أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

الموزمبيق: بين الارهاب والاطماع الخارجية

 اعداد رباب حدادة: قسم البحوث والدراسات والعلاقات الدولية

المراجعة الدكتورة بدرة قعلول : رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية

تونس 08-09-2021

من دولة منعزلة في السواحل الشرقية لأفريقيا الى دولة تتصدر اخبارها صحف العالم وتستقطب اهتمام الدول الكبرى والشركات عبر القطرية.

بدأت الموزمبيق تعيش ازمة فعلية في 2013 عند اكتشاف حقول غاز ممتدة على المناطق البحرية الشمالية، منذ ذلك الوقت سلط الضوء عليها وجعل البعض يطلق عليها اسم “قطر افريقيا”، فرح بآمل انتعاش اقتصادي سرعان ما انقلب الى رعب وخوف وحرب وارهاب وقواعد لمجموعات مسلحة وكأن مقولة الثروات الطبيعية هي نقمة وليست نعمة تنطبق على الموزمبيق كما انطبقت على العديد من الدول الافريقية.

ما الذي يحدث في الموزمبيق؟ لما تم تدويل الارهاب فيها بهذه السرعة؟

وما الذي يخفيه التركز العسكري المتزايد في الشمال؟

1- “لعنة الثروات” تصيب الموزمبيق

تقع الموزمبيق في منطقة شرق افريقيا ويبلغ عدد سكانها 30 مليون نسمة بمساحة تبلغ 799.380 كيلومترا مربعا. وتعد من أغنى الدول الإفريقية بامتلاكها أكبر رواسب للياقوت الوردي في العالم، توجد خاصة في مقاطعة كابو ديلغادو، وتمتلك شركة “جيم فيلدز” البريطانية امتيازًا بالمقاطعة يوفر حوالي 40 % من الصادرات العالمية من الياقوت.

كما تمتلك موزمبيق أكبر احتياطي للغاز في دول شرق إفريقيا، وتاسع أكبر احتياطي عالمي يقدر بـ 5000 مليار متر مكعب، وقد انطلقت سلسلة من مشاريع الإستثمار في الغاز تجاوزت 150 مليار دولار، وحسب مختصين ستحتل موزمبيق خلال عقد من الزمن المرتبة الرابعة عالميا من حيث التصدير للغاز الطبيعي.

كما تحتل موزمبيق الصدارة بأكبر منجم للغرافيت في العالم يقع في مدينة بالما.

وفيما يتعلق بإنتاج الفحم، تمتلك الدولة رابع أكبر منجم للفحم في العالم وتستثمره شركة “فال”… وتطول قائمة الثروات في الدولة لكن بنسب أقل منها الذهب، البوكسيت، التانتلوم، التيتانيوم.

تتصارع الشركات النفطية والغازية على المنطقة منذ عقد من الزمن أقدمها تمركزا “أناداركو” الأمريكية و« إيني» الإيطالية وتلتحق بهما كل من الشركة  الفرنسية “توتال” والأمريكية “إكسون”.

برغم ضخامة الثروات إلا أن معدل التنمية البشرية ضعيف جدا إذ تحتل فيه الدولة حسب إحصائيات 2018 المرتبة 44 إفريقيا والمرتبة 180 عالميا، كما يعيش المواطنون بدخل ضعيف جدا، حيث يقدر معدل الدخل الفردي 1.2 دولار باليوم حسب إحصائيات 2018. غياب الحوكمة الرشيدة وسيطرة “اوليغارسية” للحزب الحاكم كانا أهم أسباب الضعف الاقتصادي وتدهور الوضع الاجتماعي وهو ما أدى بشكل مباشر الى تمدد الارهاب.

2 – فساد سياسي ومعارضة مسلحة

بعد اكتشاف حقول الغاز عرفت الموزمبيق اهتماما خاصا من الدول والقوى الكبرى والشركات والمؤسسات المالية الدولية. ففي 2014 عقد صندوق النقد الدولي قمة في العاصمة موبيتو بعنوان Africa Rising قدمت بعده للدولة تشجيعات وقروض مالية.

بعد سنتين فجرت صحيفة Wall Street Journal فضيحة الفساد المالي المتعلقة بإخفاء قروض بقيمة 2 مليار دولار اي ما يفوق 13 بالمائة من الناتج الداخلي الخام للبلاد.

منذ 2012 شهدت عائدات الموزمبيق الاقتصادية ارتفاعا ملحوظا نتيجة الاستثمارات الأجنبية في الثروات الطبيعية للبلاد، غير ان انتعاش الاقتصاد تزامن مع غياب الشفافية المالية للحكومة، ما جعل الدولة تصنف في المرتبة 64 من 117 في سلم شفافية الموازنة المالية العامة سنة 2019. كما قدرت الخسائر المالية الناتجة عن الفساد السياسي بين 2002 و2014 ما يقارب 5 مليار دولار وهو ما يعدل 30 بالمائة من الناتج الداخلي الخام للدولة.

أرسى الحزب الحاكم، جبهة تحرير الموزمبيق المعروف ب” فريليمو”، نظام اوليغارشي سيطر فيه على الساحة السياسية والاقتصادية من خلال احتكار القطاعات الاقتصادية والتجارة الشرعية وغير الشرعية واشارت بعض التقارير الى تورط الحزب الحاكم في تجارة الهيروين خاصة وان الموزمبيق تعد نقطة هامة في مسالك تجارة الممنوعات الرابط بين اسيا وافريقيا الوسطى.

بعد 2016 تتالت فضائح الفساد المالي للحزب الحاكم اهمها سرقات صندوق الدعم الفلاحي وتوظيف موارد صندوق الضمان الاجتماعي من اجل شراء طائرات خاصة وغيرها من الجرائم التي زادت من الغضب الشعبي  واججت المعارضة.

بعد امضاء اتفاق سلام في 1992، عادت المعارضة المسلحة للنشاط سنة 2013 ممثلة في حركة” رينامو/ Renamo ” وهي حركة تمرد قديمة أصبحت تنشط ضمن حزب سياسي معارض وقامت بهجمات مسلحة في مناطق استراتيجية في الشمال والوسط.

بعد سقوط القائد التاريخي للمعارضة” Afonso Dhlakama ” سنة 2018 وتنامي التيارات الدينية المتطرفة في الدولة أجبر كل من المعارضة والسلطة الحكومية  على ايجاد أرضية تفاهم وعقدا اتفاق سياسي ضمني قامت فيه المعارضة بتسليم أسلحتها ودمج بعض من جنودها في القوات المسلحة للدولة، في مقابل فتح السلطة الحكومية المجال للمعارضة بالنشاط السياسي بشكل رسمي وتسليمهم خطط محلية وجهوية، تمّ تتويج هذا المسار بتوقيع اتفاقية سلم في 2019 سلّم على اثره 5 الاف مقاتل من المعارضة أسلحتهم.

تظافرت بذلك كل القوى الوطنية من معارضة وسلطات حكومية من أجل مجابهة التنظيمات المتطرفة التي سيطرت على الشمال وأمتدت ودعمت الجهود الوطنية قوى عسكرية أجنيبة تعمل على حماية شركاتها واستثماراتها في الموزمبيق.

لم تعد الموزمبيق تعاني نقصا في الامكانيات العسكرية لصد التمدد الارهابي بل اصبحت تعاني ازدحاما عسكريا.

3- تنامي الارهاب والتيارات المتطرفة

أول هجوم ارهابي عرفته الموزمبيق كان في الخامس من اكتوبر 2017 في “موسيبوا دا بريا”، شمال البلاد. التيارات الدينية المتطرفة غزت الموزمبيق منذ ثلاث عقود حين عادت مجموعة من الشيوخ المتطرفين الى الموزمبيق ودعوا الى تطبيق تعاليم دينية متطرفة وأخذوا في تعليم الاطفال والشباب وبناء مساجد جديدة ودخلوا في صراع مع الشيوخ المحليين والتيارات الصوفية من خلال خطابات دينية عنيفة في المساجد.

بعد التوتر بين الاصوليين والسلطات السياسية منذ 2013 حين بدأ الرفض الصريح لقوانين الدولة المخالفة للشريعة الاسلامية ورفضوا النظام المؤسساتي وعملوا على تأسيس نظامهم الخاص داخل الدولة. ويعيد البعض هذا التحول الى دخول قيادات حركة الهجرة الكينية التي أسسها “عبود روجو محمد” بعد اغتيال الاخير في 2012 وتفكك الحركة.

بعد ترسيخ الايديولوجيات المتطرفة في وعي فئة كبيرة من الناشئة طيلة عقود انتهت مرحلة التكوين الايديولوجي بتشكيل تنظيمات ارهابية على شاكلة “أهل الشريعة والسنة” الذي يتبع داعش ويعرف محليا باسم “حركة الشباب” في 10 مارس 2021 صنفت واشنطن تنظيم ” أهل الشريعة و السنة “و”الدولة الاسلامية: امارة افريقيا الوسطى” وتنظيم “مدينة التوحيد والمجاهدين” الاوغندية، تنظيمات ارهابية تابعة لداعش.

يضم التنظيم الى جانب المحليين اللذين تربطهم صلات وثيقة بقيادات تنظيم داعش، مجموعات متفرقة من المتطرفين التابعين الى تنظيمات افريقية كحركة الشباب في الصومال وأهل الهجرة الكينية ومتطرفين من تنزانيا. أنضم أغلبهم الى أهل الشريعة في 2016 بعد ضغط الحكومات عليهم، ومنذ ذلك الوقت دخلت المجموعة مرحلة جديدة من العنف المسلح.

كان لأتباع “روجو محمد” علاقات ممتدة مع التنظيمات الارهابية في الشرق الافريقي خاصة حركة الشباب الصومالية وهو ما مكّن أهل الشريعة من الحصول على دعم مالي ولوجستي لتنفيذ عملياتها.

 هذا التنظيم يشبه الى حد كبير بوكوحرام في ايديولوجيته و تشكله، فهو نتيجة لتطور توجه ديني اصولي استهدف الاطفال والشباب منطلقا من رفض شعبي للواقع الاجتماعي وتنامي الفساد السياسي، فالمقاطعات الشمالية الثلاث، كابو ديلغادو ونياسا ونامبولا، التي تتركز فيها المجموعات الارهابية، هي في ذات الوقت أغنى المقاطعات من حيث الموارد الطبيعية وأكثرها تهميشا وضعفا من الجانب الاجتماعي.

يمتد التنظيم بسرعة، ويجعل البعض يذهب للاعتقاد بدعمه وتسليحه من قبل جهات رسمية، كما يعرف “بفضاعة” عملياته الارهابية، التي وصلت الى احراق قرى واعدام الاطفال حسب ما نقلته تقارير منظمة “أنقذوا الأطفال” للإغاثة. عمليات ارهابية ذهب ضحيتها 3000 شخص منذ 2017 وأجبر 700 ألف ساكن الى النزوح والهجرة الى مناطق اخرى بعيدا عن مقاطعات الشمال.

4- تدويل الارهاب في الموزمبيق

بلغ الوضع الأمني في كابو دلغادو، أقصى الشمال، ذروة تأزمه منذ بداية 2021 ما جعل شركة “توتال” تعلق أعمالها الاستثمارية في المنطقة. هناك تركيز لشركات عملاقة أجنبية استثمرت بمبالغ هائلة، فمنشأة “توتال” تقدر ب20 مليار اورو، في حين ان الشركة الامريكية “اكسون موبايل” استثمرت ب 30 مليار دولار و “ايني” الايطالية ب 7 مليار دولار.

الى جانب الشركات الكبرى تملك قوى أجنبية كالصين، الهند، تايلاند، كوريا الجنوبية، البرتغال، واليابان شركات اخرى تستثمر في الغاز الطبيعي، استثمارات تتراوح في مجملها حسب المختصين بين 50 و 100 مليار دولار.

هذه الدول تعمل على حماية منشآتها أما بالتدخل العسكري لقواتها، أو من خلال شركات قتالية توظفها الشركات المذكورة.

أولى الدول التي قدمت دعما عسكريا، رواندا التي أرسلت 1000 جندي الى المزمبيق في شهر جويلية 2021 وكان لها الفضل في استرجاع مدينة “بالما” من سيطرة الارهابيين.

بعد اوغندا بفترة قصيرة في شهر اوت 2021 تدخلت دول مجموعة التنمية لجنوب افريقيا (SADC والتي تعتبر معنية بشكل مباشر بالتمدد الارهابي في الموزمبيق.

 أما الزيمبابوي ارسلت ما يقارب 2900 جندي في اطار عمل مجموعة “سادك” الى جانب ارسال اطارات عسكرية لتدريب الجيش الموزمبيقي، ضمن اتفاقية ثنائية بين البلدين.

بالنسبة الى جنوب افريقيا، فتعتبر ثاني مشارك بأكبر عدد من الجنود ب1500 جندي.

من جهتها أرسلت انغولا20 مستشار عسكري.

القوى الدولية الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية، أرسلوا ضمن مهمات مشتركة اطارات عسكرية لتدريب الجيش النظامي للدولة.

فالاتحاد الاوروبي قرر في جويلية 2021 ارسال 300 جندي للقيام بمهام تدريبية كما تم تمديد المهمة البحرية العسكرية EUNAVFOR Atalanta المتركزة في سواحل الصومال لتشمل كل من تنزانيا والموزمبيق.

 أما البرتغال باعتبارها تاريخيا القوة الاستعمارية التي خضعت لها الموزمبيق، واللغة البرتغالية هي اليوم اللغة الرسمية للدولة، أرسلت 60 مدرب في أفريل 2021 وأمضت اتفاقا ثاني في موبيتو في شهر ماي، يقتضي ارسالها نفس العادة من العسكريين في الفترة القادمة.

فرنسا كذلك تعد من أبرز الداعمين لعملية مكافحة الارهاب في الموزمبيق بعد لقاء الرئيس الفرنسي بالرئيس الموزمبيقي، في 28 ماي 2021، بالرغم من أن الدولتين يجمعهما اتفاق تعاون عسكري منذ2004  ، الا أن التعاون العسكري المقرر في ماي كان نتيجية ضغط من شركة “توتال” التي علقت أعمال منشآتها في “بالما” في أفريل 2021 ونقلت عمالها للاستقرار مؤقتا في العاصمة” موبيتو”.

الى جانب القوات الاقليمية والدولية عملت الحكومة الموزمبيقية على التعاقد مع شركات قتال خاصة أهمها الروسية” Wagner”  والجنوب افريقية” Dyck Advisory  ” كما تم استدعاء شركات اخرى بناء على طلب الشركات النفطية منها المجموعة القتالية “Lancaster 6 DMCC” التابعة لـ”ايريك برانس” مؤسس شركة “Blackwater”.

تم تدويل مكافحة الارهاب في الموزمبيق حيث تخشى الدول المجاورة تمدد الارهاب الى دولها وتخشى القوى الكبرى تضرر مصالحها ومنشآت شركاتها.

في الاشهر الاخيرة ازدحمت أراضي الشمال بالمقاتلين النظاميين والمتعاقدين وسط خوف دولي من أن تعيش الموزمبيق سيناريو مالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق