تصدع في علاقات الحلفاء: ترامب يهدد وأوروبا تبحث عن مخرج وغرينلاند قد حسم مصيرها

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 21-01-2026
تصريحات ترامب المتهورة والتي لا تميز بين الحليف ولا الصديق ولا العدو، بشأن الاستحواذ على جزيرة غرينلاند أو شرائها، او احتلالها، كل الخيارات مطروحة عند “البرتقالي” هي لحظة كاشفة لخلل عميق في بنية العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
ترامب يكشر عن انيابه ويهدد بالتعريفات الجمروكية على بضائع حلفاء امريكا والبداية مع “ماكرون” الذي يريد قيادة الناتو والاتحاد الاوروبي، ومنذ مدة والوضع يتصاعد بين الحلفاء المنافقين” التي لا تربطهم الاّ العداوة وليست المصالح، وخاصة وان ترامب أصبح يرى في الاتحاد الأوروبي “حملا ثقيلا” وليست له منفعة “لأمريكا أولا”، كذلك يرى في الناتو مجموعة “مفلسة”، وقالها ترامب صراحة “لولا أنا لذهب الناتو الى مزبلة التاريخ”، وبالتالي خلاصة القول قد تحولت العلاقة بين “امريكا ترامب” والاتحاد الأوربي من تباين في المصالح إلى تهديد صريح باستخدام أدوات اقتصادية ضد دول حليفة، فإن ذلك يضع التحالف الغربي أمام اختبار وجودي يتجاوز حدود ملف واحد أو إدارة واحدة.، كل الأوراق قد تبعثراروقة الاتحاد الأوروبي وخاصة في القيادة المركزية لحلف الاطلسي.
غرينلاند، بوصفها إقليماً يتمتع بحكم ذاتي تابع للسيادة الدانماركية وهي دولة أوروبية، تمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات الأمن، والطاقة، والممرات البحرية، والتنافس مع روسيا والصين، فهي أكبر جزيرة في العالم، ولها طابع امني ورمزي لأوروبا، أصبحت اليوم محل نزاع مع “الوحش العالمي البرتقالي” الذي يريد ان يقول ان العالم كله “تحت أقدامي” وأنا “ربكم الأعلى” والكل يجب ان يستجيب، وإلاّ سيعاقب، وإدارة العالم ستطرده، وهذا ما قاله البارحة لرئيس فرنسا ماكرون “ايامه في العمل معدودة ان قال هذا”.
فإصرار ترامب على “الشراء الكامل” للإقليم، وربط هذا المطلب بفرض رسوم جمركية عقابية على دول أوروبية، نقل الملف من خانة النقاش الجيوسياسي إلى خانة الابتزاز العلني “الغير مسؤول” بين حلفاء يفترض أنهم يشتركون في منظومة أمنية واحدة، وعلى ما يبدوا ان “العقد” قد “تقطّع” وبدأت اجزاؤه تتبعثر… فهل هذا ما يريده ترامب ومن ورائه حكام العالم لصياغة نظام عالمي جديد وخاصة بقاء امريكا على عرش العالم؟
ربما… كل شيء وارد وقابل للتطبيق مع ترامب وحكام العالم الجدد…
منذ سنة وترامب لم يهدأ على ابتزاز العالم وعلى أوروبا وخاصة على حلفائه، فلم يكن هناك تصعيد سياسي او مباحثات سياسية، ترامب لا يؤمن بالسياسة هو يؤمن بشيئين لا ثالث لها “قوة الابتزاز الاقتصادي… وقوة التدخل العسكري”، فقرار واشنطن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على عدد من الدول الأوروبية، مع التهديد برفعها إلى 25% لاحقاً، شكّل تصعيداً في استخدام التجارة كسلاح ضد شركاء داخل حلف شمال الأطلسي.
الأخطر بالنسبة لهؤلاء أن هذه التهديدات طالت دولاً تعد ركائز أساسية في البنية الاقتصادية والأمنية للاتحاد الأوروبي، ما جعل الأزمة تتجاوز غرينلاند لتطرح أسئلة جوهرية حول موثوقية الالتزام الأميركي بمبدأ التحالف، بل ان ترامب كشّر عن انيابه مع حلفائه وجعلهم في نفس خانة الأعداء وهو اليوم يضغط عليهم ويبتزهم بشكل غير مسبوق.
في المقابل يستعمل الاتحاد الأوروبي وعلى رأسهم فرنسا والمانيا ردود فعل استهلاكية لشعوبهم ولمستعماراتهم خاصة، تصريحات من هنا وهناك ولكن على المستوى الفعلي فهي محدودة وحذرة من “الغول الذي هدد بأكلهم”.
الواقع الاوروبي يقول ان هناك تشابك كبير جدا على جميع المستويات مع امريكا والتملص أو الخروج يعني انهيار تام للاتحاد الأوروبي وانهيار للناتو ويعني “الدب الروسي” في انتظارهم اما الباب.
ومع ذلك، فإن النقاش الأوروبي انتقل سريعاً من مرحلة التنديد والاستياء وفي بعض الأحيان للتهديد إلى مرحلة التفكير في أدوات ضغط مضادة، ليس بهدف التصعيد بقدر ما هو لإعادة التوازن إلى معادلة العلاقة بين الجانبين، ولكن ترامب قد حسم معهم الموضوع “اما السقوط واما السقوط”
الفشل الأوروبي قد بدأ منذ 2023 عندما اراد استعمال “آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي” ولم تُفعّل حتى الآن، هذه الآلية صُممت خصيصاً لمواجهة حالات استخدام التجارة أو الاستثمار كوسيلة ضغط سياسي على دولة عضو أو على الاتحاد ككل. تفعيلها ضد الولايات المتحدة، إن حصل، سيشكّل تحوّلاً نوعياً في سلوك الاتحاد، إذ يضع واشنطن للمرة الأولى في خانة “الدولة المُكرِهة” وفق التعريف القانوني الأوروبي، مع ما يترتب على ذلك من إجراءات “انتقامية” محتملة زكما أشرنا فلن تفعّل هذه الآلية وبل ستخرج من 4 الى 6 دول اوروبية من الاتحاد الاوروبي وترامب يعمل على ذلك ويعلم ذلك ولهذا هو يبتزهم ويضغط من اجل ان يدخلوا بيت الطاعة وينتهي اليورو.
وبحسب خبراء في مجال التكنولوجيا الرقمية فيقولون ان السلاح الوحيد بيد أووروبا والتي يمكنها الضغط به على ترامب هو قطاع الخدمات، ولا سيما الخدمات الرقمية. فالولايات المتحدة تحقق فائضاً كبيراً في هذا المجال مع الاتحاد الأوروبي، فيما تمتلك بروكسل أدوات تنظيمية وتشريعية قادرة على تقييد عمل شركات التكنولوجيا الأميركية، سواء عبر الغرامات، أو القيود التنظيمية، أو حتى الحظر الجزئي للخدمات وهذا القطاع الأكثر حساسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ولترامب وشركاته.
التجارب السابقة مع شركات كبرى أظهرت أن هذا المسار، رغم طابعه القانوني، يحمل بعداً سياسياً واضحاً يمكن توظيفه في لحظات التوتر.
الخلاصة:
أزمة غرينلاند هي الورقة المرئية والتي تعكس تصدعاً في منطق القيادة الأميركية مع حليفه الأوروبي، وتعكس كذلك تحولاً في أدوات إدارة الخلافات من التفاوض إلى الإكراه والابتزاز وخاصة “المنطق الترامبي” الجديد.
الدول الاوروبية التي كانت اليد الطولة للأمريكي تجد نفسها اليوم في مأزق الضعيف والمشتت والمظلة الترامبية لم تعد تستوعبه لأنه غير منتج، بالنسبة لترامب هم يستهلكون ولا ينتجون وفي مزرعته العالمية لا مكان للضعيف ولا مكان لمن لا يدفع…
اوروبا اليوم تجد نفسها في نقلة نوعية فرضها عليها ترامب والقوى الصاعدة العالمية، فلم يعد دورها ذلك الشريك المتلقي للمظلة الأميركية، بل اليوم هي في مأزق تاريخي وخاصة أمام شعوبها، وعليها يجب أن تعيد تعريف علاقتها ب”واشنطن الترامبية”، ليس عبر القطيعة لأنها ستنهار تماما، بل عبر بناء قدرة ردع سياسية واقتصادية تحفظ سيادتها وتوازن التحالف في آن واحد.
والسؤال هل يمكن لأوروبا أن تستعيد توازنها؟ وهل لها من الأدوات الكافية لردع أطماع ترامب؟ هل لأوروبا خيارات للخروج من الجلباب الترامي؟



