الصين تحدد هدف التنمية عالية الجودة في عام 2026 وما بعده وسط الاقتصاد العالمي الضعيف

قسم البحوث والدراسات 07-03-2026
حددت الصين مؤخرا هدفا لنموها الاقتصادي يتراوح بين 4.5 و5 بالمائة لعام 2026 بهدف تحقيق بداية جيدة للخطة الخمسية الجديدة التي ترسم مسار التنمية عالية الجودة وتوفر يقينا تشتد الحاجة إليه لاقتصاد عالمي متعثر.
وقال تقرير عمل الحكومة المقدم إلى الهيئة التشريعية العليا في البلاد للمداولة في يوم 5 مارس الجاري، إن هدف نمو الناتج المحلي الإجمالي يتماشى جيدا مع أهداف الصين طويلة المدى حتى عام 2035 ويتماشى على نطاق واسع مع إمكانات النمو طويلة المدى للاقتصاد الصيني.
وفي هذا السياق، قال شن دان يانغ رئيس المجموعة المسؤولة عن صياغة تقرير عمل الحكومة لهذا العام، إن هدف النمو الاقتصادي الصيني لعام 2026 استباقي وبراغماتي يعكس تقييما واسعا للظروف الداخلية والتحولات في البيئة الخارجية.
وأضاف شن أن الوتيرة المتوقعة ستكون أيضا من بين الأعلى بالنسبة للاقتصادات الكبرى على مستوى العالم.
وبدوره، قال تشانغ يينغ مساعد عميد كلية قوانغهوا للإدارة في جامعة بكين خلال مقابلة مع وكالة أنباء شينخوا: “إن الإشارة التي يرسلها هذا الهدف إلى المجتمع الدولي واضحة بأن الصين لم تعد تسعى إلى تحقيق سرعة النمو وحدها. يعكس هدف هذا العام التزام الصين الراسخ بالتنمية عالية الجودة”.
وأوضحت البلاد أنها ستسعى جاهدة إلى تحقيق ما هو أفضل عمليا فيما يتعلق بهدف النمو لهذا العام، حيث تتوفر ظروف مواتية لتحقيق هذا الهدف، وفقا للتقرير.
مزيد من التأكيد
وحدد تقرير عمل الحكومة المهام الرئيسية للعام الجاري بما في ذلك بناء سوق محلية قوية، وتعزيز محركات نمو جديدة بوتيرة أسرع، والتحرك بشكل أسرع لتحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات والقوة في العلوم والتكنولوجيا.
ولتحقيق هذه الأهداف، ستواصل الصين تنفيذ سياسة مالية أكثر استباقية وتطبيق سياسة نقدية تيسيرية معتدلة. وتسلط هذه التوجهات الضوء على استمرارية السياسات وتقدم مزيدا من الطمأنينة للاقتصاد العالمي المتأثر بالتوترات التجارية والجيوسياسية.
تعني القوة الاقتصادية العالمية للصين أن تتميز تحركات سياستها بأهمية حاسمة للاقتصاد العالمي، حيث شهدت البلاد خلال فترة الخطة الخمسية الـ14 (2021-2025) نمو اقتصادها بمتوسط 5.4 في المائة سنويا، وهو أعلى بكثير من المتوسط العالمي، كما ساهمت بحوالي 30 في المائة من النمو العالمي.
وظلت البلاد ثاني أكبر مستورد في العالم لمدة 16 سنة متتالية، وأثبتت مكانتها كأكبر تاجر للسلع في العالم، وأصبحت شريكا تجاريا رئيسيا لأكثر من 160 دولة ومنطقة.
ومن المتوقع أن يزداد وزن هذا الدور. ووفقا لتوقعات البنك الدولي، فيما يتوقع تراجع النمو العالمي إلى 2.6 في المائة في عام 2026. وإذا ثبتت صحة التوقعات المذكورة، فإن فترة العقد الحالي من القرن الجاري تسير في الطريق لتكون أضعف عقد للنمو العالمي منذ ستينيات القرن الماضي.
وجاء في تقرير عمل الحكومة أن “المنجزات المحققة في العام الماضي لم تأت بسهولة. وواجهنا الوضع المعقد والخطر الناجم عن تشابك وتراكب الصدمات والتحديات الخارجية النادرة الحدوث خلال سنوات عديدة ومشاكل الخيار الحرج والصعب داخل بلادنا.”
التنبؤ طويل المدى
في علامة على الطمأنينة للاقتصاد العالمي المضطرب على المدى الطويل، كشفت الصين يوم الخميس الماضي عن مجموعة من أولويات التنمية لفترة الخطة الخمسية الـ15 (2026-2030).
تحدد الخطة الخمسية الـ15 مرتكزا واضحا: مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للصين لعام 2020 بحلول عام 2035 ليصل إلى مستوى الدول متوسطة التقدم. ولتحقيق هذه الغاية، سيتطلب الأمر اجتياز مرحلة متوسطة اختارت الصين عدم المبالغة في توصيفها، حيث سيتم تحديد أهداف النمو السنوية كل عام على حدة، ما يعني مرونة تعكس كلا من الثقة في المسار التنموي والوعي بعوامل عدم اليقين التي تلوح في الأفق.
وتمثل الخطة الخمسية الـ15 مرحلة محورية في مسيرة التحديث الصيني النمط، وتتجاوز طموحات البلاد مقاييس النمو المحلي بكثير. ومن خلال توجيه رؤوس الأموال نحو التكنولوجيات المتقدمة وتعميق الروابط التجارية والاستثمارية وتعزيز التنمية الخضراء، فإن هذه الخطة تستعد للتأثير على الاقتصاد العالمي عبر أبعاد متعددة، من وتيرة التحول الطاقي إلى مشهد التصنيع المتقدم في جميع أنحاء العالم.
وفي هذا السياق، قال سيمون سميث المدير العام لشركة “تايكو” المحدودة لخدمات المحركات (شيامن)، وهي فرع هندسي لمجموعة شركة “سواير” متعددة الجنسيات، إن وضوح السياسات على المدى الطويل يغير حسابات الشركات متعددة الجنسيات العاملة في الصين.
وأضاف سميث خلال مقابلة مع وكالة أنباء شينخوا: “تحول الخطة الخمسية قرارات الاستثمار من رهانات احتمالية إلى تموضع استراتيجي محسوب”، مضيفا: “بدون الخطة، قد تتردد الشركة في توسيع قدرة معينة أو الاستثمار، وستكون غير متأكدة مما إذا كان الدعم التنظيمي وتوفر العمالة الماهرة أو طلب العملاء سيتوفر أم لا”.
ويأتي هذا التموضع الاستراتيجي مع خارطة طريق ملموسة. فوفقا لأجندة التكنولوجيا الصينية، ستقوم البلاد بتنمية الصناعات الناشئة وصناعات المستقبل. وخلال الفترة ما بين عامي 2026 و2030، ستقوم الصين بتعزيز محركات جديدة للنمو الاقتصادي مثل تكنولوجيا الكم والتصنيع البيولوجي وطاقات الاندماج النووي والهيدروجين، وواجهة الربط بين الدماغ والآلة، والذكاء الاصطناعي المجسد، والجيل السادس من الاتصالات المحمولة.
وبدوره، قال هو جين بوه، مستشار سياسي على مستوى وطني ورئيس معهد شانغهاي للكيمياء العضوية، إن السنوات الخمس القادمة تمثل نافذة حاسمة لتحول الاقتصاد الصيني من النمو السريع إلى النمو عالي الجودة، وسيكون الابتكار العلمي والتكنولوجي بمثابة المحرك الأساسي لهذا التحول.
فرص أوسع
ومع استمرار الصين في تحقيق اختراقات في الابتكار العلمي والتكنولوجي، يمكن للدول النامية الاستفادة من تجربة الصين لتسريع تصنيعها الخاصة، بينما ستكسب الدول المتقدمة أيضا فرصا أوسع للتعاون في التصنيع المتقدم والتكنولوجيات الرائدة، بحسب هو.
أما بالنسبة لبقية العالم، فإن ما قد يكون الأكثر أهمية على المدى الطويل ليس معدل النمو، بل تكوينه. لقد وضعت الصين هدفا صريحا لزيادة استهلاك الأسر كحصة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس المقبلة.
وبالنسبة للاقتصاد العالمي الذي يعاني من وطأة التوترات التجارية والتجزؤ الجيوسياسي والنمو الضعيف، فإن تعهدات الصين بالحفاظ على نموها المستقر وفتح سوقها الواسع أكثر للعالم، تقدم ملاحظة نادرة من التنبؤ.
فوفقا لمقال حديث نشرته “بلومبرغ” نقلا عن روبن شينغ كبير الاقتصاديين الصينيين في مؤسسة “مورغان ستانلي” الأمريكية للخدمات المالية والاستشارية، فإن اقتصاد الصين الأكثر توازنا والمدعوم بزيادة الطلب المحلي سيولد آثارا واسعة النطاق على الصعيد العالمي.
وأضاف شينغ: “ستستفيد الشركات الصينية والأجنبية على حد سواء من عمق وحجم سوق الصين، ما سيساعد على التخفيف من التحديات الجيوسياسية الحالية”.
وبحسب تقرير عمل الحكومة، ستعمق الصين هذا العام إصلاح الإطار المؤسسي لتعزيز الاستثمار الأجنبي. وستفتح أبوابها بشكل أوسع للعالم الخارجي، مع بذل جهود لتوسيع فرص الوصول إلى السوق وفتح المزيد من المجالات، وخاصة في قطاع الخدمات.
وسلط تشانغ الضوء على ثلاثة جوانب للفرص التي توفرها الصين للمستثمرين العالميين وهي: سوق موحد ضخم مع تزايد قوة الشراء للسكان، وسلاسل إمداد فعالة وذات تكلفة منخفضة، وبيئة تنظيمية أكثر انفتاحا وتشجع على الاستثمار.
وقال تشانغ: “على خلفية التقلبات العالمية والرياح المعاكسة الاقتصادية الكلية، توفر هذه الأساسيات جاذبية كبيرة للمستثمرين والشركات الدولية”.
المصدر وكالة شينخوا



