أخبار العالمأمريكابحوث ودراسات

ترامب طلب من الشعب الايراني الثورة ضد النظام فثار الشعب الامريكي ضده

لم تعد الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة في الخارج، بشكل مباشر إلى جانب “إسرائيل”، حدثًا منفصلًا عن واقعها الداخلي. فمع اتساع رقعة المواجهة مع إيران وتداعياتها الاقتصادية والسياسية، بدأت ملامح صراع موازٍ تتشكل داخل الولايات المتحدة نفسها، عنوانه الشارع الغاضب والانقسام المتفاقم. المظاهرات التي شهدتها مختلف الولايات الأميركية تحت شعار “لا ملوك” تعبير واضح عن أزمة عميقة تضرب بنية النظام السياسي الأميركي.

تشير التقديرات إلى خروج أكثر من 8 ملايين متظاهر في يوم واحد، في أكثر من 3300 فعالية داخل الولايات المتحدة وخارجها، في مشهد غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث. هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الرفض الشعبي لسياسات إدارة دونالد ترامب، بل يكشف أيضًا عن تحول نوعي في طبيعة المعارضة، التي باتت أكثر تنظيمًا واتساعًا، وتستند إلى تحالفات عابرة للولايات والتيارات.

اللافت أن هذه الاحتجاجات لم تتركز في المدن الليبرالية التقليدية فحسب، بل امتدت إلى ولايات ومناطق تُعدّ جزءًا من القاعدة الشعبية لترامب. وهذا ما يضفي عليها بعدًا سياسيًا خطيرًا، إذ يعكس تآكلًا تدريجيًا في الحاضنة الداخلية، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات لسياسات الهجرة القمعية، والاعتقالات الجماعية، واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، والتي وصلت، وفق تقارير، إلى حد سقوط قتلى خلال احتجاجات سابقة.

لكن العامل الأكثر تأثيرًا في إشعال هذا الحراك يبقى الحرب على إيران. فهذه الحرب، التي انطلقت بقرار مفاجئ ودون أهداف واضحة، بدأت ترتدّ على الداخل الأميركي اقتصاديًا ومعيشيًا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق. ومع غياب أفق سياسي واضح لإنهائها، يتزايد شعور الأميركيين بأنهم يدفعون ثمن مغامرة خارجية لا تخدم مصالحهم.

في هذا السياق، تكتسب شعارات مثل “لا ملوك” دلالات أعمق من مجرد رفض شخص ترامب، لتطال بنية الحكم نفسها، وما يُنظر إليه على أنه نزعة سلطوية متصاعدة داخل الإدارة. فالمحتجون لا يعبّرون فقط عن رفض سياسات، بل عن خوف حقيقي من تحوّل النظام السياسي إلى نموذج أكثر تشددًا في قمع الحريات وتهميش المؤسسات.

الأهم من ذلك، أن هذه الاحتجاجات تطرح تساؤلات جدية حول قدرة الإدارة الأميركية على الاستمرار في إدارة حرب خارجية معقّدة، في ظل انقسام داخلي متفاقم. فالتاريخ الأميركي يُظهر أن الحروب الطويلة والمكلفة غالبًا ما تتحول إلى عبء داخلي يهدد الاستقرار السياسي، وهو ما قد يتكرر اليوم في ظل هذا المشهد المتوتر.

إن ما يجري في الشارع الأميركي اليوم يتجاوز كونه مجرد معارضة سياسية، ليعكس بداية انتقال مركز الثقل في الصراع إلى الداخل. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وتصاعد التوترات، قد تجد واشنطن نفسها أمام تحدٍ مزدوج؛ إدارة حرب خارجية مفتوحة، واحتواء أزمة داخلية تتسع رقعتها يومًا بعد يوم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق