا يمكن فصلها عن تدخلات خارجية تسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية وإضعاف الدولة المركزية.

في المقابل، سارعت السودان إلى نفي الاتهامات الإثيوبية. ووصفت القوات المسلحة السودانية مزاعم دعمها للتحالف المعارض بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكدة رفضها التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة. كما وجهت الخرطوم بدورها اتهامات إلى إثيوبيا بشأن تقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أديس أبابا. ويعكس تبادل الاتهامات طبيعة العلاقات المتوترة بين البلدين في ظل استمرار الحرب السودانية.

أما القاهرة، فقد رفضت بدورها الاتهامات الإثيوبية، مؤكدة أن سياستها الخارجية تقوم على احترام سيادة الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقال المتحدث باسم الخارجية المصرية نادر زكي إن أي ادعاءات تشكك في التزام مصر بهذه المبادئ لا أساس لها، مشدداً على ارتباط السياسة المصرية بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وتحمل الاتهامات الموجهة إلى مصر أهمية خاصة بالنظر إلى الخلاف المستمر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة الإثيوبي. فقد شكل السد منذ سنوات أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين، قبل أن يتداخل هذا الخلاف المائي تدريجياً مع ملفات أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر والنفوذ في القرن الإفريقي والتوازنات الإقليمية.

أما إريتريا، التي وضعها رئيس الأركان الإثيوبي في صلب الاتهامات، فتحتل موقعاً حساساً في تطورات الأزمة. فقد كانت أسمرا حليفاً عسكرياً لأديس أبابا خلال حرب تيغراي السابقة، قبل أن تتدهور العلاقات بين الطرفين لاحقاً، خصوصاً في ظل الخلافات حول أمن الحدود ومسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر.

ويزيد سعي إثيوبيا إلى تعزيز وصولها إلى الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر من حساسية علاقاتها مع إريتريا، في وقت أصبحت فيه المنطقة محوراً للتنافس بين قوى إقليمية ودولية متعددة. ولذلك فإن أي تصعيد جديد بين أديس أبابا وأسمرا قد لا يبقى محصوراً في الحدود الثنائية، بل قد يتقاطع مع ملفات أمن البحر الأحمر والصراعات في السودان واليمن.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع الإثيوبي بات يتحرك على مستويين متداخلين: الأول داخلي يرتبط بالخلافات بين الحكومة الفيدرالية والجماعات المسلحة والمكونات الإقليمية، والثاني إقليمي يرتبط بعلاقات إثيوبيا المتوترة مع عدد من دول الجوار.

وتكتسب هذه المعادلة خطورتها من الموقع الجغرافي لإثيوبيا، التي تتوسط منطقة القرن الإفريقي وتتقاطع حدودها مع السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال وجنوب السودان. وبالتالي فإن استمرار المواجهات في تيغراي وأمهرة وعفار، أو انتقالها إلى مناطق قريبة من الحدود، يمكن أن يخلق ضغوطاً أمنية وسياسية إضافية على دول المنطقة.

كما أن استمرار تبادل الاتهامات بين أديس أبابا والخرطوم والقاهرة وأسمرا قد يؤدي إلى توسيع دائرة انعدام الثقة الإقليمي، خصوصاً في ظل وجود أزمات متزامنة في السودان والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد حذرت تحليلات إقليمية من أن تفسير الصراع الإثيوبي بصورة متزايدة من خلال منطق «التدخل الخارجي» قد يرفع مخاطر تحول النزاع الداخلي إلى مواجهة أوسع بين أطراف إقليمية.

ورغم التصعيد في الخطاب السياسي والعسكري، شدد رئيس الأركان الإثيوبي على أن السلام والتهدئة يظلان الخيار الأفضل لجميع الأطراف، محذراً من أن استمرار التوتر لن يخدم مصالح أي طرف. كما صدرت دعوات إقليمية إلى تجنب التصعيد والحفاظ على قنوات الحوار، في ظل المخاوف من أن يؤدي استمرار المواجهات إلى إعادة إنتاج السيناريوهات الأكثر دموية التي شهدتها إثيوبيا خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022.

وتكشف التطورات الراهنة أن الأزمة الإثيوبية لم تعد مجرد مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وجماعات مسلحة في الشمال، بل أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بشبكة من التنافسات الإقليمية التي تشمل أمن الحدود ومياه النيل والبحر الأحمر والتحالفات العسكرية والنفوذ السياسي. وبينما تنفي مصر والسودان الاتهامات الإثيوبية، يستمر القتال على الأرض وتتسع المخاوف من امتداد تداعياته إلى دول الجوار.

وفي حال استمرار التصعيد العسكري وتبادل الاتهامات، فإن القرن الإفريقي قد يواجه مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تكون فيها الحدود بين الصراع الداخلي والمنافسة الإقليمية أكثر ضبابية، الأمر الذي يجعل احتواء الأزمة الإثيوبية مرتبطاً ليس فقط بمسار الحوار الداخلي، وإنما أيضاً بقدرة الأطراف الإقليمية على منع تحولها إلى صراع متعدد الأطراف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق