ترامب يتخبّط… والصواريخ الإيرانية تكتب معادلة الردع بالنار

اعداد الدكتور محمد الأيوبي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-03-2026
في مشهدٍ يزداد تعقيدًا يوماً بعد يوم، لم تعد تصريحات دونالد ترامب تعكس ثقة المنتصر بقدر ما تكشف ارتباك العاجز عن ترجمة القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي. فالرجل الذي أعلن، بلا تردد، أنه “مَحا إيران من الخارطة” وحقق أهدافه قبل موعدها، يعود في اللحظة ذاتها ليهدد بتصعيد غير مسبوق، ما يضع خطابه في دائرة التناقض، ويطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كانت الأهداف قد تحققت، فلماذا التهديد بالمزيد من الحرب؟
هذا التناقض لا يمكن قراءته بمعزل عن المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه واشنطن في صراعها مع إيران، حيث فشلت، حتى اللحظة، في فرض معادلة ردع أحادية، واضطرت إلى الانخراط في مواجهة مفتوحة تتجاوز حسابات “الضربة الحاسمة” إلى واقع الاستنزاف المتبادل.
معادلة “العين بالعين”: حين تتحول الحرب إلى توازن هشّ
لم تعد الحرب الجارية تدور حول أهداف تقليدية كتحييد القدرات النووية أو تأمين الممرات البحرية، بل باتت، في جوهرها، صراعًا على كسر الإرادة. ومع تصاعد التهديدات باستهداف البنى التحتية، برزت معادلة جديدة: “الطاقة مقابل الطاقة”، و”العين بالعين”.
هذه المعادلة تعني ببساطة أن أي استهداف أميركي أو “إسرائيلي” لمنشآت حيوية في إيران، سيقابله رد مماثل يطال بنى تحتية في “إسرائيل” أو لدى حلفاء واشنطن في الخليج. وهنا، لم تعد الحرب محكومة بسقف واضح، بل باتت مفتوحة على احتمالات انفجار إقليمي واسع.
“إسرائيل” بين الرغبة في التصعيد والخوف من نتائجه
في هذا السياق، تبدو “إسرائيل” الأكثر اندفاعًا نحو توسيع دائرة المواجهة. فحكومة بنيامين نتنياهو ترى في أي تصعيد أميركي فرصة لإعادة خلط الأوراق، وربما تحقيق ما عجزت عنه خلال سنوات من المواجهة: “إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه جذرياً”.
لكن هذه الرغبة تصطدم بواقع ميداني مختلف تمامًا. فالجبهة الداخلية “الإسرائيلية”، التي لطالما قُدّمت كقوة صلبة، باتت اليوم عرضة لضغط غير مسبوق، مع تزايد وتيرة الصواريخ، وتكرار صفارات الإنذار، وتعطّل الحياة اليومية.
لكن لا تبدو الحماسة “الإسرائيلية” لدفع واشنطن نحو استهداف منشآت الطاقة في إيران تعبيرًا عن ثقة، بقدر ما تعكس حالة قلق عميق من مسار الحرب. فـبنيامين نتنياهو يدرك أن الاستنزاف الطويل لم يعد يعمل لصالحه، وأن الجبهة الداخلية التي طالما اعتُبرت نقطة قوة، تتحول تدريجيًا إلى عبء استراتيجي.
لذلك، تسعى “إسرائيل” إلى توسيع دائرة النار، ليس لتحقيق نصر حاسم، بل لإعادة خلط الأوراق وجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة أكثر شمولًا، على أمل أن يُنتج ذلك واقعًا جديدًا يعوّض الفشل المتراكم.
غير أن هذه المقاربة تقوم على فرضية محفوفة بالمخاطر: أن منظومات الدفاع الجوي قادرة على امتصاص الرد الإيراني. وهي فرضية بدأت تتآكل ميدانيًا، مع تزايد الاختراقات الصاروخية، ما يجعل أي تصعيد واسع مقامرة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة.
الصواريخ الإيرانية: من أداة عسكرية إلى استراتيجية استنزاف
التحول الأبرز في هذه الحرب يتمثل في طبيعة الاستخدام الإيراني للصواريخ. لم تعد المسألة تتعلق بضربات مكثفة ومركزة، بل باستراتيجية مدروسة تقوم على توزيع النيران، وإرهاق الجبهة الداخلية، وإبقاء حالة التوتر في أعلى مستوياتها.
ما شهدته مدينة “عراد” من دمار واسع، وما رافقه من اعترافات بفشل منظومات الاعتراض، لم يكن مجرد حادثة هامشية، بل مؤشر على خلل بنيوي في معادلة الدفاع. فحين تفشل الأنظمة الدفاعية في اعتراض صاروخ واحد، فإن الرسالة تتجاوز الخسارة الميدانية، لتصل إلى جوهر الردع نفسه.
سقوط “وهم الحسم” للكيان الإسرائيلي
على مدى سنوات، روّجت “إسرائيل” لفكرة التفوق العسكري القادر على حسم أي مواجهة بسرعة. لكن ما يجري اليوم يكشف حدود هذه الفكرة. فبعد ثلاث سنوات من الحروب المتواصلة، لم يتحقق أي من الأهداف الكبرى: لا إنهاء المقاومة في غزة، ولا استعادة الأسرى بالقوة، ولا فرض واقع إقليمي جديد.
بل على العكس، يبدو أن هذه الحروب أدت إلى نتيجة معاكسة: تعزيز تماسك خصومها، وتوسيع قدراتهم، ونقل المعركة إلى عمقها الداخلي.
في المقابل، نجحت إيران في تحويل موقعها من متلقٍ للضربات إلى فاعل يفرض إيقاع المواجهة. فالتكتيكات الجديدة، واستخدام الصواريخ بطرق غير تقليدية، والقدرة على التكيّف مع الضربات، كلها عوامل ساهمت في تغيير ميزان القوى.
الأهم من ذلك، أن إيران لم تنجرّ إلى مواجهة مباشرة شاملة، بل حافظت على مستوى محسوب من التصعيد، يكفي لإرباك الخصم دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة بالكامل. وهي استراتيجية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة الصراع وحدوده.
ترامب بين التصعيد والبحث عن مخرج
تهديد دونالد ترامب بضرب مراكز الطاقة في إيران، يمكن قراءته في هذا السياق كجزء من محاولة لاستعادة زمام المبادرة. لكنه في الوقت نفسه، يحمل دلالات واضحة على غياب استراتيجية متماسكة.
فالتلويح بضرب البنية التحتية المدنية، بعد أسابيع من الحرب، يوحي بأن الخيارات التقليدية لم تعد كافية، وأن واشنطن تبحث عن أوراق ضغط جديدة، حتى لو كانت محفوفة بمخاطر التصعيد الشامل. فإن سلوك دونالد ترامب لا يعكس استراتيجية متماسكة بقدر ما يكشف عن ارتباك سياسي واضح. فالإنذارات المتلاحقة، من التهديد بضرب البنية التحتية إلى الحديث عن “إنجاز النصر”، لا تنسجم مع منطق الحروب الكبرى، بل تشير إلى محاولة تعويض عجز ميداني بخطاب متضخم.
وهنا، يصبح التهديد ذاته أداة ضغط تفاوضي أكثر منه مقدمة لعمل عسكري شامل، خاصة في ظل إدراك واشنطن أن أي استهداف لمنشآت الطاقة سيشعل ردًا إقليميًا واسعًا وفق معادلة “الطاقة مقابل الطاقة”.
وأشار ديفيد إي. سانجر إلى أن واشنطن لم تحقق الأهداف التي أعلنتها في هذه الحرب، وهو ما يعكس فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
وتكمن أهمية هذا التقييم في كونه صادرًا من داخل المنظومة الإعلامية الأقرب إلى دوائر القرار، ما يمنحه وزنًا إضافيًا في قراءة المشهد، ويعزز فرضية أن ما يجري ليس “إدارة نصر”، بل محاولة للخروج من مأزق.
رغم الحماسة الظاهرة في تل أبيب لدعم أي ضربة أميركية، إلا أن القلق يتسلل إلى المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية”. فاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية قد يفتح الباب أمام ردود تطال منشآت مماثلة داخل “إسرائيل”، وهو ما قد يؤدي إلى شلل اقتصادي واسع.
كما أن الرهان على دخول دول الخليج في المواجهة، ليس مضمون النتائج، وقد يؤدي إلى تعقيد المشهد بدل حسمه.
في المحصلة؛ يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، لا مكان فيها للحسم السريع أو الانتصارات الواضحة. بنيامين نتنياهو يواجه مأزقاً سياسياً وعسكرياً متفاقماً، ودونالد ترامب يتخبط بين التصعيد والبحث عن تسوية، فيما تواصل إيران فرض معادلتها القائمة على الردع المتبادل.
إنها لحظة تحوّل، لا تُقاس فيها القوة بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بقدرة كل طرف على الصمود وإدارة الصراع. وفي هذا الميزان، يبدو أن “معادلة الردع بالنار” لم تعد مجرد شعار، بل واقعاً يُعاد تشكيله يومياً على وقع الانفجارات… وعلى حساب استقرار المنطقة بأكملها.



