الوعد الصادق 4: تعطيل “العين والأذن” العسكريتين الأمريكيتين

قسم البحوث والدراسات الامنية والعسكرية 05-03-2026
يشكّل استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران للقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولا سيما الرادارات ومنظومات الاتصالات والاعتراض الصاروخي، تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع فهو لم يعد يقتصر على تعطيل “العين والأذن” التي يقوم عليها التفوق العسكري الأمريكي، بل يمهّد الأجواء أمام مرور الصواريخ الباليستية ذات القدرات التدميرية العالية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة، لكي تضرب أهدافها بأعداد أضخم وتأثيرات أشد، وفي سياق متصل يؤمن ضرب منظومات الاتصالات حصول مشاكل في الربط الشبكي والمعلوماتي بين أمريكا وأتباعها في المنطقة، ويمهد لحصول حوادث مماثلة لتلك التي حصلت في الكويت عبر إسقاط طائرات حربية أمريكية بـ”نيران صديقة”.
ويأتي في صلب المعادلة الإيرانية، تدمير منظومة الرادار الأمريكية AN/FPS-132 في قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي منظومة إنذار مبكر بعيدة المدى يصل نطاقها إلى نحو 5000 كيلومتر، والمصممة لتتبع الصواريخ الباليستية. فإصابة رادار بهذا المستوى، تُقدّر قيمته بأكثر من مليار دولار، لا تعني فقط خسارة مادية، بل إضعاف حلقة أساسية في شبكة الدفاع الصاروخي الأمريكية التي تربط القواعد في الخليج بأوروبا والقيادة المركزية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أضراراً في 7 مواقع على الأقل في 5 دول، استهدفت فيها إيران قباب رادار، وأطباق اتصالات فضائية، ومنشآت محمية تُستخدم لتنسيق العمليات. في البحرين، طال الاستهداف محطات اتصالات عبر الأقمار الصناعية من طراز AN/GSC-52B داخل مقر الأسطول الخامس الأمريكي في المنامة، وهو مركز حيوي لتنسيق العمليات البحرية في الخليج. ضرب هذه المحطات يعني تعطيل القدرة على نقل البيانات عالية السعة بشكل شبه فوري بين السفن والقواعد ومراكز القيادة.
وفي الإمارات، برز الحديث عن نظام الرادار AN/TPY-2 في قاعدتي الظفرة الجوية ومجمع الرويس، وهو عنصر أساسي في شبكة اعتراض الصواريخ الباليستية، إذ يعمل كرادار أمامي متقدم يزوّد منظومات الاعتراض ببيانات دقيقة لتوجيه الصواريخ الدفاعية. أي ضرر يلحق به ينعكس مباشرة على فعالية أنظمة مثل “ثاد” أو غيرها من وسائل الاعتراض، ويقلّص زمن الإنذار المتاح للقوات الأمريكية وحلفائها.
تكمن أهمية هذه الضربات في أنها تستهدف البنية التحتية “الناعمة الصلبة” في آن واحد: فهي ليست منصات إطلاق أو طائرات مقاتلة يمكن استبدالها سريعاً، بل شبكات معقّدة تتطلب سنوات من التخطيط والربط البرمجي والهندسي. تعطيل رادار أو عقدة اتصالات لا يعني فقط إسكات جهاز، بل إرباك منظومة كاملة تعتمد على التكامل اللحظي بين المستشعرات والقيادة والسيطرة.
كما أن توسيع نطاق الضربات ليشمل قطر والبحرين والكويت والسعودية والإمارات يعكس فهماً إيرانياً لطبيعة الانتشار الأمريكي الشبكي في الخليج الفارسي. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تعتمد على قاعدة واحدة، بل على منظومة مترابطة من المواقع. وبالتالي فإن ضرب عدة عقد في آن واحد يُربك القدرة على إعادة توزيع المهام أو تعويض الخسائر بسرعة.
من الناحية الاستراتيجية، توجّه إيران رسالة مزدوجة:
أولاً، كشف زيف ادعاءات الدول العربية عن حيادهم من المشاركة بالعدوان على إيران.
وثانياً، أنها قادرة على اختراق ما يُفترض أنه درع إنذار مبكر متقدم، ما يخلق حالة ردع نفسي وتقني في آن معاً.
فحين تصبح الرادارات نفسها أهدافاً مكشوفة، تتراجع الثقة في قدرة الدرع الدفاعي على حماية القواعد والقوات.



