الهند تستثمر في إفريقيا - ستراتيجيا نيوز
أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

الهند تستثمر في إفريقيا

تقرير قسم البحوث والدراسات الأفريقية بالمركز الدولي للدراسات الاستخراجية الامنية و العسكرية

اعداد: صبرين عجرودي

تمثّل القارة الإفريقية مجالا مغريا للكثير من القوى العالمية نظرا لما تتمتّع به من ثروات متنوّعة، و لا تجد هذه الأطراف صعوبة في الدخول أو التّمتع بالنفوذ داخل إفريقيا و يعود ذلك بالأساس للظروف الإقتصادية والاجتماعية المتدهورة التّي تعانيها المنطقة في ظلّ ضعف الحكومات المركزية وتغلغل الجماعات و التّنظيمات الإرهابية التّي عملت ولازالت تعمل على تطوير انشطتها والتحالف فيما بينها للسيطرة على مختلف المناطق التي تتواجد بها مستغّلة  بدورها الحروب والنزاعات الإثنية والقبلية  التّي خلّفها المستعمر داخل القارة نتيجة التّقسيم العشوائي للحدود.

في هذا الإطار، لا يمكن للهند كقّوة عالمية ناشئة أن لا تحوّل أطماعها نحو إفريقيا، فالتّعاون مع القارّة خصوصا يتيح لهذا البلد تحقيق حلمه المتمثّل في احتلال مكانة هامّة بين القوى العالمية التّي تراهن بشكل كبير على القارّة السمراء لزيادة قوّتها في العالم، لذلك لا يمكن أن لا يمثّل اكتساب النّفوذ داخل إفريقيا احد أهم الخطط الهندية من أجل السير نحو تحقيق وزن عالمي.

كان للتّشابه الكبير بين القارة السمراء والهند دور هامّ في التّخطيط لبرامج تعاونية دقيقة و ناجحة ، إذ تشترك المنطقتين في التنوع السّكاني دينيا وعرقيا وثقافيا، وهو ما ساهم بقدر كبير في اضطلاع الهند بأدوار مركزية مكّنتها من الوقوف كمنافس للقوى الكبرى ذات النفوذ داخل القارة .

دوافع توجّه الهند نحو القارة الإفريقية

كان تركيز الهند نحو القارة الإفريقية اقتصاديا بالأساس تخلّله بعض البرامج السّياسية،  كان الدافع الهام والأبرز في السعي نحو القارة الإفريقية هو زيادة الثّقل الدولي والبروز كمنافس حاد للقوى العالمية، وهو ما يساعدها في الظهور في الواجهة  عالميا والحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة .

امّا الأسباب الأخرى فهي خاصّة بالمنطقتين، فالكثافة السّكانية الضخمة للهند أدّت إلى تزايد حاجتها للتبادل التّجاري و فتح أسواق جديدة، في هذا الإطار تتبيّن مكانة القارة الإفريقية لما تتميز من أسواق كبيرة الحجم، فالهند تبحث عن أسواق جديدة للقيام بعمليات التبادل لمختلف بضائعها ناهيك عن عن سعيها لايجاد مصادر طاقة متجددة و تمثّل إفريقيا المجال الأنسب لتحقيق مختلف هذه الغايات، فضلا عن ذلك لا يمكن استبعاد الجانب التّكنولوجي من هذه الدوافع، فالهند تعتبر مساهما كبيرا في مجال التّكنولوجيا و المعلومات ليس على المستوى المحلي الوطني فحسب بل عالميا و هي ثاني اكبر مصدّر للبرمجيات بعد الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فهي تسعى دائما لمزيد التّسويق للتكنولوجيا للمناطق التي تشهد كثافة سكانية كإفريقيا .

ترحيب إفريقيا بالهند       

لم ترفض القارة الإفريقية مقترحات الهند في توطيد العلاقات الإقتصادية والسياسية ويعود ذلك بصفة رئيسية إلى السياسة النّاعمة التّي تنتهجها الهند في التّعامل مع  إفريقيا، إذ تعتبر الأخيرة أن طبيعة هذه البرامج و الخطط المعتمدة  اقتصادية أساسا و هدفها تحقيق الإستفادة لكلتا البلدين و ذلك على خلاف القوى العالمية الاخرى المتصارعة من أجل تحقيق المصالح السياسية الخاصة على حساب المنطقة .

كما ترى إفريقيا أنّ الهند لها خبرات و ميّزات هامّة تستطيع أن تحقق من خلالها قدرا كبيرا من الإستفادة في مختلف المجالات خاصّة المساهمة في التّنمية الإقتصادية كالمجال الزراعي و المجال العلمي و التكنولوجي .

هناك رؤيا نوعا ما دقيقة للعلاقات الإفريقية الهندية ، إذ ترا إفريقيا أن البلد الهندي هو نسخة عن القارة السمراء في صورتها المتطورة و المتقدمة و ذلك للتشابه الكبير بين المنطقتين في العديد من الخصائص الجغرافية و الإجتماعية و السياسية ، لذلك تمثل الهند  النموذج التي تطمح إفريقيا لأن تكونه  و بالتالي ستسعى للتعامل معاه و السير على خطاه .

كما اعتمدت الهند على العديد من الإستراتيجيات لتتمكّن من الدخول إلى القارة من بينها الظهور كمساند رئيسي للقضايا المنادية بتحرر الشعوب الإفريقية و مناهضة السياسيات الغربية و إثارة قضايا الميز العنصري ، فضلا عن ذلك انتهجت الهند نفس السياسة الصينية في السعي لبسط النفوذ ، و هي الإستثمار و ربط علاقات اقتصادية غير مشروطة سياسيا خلافا لسياسات القوى العالمية الاخرى ، أثار ذلك الرغبة الكبيرة للقارة الإفريقية في التعامل مع الطرف الهندي .

الإستراتيجيات الهندية المعتمدة في الدّخول إلى إفريقيا

تعتمد سياسات الهند في التغلغل داخل القارة على ثلاث استراتيجيات رئيسية وهي التبادلات التجارية و الإستثمار و اعتماد سياسة القمم، كما تقوم بتقديم مساعدات في الحالات القصوى للحصول على البترول، وهو ما قامت بيه في غرب إفريقيا من خلال تقديم عرض مبلغ دعم بقيمة مليار دولا لتحسين البنية التحتية مقابل السماح لها في البحث عن البترول في المنطقة، كما شملت استراتيجيات الهند المجال التعليمي بحيث تم ابرام اتفاقيات من أجل تحقيق التنمية البشرية من خلال تطوير البنى التحتية للمؤسسات التعليمية في إفريقيا وتحسين شبكات التنقل .

يجدر القول أنّ الهند لم تكن تعتمد على تقديم الدعم و المساندات المادية إلاّ في الحالات القصوى و يعود ذلك لإمكانياتها المحدودة، لذلك كانت المعادلة الرئيسية هي تحقيق اكبر قدر من الإستفادة بأقل التكاليف، في هذا الصدد تم توقيع اتفاقية بينها و بين الاتحاد الإفريقي بقيمة 135.6 مليون دولار بهدف تكوين شبكة اتصالات عبرالانترنات بين 53 دولة إفريقية بالإعتماد على الأقمار الصناعية وكابلات ألياف بصرية وربطها بالهند .

كانت الأرباح الهندية متمثلة في تصدير عدد كبير من معدات الإتصالات و الخدمات لاسواق التكنولوجيا الناشئة حديثا داخل القارة .

كان تركيز الهند موجها بشدة نحو الدول و المناطق الإفريقية القريبة منها ، كما كانت تعتمد كثيرا على دراسة جدوى المشاريع الإقتصادية و مدى تحقيقها للأهداف المنتظرة بالتعامل مع خبراء القارة والتعاون مع العديد من الدول خاصّة الواقعة في غرب إفريقيا كنيجيريا، السنيغال، غانا، و بوركينا فاسو ثم نامبيا ومالاوي في الجنوب وأثيوبيا في الشرق.

كانت الهند تقوم بتوقيع اتفاقيات مع دول شرق إفريقيا لإصلاح اراضيها الزراعية و كانت تعتمد في ذلك على مزارعيها الهنود الذين كانو يستاجرون الأراضي بأسعار رخيصة من أجل القيام بعملية الإصلاح .

من جهة اخرى كانت الهند تحافظ على ظهورها في عمليات حفظ السلام الدولية إذ شاركت في العمليات الخاصة بالصومال والكونغو الديمقراطية وعمليات اخرى .

كانت استراتيجيات الهند لا تعتمد على المنافسة المباشرة ، لذلك كانت تتخذ وقتا في القيام بالشراكات و الإتفاقيات بحيث تنشغل  بدراسة الأوضاع داخل القارة و البحث عن المناطق التي تستطيع من خلالها تحقيق مبدئها ( أكثر ربح مقابل اقل تكلفة ) دون الوقوع في منافسة مباشرة مع القوى العالمية ، عدم اعتماد الدخول بقوة ، و السعي فقط لبسط النفوذ تدريجيا .

مظاهر التعامل الهندي الإفريقي

 المستوى الغذائي

تُعد الإمكانيات الغذائية للهند أحد الركائز الهامة في العلاقات بين المنطقتين، إذ تعاني القارة الإفريقية عجزا غذائيا كبيرا فضلا عن ارتفاع في اسعار المواد الغذائية وضعف شديد في الإنتاجية الزراعية، في المقابل تنتج الهند أكثر من 260 مليون طن من الحبوب الغذائية و 269 مليون طن من المنتجات الزراعية كما تشارك بنسبة 18 % من الناتج المحلي الإجمالي للهند وبالنظر إلى أنّ النشاط الزراعي هو ركيزة الإقتصاد الهندي فإن 47 % من السكان يشتغلون في هذا المجال .

نتيحة لذلك ترى القارة الإفريقية أنّ الهند تمثّل فرصة هامة بالنسبة لها لتحقيق اكتفائها الغذائي والإستفادة من خبراتها في المجال الزراعي داخل القارة من أجل تحقيق الإكتفائ الخاص في المستقبل .

المستوى العسكري و الأمني

لدى الهند خبرة واسعة في صناعة الأسلحة و تجميعها ، في هذا الإطار ترى القارة الإفريقية أنّ لها فرصة كبيرة في التصدي للجماعات و الحركات الإرهابية من خلال توطيد العلاقات والتعاون المكثف في المجالات الأمنية و العسكرية مع الهند و استغلال ذلك كذلك لدعم الأمن البحري .

عالميا

ترحب القارة الإفريقية كثيرا بالهند لمساعيها في الوقوف إلى جانبها و مساندتها المستمرة عالميا، حيث كانت من الموقعين الأوائل على معاهدة الأمم المتحدة لعام 1962 المتعقلة بالميز العنصري، و ساهمت الهند كذلك ماديا في الصناديق المدعمة للتحرر الإفريقي.

اقتصاديا

نظرا لحاجة الهند الشديدة للموارد الطبيعية خاصة منها النفط  و الألماس و الحديد و الغاز، توجهت أنظارها مباشرة نحو القارة الإفريقية لتامين نشاطها المتطلّب لهذه الثروات و ذلك ما جعلها  تسارع لتكوين علاقات معها، بالإضافة إلى استغلال كبر حجم السوق الإفريقية لتتمكّن من تصدير منتجاتها و الترويج لها. في حين كان هاجس إفريقيا هو الإستفادة من التجربة الهندية والخروج من عتبة الفقر و العجز الإقتصادي الذي تعانيه خاصة وأنّ الهند لها العديد من الخبرات في مختلف المجالات و على رأيها التعامل مع الثروات الطبيعية.

و نظرا في أنّ منطقة الشرق الأوسط تُعد من أكثر المناطق الغنية بالنفط و خاصة السودان، قامت الهند باستثمار ما يقارب 750 مليون دولار امريكي في النفط السوداني، حيث قامت باشتراء 25 % من مجمعة حصص تاليمسان الكندية في شركة النيل السودانية بالإضافة إلى الجانب العديد من الإتفاقيات و البرامج الأخرى مع السودام في مجال النفط .

كما تعتمد الهند على منطقة الغرب الإفريقي خاصة على نيجيريا التي تغطي نسبة 12%  من حاجياتها النفطية .

و وفقا لوزارة الخاريجية في بنين يعيش ما يقارب 1300 هندي في المنطقة و توجد 230 شركة هندية ناشطة في المجال الإقتصادي كالنسيج والأرز والكاجو والتكنولوجيا والعديد من المنتجات الغذائية الأخرى .

أما فيما يخص التعاون مع جامبيا أقرت وزارة الخاريجية الهندية أن القروض التي قدمتها لها تناهز 90 مليون دولار أمريكي استخدمت لتمويل مصنع خاص بالشاحنات.

كما قامت الهند بفتح سفارتها على الأراضي الغينية وقد شهد التبادل التجاري ارتفاعا ملحوظا بين المنطقتين من 398 مليون دولار عام 2013 إلى 899 مليون دولار في عام 2018.

بالتالي تعد الهند واحدة من أهم القوى العالمية الصاعدة التي تمارس نفوذا في القارة الإفريقية ذو أساس اقتصادي، حيث تسير هذه الدولة على نفس خطى الصين في بسط النفوذ أي اعتماد السياسة الناعمة خلافا للقوى الخاريجية الأخرى التي لا تحظى بترحيب إفريقيا كثيرا نتيجة لسياساتها المعتمدة على الحروب  والنزاعات، كما تنتهج الهند استراتيجية النفوذ المتدرج دون إقحام نفسها في صراعات مع بقية الأطراف الأخرى النافذة، حيث تتمحور السياسة الهندية حول تحقيق المصالح دون الدخول في مواجهات قد تقوم بعرقلة اهدافها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق