أخبار العالماخترنا لكم

النفاق الغربي تجاوز كلّ الحدود والأعراف الدولية

تونس: 05 مارس 2022

كتبت منيرة رزقي مقالا بجريدة (الصحافة) جاء فيه:


ستضع الحرب الروسية الأوكرانية أوزارها حتما سواء أطالت أم قصرت، وستكون الخسائر التي سيتكبّدها الطرفان ثقيلة، ولكن الأخطر ربّما من كلّ هذا هي أنّها ستضيف إلى الإنسانية جرحا لن يندمل على غرار الحروب السابقة والدائرة الآن كما في فلسطين.


ولا أظنّ أنّ الغرب “الديمقراطي جدّا الحقوقي جدّا” بمؤسساته الرسمية وإعلامه المتسربل بالمهنية ومنظماته الحقوقية حاملة لواء النزاهة سيجد ما يكفي من ماء الوجه ليواجه بقية العالم بعد أن أسقطت عنه الحرب الروسية الأوكرانية آخر ورقة توت.


فقد انكشف وجه مؤسساته القميء وهي تتعامل بمنطق المكيالين مع الحرب الدائرة في أوكرانيا، كما أنّ المواقف التي تابعناها تشي بالنفاق الغربي الذي تجاوز كلّ الحدود والأعراف الدولية.
أما الإعلام الذي ما فتئ يلقّننا الدروس في كلّ مناسبة عن الموضوعية والنزاهة فقد سقطت أقنعته عند أوّل امتحان.


إذن، هو الغرب المحكوم بمركزية الرجل الأبيض يغربل البشر على أساس أعراقهم وألوانهم ويقسّم التعاطف الإنساني وفق الأمزجة والأهواء والمنفعة المادية المباشرة ولا تعنيه القيم الإنسانية التي تتشدّق بها منظماته الحقوقية وهي لا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت به هي فقط تصلح عندما يرومون مهاجمة بلد من العالم الثالث لا تتّسق سياساته مع مصالحهم ويلوّحون بها عندما يحاول بعض حلفائهم التمرّد على منطق التبعية.


بمنتهى الصفاقة أقحمت الرياضة والفنون والآداب في هذه الحرب التي لا نملك قطعا سوى إدانتها والتعاطف العميق مع كلّ المتضررين من نتائجها بشكل مباشر أو غير مباشر.


والحقيقة أنّ السلوك الغربي المقيت الذي انكشف في هذه الحرب يتراءى لنا في كلّ التفاصيل بدءً من عمليّة الإجلاء على الحدود والتي تقوم على أساس فرز عنصري بغيض يعتمد لون البشرة والعرق في المقام الأول فمن ينجح في هذا الاختبار يمرّ إلى الضفة الآمنة ومن لا يشفع له لون عينيه أو بشرته لا عزاء له ويبقى حيث الموت والدمار.


ومرورا بالتحاليل السياسية والتبريرات التي تؤكّد أفكار القطبية الغربية عن طريق القول بضرورة نجدة الأوكرانيين لأنّهم غربيون و”ويشبهوننا” هكذا قيل، وقيل أيضا إنّهم بلد متحضر في مقارنة مع باقي مناطق النزاع على غرار العراق وسوريا وفلسطين واليمن، وهي في نظرهم لا تستحق النجدة ولا ترتقي إلى درجة تجعلهم يتضامنون معها ويهبّون هبّة كبيرة إليها كما يحدث مع كييف، فالحق في الحياة الذي هو مسألة مبدئية يصبح خاضعا للون البشرة والجذور الإثنية.


وهذا مكمن المفارقة، وهنا نكتشف السقوط المدوي للمنظومة القيمية والحقوقية الأوروبية بالتحديد التي خلعت كلّ أقنعتها دون حياء أو مواربة معلنة عن عنصرية مقيتة إزاء الآخر الذي لا يدور في فلكها.


في السياق ذاته، أثبتت بعض المنظمات ووسائل الإعلام أنّها مجرّد أذناب لمركزية الغرب خلال حرب أوكرانيا وهي تتذيل المواقف التي ذكرناها آنفا فتابعنا مواقف مخزية لهياكل رياضية وفنية أقرّت مقاطعة روسيا غير مفرّقة بين السياسة وبين الفنّ والرياضة في خلط مقصود يدرك قدرة هذا الغرب على توظيف كلّ الأدوات للتعبير عن مركزيته ومواجهة الآخر الذي يختلف معه بل قدرته على استعمال كلّ الأسلحة القذرة إذا ما خاض غمار الحرب مع أعدائه.


وهنا، قطعا لا أحد منّا يستطيع أن ينسى الماضي الاستعماري لبعض الدول الغربية ولا مشاركتها الضمنية أو المباشرة في تدمير المنطقة العربية وولائها اللا مشروط لطفلتها المدلّلة “إسرائيل”، ولكن توقّع بعضنا أن لا يتمّ خرق كلّ القيم دفعة واحدة وبهذا الشكل الصفيق على مرأى ومسمع من الجميع وهو ما يؤشّر لتوتّرات جديدة تلوح في الأفق بين الشمال والجنوب.


أمّا بالنسبة إلى الإعلام “المتذيّل” للمواقف الرسمية الغربية، فلا نظنّ أنّ هناك من سيصغي لاحقا إلى “الفوشيك” الحقوقي الذي يطلقه في المنابر متشدقا بالحرية والنزاهة والموضوعية، فولاؤه المطلق للمصلحة عرّى سوأته ويكفي أنّ إحدى أبرز قلاع الصحافة في العالم صحيفة “لوموند” الفرنسية سقطت في هذا الفخ لندرك هذا المأزق الخطير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق