بريطانيا ترفض الانضمام إلى بنك الدفاع الكندي وتختار مسار مؤسستين متكاملتين للتمويل العسكري

قسم الاخبار الدولية 26-10-2026
لندن وأوتاوا تتفقان على إطار للتعاون رغم الخلاف حول الحوكمة والمقر وآليات الإقراض والمشتريات الدفاعية
قررت المملكة المتحدة عدم الانضمام إلى المبادرة الكندية الرامية إلى إنشاء بنك دولي لتمويل الدفاع والأمن والقدرة على الصمود، مفضّلةً مواصلة تطوير آليتها الخاصة لتمويل الاستثمارات الدفاعية. وفي المقابل، اتفقت لندن وأوتاوا على وضع إطار للتعاون بين المؤسستين، بما يسمح لهما بالعمل بصورة متكاملة في دعم الصناعات الدفاعية وتطوير الاستثمارات الاستراتيجية، وفق ما أوردته وكالة «رويترز» في 25 أكتوبر 2026.
ويعكس الاتفاق توجهاً نحو الحفاظ على المبادرتين بدلاً من دمجهما في مؤسسة واحدة، بعد تعثّر المفاوضات بشأن عدد من المسائل الأساسية، من بينها مقر المؤسسة المقترحة، ومستوى التنسيق في المشتريات العسكرية المشتركة، وشروط الإقراض للدول الأعضاء، فضلاً عن القواعد المنظمة لانضمام أعضاء جدد. ورغم هذه الخلافات، أكدت الحكومتان رغبتهما في بناء علاقة تعاون تسمح بتنسيق الأولويات الاستثمارية وتبادل الفرص والخبرات بين المؤسستين.
مبادرتان مختلفتان لتلبية الاحتياجات الدفاعية
تتمثل المبادرة الكندية في إنشاء بنك الدفاع والأمن والقدرة على الصمود (DSRB)، وهو مشروع يهدف إلى توفير آليات تمويل طويلة الأجل للمشروعات الدفاعية، بما في ذلك دعم الصناعات العسكرية وسلاسل التوريد المرتبطة بها. ويسعى المشروع إلى تعبئة نحو 100 مليار يورو لتوفير قروض بشروط ميسّرة للمشروعات الدفاعية، إلى جانب تقديم ضمانات للمؤسسات المالية التي تموّل شركات أصغر حجماً أو أكثر عرضة للمخاطر.
وتقوم الفكرة الأساسية للمبادرة على تجميع القدرات التمويلية للدول المشاركة بهدف تحسين شروط الاقتراض وتوسيع الموارد المتاحة للاستثمار الدفاعي، في وقت تواجه فيه الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي ضغوطاً متزايدة لتطوير قدراتها العسكرية وتعزيز جاهزية قواتها المسلحة. ومن المنتظر أن يكون مقر البنك في كندا، فيما أعلنت دول أخرى، من بينها بلجيكا وتركيا وأوكرانيا واليونان ورومانيا ولوكسمبورغ ولاتفيا وألبانيا، دعمها للمشروع.
أما المملكة المتحدة، فتواصل العمل على آلية الدفاع متعددة الأطراف (MDM)، التي تركز على تسريع الاستثمارات الدفاعية وتسهيل تمويل المشتريات العسكرية المشتركة بين الحلفاء، ولا سيما من خلال تجميع الطلبات وتقاسم الاحتياجات بما قد يساهم في خفض تكاليف اقتناء المعدات العسكرية. وبذلك، تختلف الأولويات التشغيلية للمبادرتين؛ إذ تمنح الآلية البريطانية أهمية أكبر لتنسيق الطلب والشراء المشترك، بينما تركز المبادرة الكندية على تمويل الصناعات الدفاعية وسلاسل الإمداد وتوفير القروض، بما في ذلك للدول بصورة منفردة.
خلافات مؤسسية حالت دون توحيد المبادرتين
لم تتمكن لندن وأوتاوا من تجاوز الخلافات المتعلقة بكيفية إدارة مؤسسة تمويل دفاعي مشتركة، وتحديد موقع مقرها، وتوزيع المسؤوليات بين الدول المشاركة، وآليات منح القروض، فضلاً عن شروط العضوية المستقبلية. وتكشف هذه المسائل أن إنشاء مؤسسة متعددة الأطراف لا يتوقف على الاتفاق بشأن الأهداف العامة فحسب، بل يتطلب أيضاً التوافق حول المصالح الوطنية والالتزامات المالية وآليات اتخاذ القرار.
وتُعد مسألة المقر والحوكمة من القضايا المهمة في مثل هذه المشاريع، بالنظر إلى ما يرتبط بها من صلاحيات إدارية وتأثير في توجيه الأولويات الاستثمارية. كما يطرح الإقراض للدول، وتمويل الشركات الدفاعية، وتحديد حجم المساهمات المالية المطلوبة من الأعضاء، أسئلة تتعلق بتوزيع المخاطر وضمان استدامة المؤسسة وقدرتها على توفير تمويل بشروط تنافسية.
وتواجه المبادرة الكندية، وفق تقارير صحفية، تحديات في استقطاب عدد من الدول الأوروبية الكبرى، وسط تساؤلات بشأن حجم رأس المال الذي يتعين على الدول المساهمة به، ومدى قدرة البنك على توفير تمويل أقل تكلفة، واحتمال تداخل مهامه مع آليات قائمة. وقد سبق للمملكة المتحدة أن أبدت تحفظات بشأن الجدوى الاقتصادية للمشاركة، قبل أن يتجه الطرفان إلى صيغة تقوم على إنشاء مؤسستين منفصلتين مع تطوير التعاون بينهما.
تمويل الدفاع في سياق التحولات الأمنية الأوروبية والأطلسية
يأتي هذا التطور في سياق تزايد الاهتمام الأوروبي والأطلسي بتوسيع الإنفاق الدفاعي وتطوير القاعدة الصناعية العسكرية. فرفع القدرات الدفاعية لا يرتبط فقط بزيادة الميزانيات العسكرية، بل يتطلب أيضاً توفير مصادر تمويل مستقرة، وتحديث خطوط الإنتاج، وضمان توافر المكونات الأساسية، وتطوير التقنيات العسكرية، والحد من الاختناقات التي قد تؤخر تسليم المعدات.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الأدوات المالية متعددة الأطراف بوصفها إحدى الوسائل الممكنة لتخفيف الأعباء المرتبطة بالاستثمارات الدفاعية الكبيرة، خاصة عندما تتطلب المشروعات فترات تمويل طويلة أو تعاوناً بين عدة دول. كما يمكن للمشتريات المشتركة أن تساعد في تجميع الطلب وتوحيد بعض المواصفات، بما قد يحقق وفورات في التكلفة ويعزز قابلية تشغيل المعدات بين القوات الحليفة.
غير أن إنشاء مؤسسات جديدة لا يضمن تلقائياً تحقيق هذه النتائج؛ إذ تظل فعاليتها مرتبطة بشروط التمويل، وحجم الموارد المتاحة، وطبيعة المشروعات المؤهلة للحصول على الدعم، ومدى التنسيق مع الآليات الوطنية والأطلسية القائمة. ومن ثم، فإن قدرة البنك الكندي والآلية البريطانية على تحقيق أهدافهما ستتوقف على تفاصيل التنفيذ، وليس فقط على الإعلان عن التعاون بينهما.
إطار للتعاون بدلاً من الاندماج
أكدت لندن وأوتاوا، في بيان مشترك صدر في 25 أكتوبر، أن المؤسستين ستعملان في إطار شراكة وثيقة لدعم الأولويات الصناعية الناشئة والفرص الاستثمارية والتحديات المرتبطة بالتمويل الاستراتيجي. ويعني ذلك أن عدم انضمام بريطانيا إلى البنك الكندي لا يُترجم، وفق الموقف الرسمي المعلن، إلى التخلي عن التعاون مع كندا في مجال تمويل الدفاع، بل إلى اعتماد صيغة مؤسسية مختلفة لتحقيق أهداف مشتركة.
ومن الناحية العملية، قد يتيح الفصل بين المؤسستين لكل طرف الاحتفاظ بأولوياته وآليات عمله، مع استكشاف مجالات للتكامل وتبادل الدعم. لكن نجاح هذه الصيغة سيعتمد على مدى وضوح إطار التعاون، وقدرته على تجنب ازدواجية التمويل وتداخل الاختصاصات، فضلاً عن تحقيق قيمة مضافة للدول والصناعات المستفيدة.
وتبرز أهمية هذا الاتفاق أيضاً في كونه اختباراً لقدرة الدول الحليفة على تنسيق سياساتها الدفاعية في ظل اختلاف تصوراتها بشأن إدارة المؤسسات المشتركة وتوزيع الأعباء المالية. فالتوافق على ضرورة تعزيز القدرات العسكرية لا يلغي التباينات بشأن الوسائل الأنسب لتمويلها، أو بشأن الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات متعددة الأطراف مقارنة بالآليات الوطنية.
نحو بنية أكثر تنوعاً لتمويل الصناعات الدفاعية
يؤسس الاتفاق البريطاني الكندي لمسار يقوم على تعدد الأدوات المالية بدلاً من توحيدها ضمن مؤسسة واحدة. وقد يسمح هذا النموذج بتوجيه كل آلية نحو احتياجات محددة، شريطة أن ينجح الطرفان في تنسيق أولوياتهما وتحديد مجالات التعاون بصورة عملية.
وفي المحصلة، لا يتمثل التطور الأساسي في قرار بريطانيا عدم الانضمام إلى البنك الكندي فحسب، بل في انتقال البلدين إلى صيغة توازن بين استقلال المبادرتين والتعاون بينهما. وسيبقى التحدي الرئيسي هو تحويل هذا التفاهم السياسي والمؤسسي إلى آليات تمويل فعالة وقابلة للاستمرار، قادرة على دعم الصناعات الدفاعية وتلبية احتياجات الدول المشاركة دون زيادة التعقيدات الإدارية أو تكرار الأدوات القائمة.



