أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

حين يرتدّ سلاح الشارع: كيف انقلبت هندسة الفوضى على صانعها في واشنطن

في كل الحروب الحديثة التي خاضتها الولايات المتحدة، كان هناك افتراض مركزي يتكرر بصيغ مختلفة: أن القوة العسكرية، حين تُستخدم بذكاء تكتيكي وتُغلّف بخطاب أخلاقي، قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل. هذا الافتراض، الذي رافق الحرب في فيتنام، ثم العراق، ثم أفغانستان، يعود اليوم في سياق الحرب على إيران-ولكن مع نتيجة أولية تبدو مألوفة إلى حد الإحراج: فشل في فهم المجتمع المستهدف، وارتداد في الداخل الأمريكي نفسه.

ما نشهده ليس مجرد تعثر عسكري أو خطأ استخباري عابر، بل هو خلل بنيوي في طريقة تفكير النخبة السياسية والأمنية في واشنطن، التي لا تزال تتعامل مع المجتمعات الأخرى كمساحات قابلة لإعادة البرمجة عبر الصدمة.

إسقاط النظام… كخيال استراتيجي

منذ بداية الحرب، بُنيت الاستراتيجية—خاصة من الجانب “الإسرائيلي”—على فرضية أن الضغط العسكري المكثف، مقرونًا بضرب البنية التحتية واستهداف العمق المدني، سيؤدي إلى تفكك داخلي داخل إيران. هذا النموذج ليس جديدًا؛ هو امتداد مباشر لعقيدة “الصدمة والترويع”، التي تفترض أن المجتمعات تحت الضغط ستثور ضد أنظمتها.

لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أساسية في علم الاجتماع السياسي: المجتمعات لا تتصرف بالطريقة نفسها في زمن الحرب كما في زمن السلم. التناقضات الداخلية، مهما كانت حادة، تُعاد صياغتها تحت ضغط التهديد الخارجي، لتتحول إلى حالة من “التماسك الدفاعي”.

وهذا ما حدث تحديدًا. فبدل أن تنفجر التناقضات داخل إيران، أعادت الحرب إنتاج نوع من الإجماع السلبي—”ليس دعمًا مطلقًا للنظام، بل رفضًا جماعيًا للعدوان الخارجي”. هنا يظهر الخطأ الكلاسيكي: “الخلط بين السخط الداخلي والاستعداد للانخراط في مشروع خارجي”.

لقد تكرر هذا الخطأ مرارًا، من دعم واشنطن للشاه قبل سقوطه عام 1979، إلى الاعتقاد بأن العراقيين سيستقبلون الغزو الأمريكي كمحرّرين. في كل مرة، كانت النتيجة واحدة: إسقاط التوقعات الأيديولوجية على واقع اجتماعي أكثر تعقيدًا.

الحرب كأداة لإعادة إنتاج الشرعية

المفارقة أن الحرب التي كان يُفترض أن تُضعف النظام الإيراني، ساهمت في إعادة إنتاج شرعيته. ليس عبر القمع، بل عبر الديناميكيات الطبيعية للمجتمعات تحت التهديد.

حين تُقصف المدن، وتُستهدف البنى التحتية، وتُطرح أفكار مثل “إعادة رسم خرائط الدول”، فإن النقاش الداخلي حول الحريات والإصلاحات يتراجع لصالح سؤال أكثر بدائية: البقاء والسيادة.

هذا ما يفسر لماذا لم نشهد “الشارع الإيراني” الذي راهن عليه المخططون. ليس لأن هذا الشارع غير موجود، بل لأنه ببساطة لا يعمل وفق الطلب الخارجي. بل إن التدخل الخارجي غالبًا ما يعطّل فعاليته بدل أن يحرره.

من طهران إلى واشنطن: الانقلاب العكسي

لكن المفارقة الأهم لا تقع في طهران، بل في واشنطن. فالأداة نفسها التي سعت الإدارة الأمريكية إلى تفعيلها داخل إيران—أي الشارع—ارتدت إلى الداخل الأمريكي.

الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت الولايات المتحدة، تحت شعارات مثل “لا للملوك”، لا يمكن فهمها فقط كحراك ضد الحرب. هي تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه.

حين يخرج ملايين الأمريكيين إلى الشوارع، ليس فقط رفضًا للحرب، بل احتجاجًا على تكاليفها الاقتصادية، وعلى ما يرونه نزعة سلطوية في الحكم، فإننا نكون أمام تصدع داخلي يتجاوز السياسة الخارجية.

التاريخ الأمريكي نفسه يقدم سوابق واضحة. خلال حرب فيتنام، لم يكن العامل الحاسم فقط هو الخسائر العسكرية، بل تآكل الشرعية الداخلية للحرب. واليوم، تتكرر المؤشرات ذاتها: ارتفاع أسعار الطاقة، ضغط اقتصادي على الطبقة الوسطى، وانقسام سياسي حاد.

النخبة السياسية وأزمة الإدراك

تصريحات شخصيات مثل السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، التي تربط بين حرب إيران وحربي فيتنام والعراق، ليست مجرد مواقف معارضة، بل تعكس إدراكًا متزايدًا داخل النظام السياسي نفسه بأن هناك نمطًا يتكرر.

وبالمثل، تحذيرات المفكر وأستاذ العلوم السياسية الأمريكي جون ميرشايمر، من أن هذه الحرب “لا يمكن الفوز بها” تعكس أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، حيث لا تزال القوة العسكرية تُستخدم كبديل عن الفهم السياسي.

حتى على المستوى الثقافي، فإن دخول شخصيات عامة مثل الممثل الأمريكي وأحد أبرز نجوم هوليوود روبرت دي نيرو والممثل الأمريكي ونجم الأفلام العالمية أرنولد شوارزنيغر، وهو أيضاً حاكم سابق لولاية كاليفورنيا على خط الاحتجاجات، يشير إلى اتساع دائرة الرفض، وتحول الحرب إلى قضية رأي عام شامل، لا مجرد ملف سياسي.

إسرائيل” والرهان الخاطئ

من جهة أخرى، يبدو أن “إسرائيل”، بقيادة بينيامين نتنياهو، قد دفعت باتجاه هذا السيناريو انطلاقًا من قراءة مبسطة للتجارب السابقة، حيث كان يُعتقد أن الضغط العسكري يمكن أن يُترجم إلى انهيار داخلي.

لكن إيران هي دولة ذات تاريخ طويل من التفاعل مع التدخلات الخارجية، ومجتمع يمتلك حساسية عالية تجاه مسألة السيادة. وبالتالي، فإن نقل نماذج تكتيكية من سياقات مختلفة إلى الحالة الإيرانية لم يكن سوى وصفة لإنتاج نتائج معاكسة.

حدود القوة: الدرس الذي لا يُتعلم

ما تكشفه هذه الحرب، مرة أخرى، هو حدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية معقدة. فحتى لو نجحت الضربات في تدمير بنى تحتية أو تقليص قدرات عسكرية، فإنها لا تنتج بالضرورة النتائج السياسية المرجوة.

بل على العكس، قد تؤدي إلى تعزيز البنى التي كان يُراد تفكيكها، سواء عبر إعادة إنتاج الشرعية داخليًا، أو عبر خلق حالة من التعبئة الوطنية.

في النهاية، ما نراه ليس مجرد حرب أخرى في الشرق الأوسط، بل حلقة جديدة في أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدور الأمريكي في العالم.

الرهان على “هندسة الفوضى” كأداة لإعادة تشكيل المجتمعات يبدو أنه وصل إلى حدوده. ليس فقط لأنه يفشل في الخارج، بل لأنه بدأ يرتد إلى الداخل، مهددًا التماسك الاجتماعي والسياسي داخل الولايات المتحدة نفسها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: السلاح الذي صُمم لتفكيك الخصوم، يتحول تدريجيًا إلى عامل تفكيك للذات.

وهذا، تاريخيًا، ليس مجرد خطأ تكتيكي… بل علامة على أزمة بنيوية في مشروع القوة ذاته.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق