الصومال بين دعوة الحوار وأزمة الانتخابات وتصاعد المواجهات في الجنوب الغربي

قسم الاخبار الدولية 26-10-2026
الرئيس حسن شيخ محمود يفتح الباب أمام مفاوضات مع المعارضة وسط خلافات بشأن التعديلات الدستورية والاقتراع المباشر، فيما يهدد التصعيد الأمني في ولاية جنوب غرب بتعميق الانقسام داخل النظام الفيدرالي.
دعوة رئاسية للحوار وسط انقسام سياسي متصاعد
دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الأحد 25 أكتوبر 2026، القوى السياسية المعارضة إلى الدخول في حوار جديد بشأن مستقبل العملية الانتخابية والتعديلات الدستورية، في محاولة لاحتواء الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. وأكد الرئيس، في خطاب وطني، أن باب الحوار يظل مفتوحاً أمام مختلف الأطراف، مشدداً على ضرورة إدارة الخلافات السياسية من خلال التفاهم والتوافق بدلاً من اتخاذ خطوات من شأنها تهديد استقرار البلاد ووحدتها.
وأعلنت الرئاسة الصومالية أن الدعوة ستُترجم إلى إجراءات رسمية لتوجيه الدعوات إلى الأطراف المعنية للمشاركة في منتدى للحوار، من دون تحديد موعد أو مكان لانعقاده. وتأتي المبادرة في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، إلى جانب عدد من الإدارات الإقليمية، بشأن الإطار الدستوري والانتخابي الذي ستُجرى بموجبه الانتخابات الوطنية المقبلة.
ولا تقتصر الأزمة على تحديد موعد الانتخابات، بل ترتبط بطبيعة النظام السياسي وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، فضلاً عن آليات اختيار ممثلي الشعب. وبينما تدفع الحكومة نحو الانتقال إلى نظام الاقتراع المباشر، ترى قوى معارضة أن هذا التحول يحتاج إلى اتفاق سياسي أوسع يضمن مشاركة مختلف الأطراف في تحديد قواعد العملية الانتخابية.
وبحسب تقرير نشرته وكالة «غوبجوغ نيوز» في 26 أكتوبر، فإن الدعوة الرئاسية تأتي في ظل استمرار الخلافات حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية، من دون ضمانات حتى الآن بشأن قبول المعارضة المشاركة في الحوار المقترح.
خلاف حول الدستور وشرعية الاستحقاقات المقبلة
تعود جذور المواجهة السياسية الحالية إلى التعديلات الدستورية التي أُقرت في مارس 2026، والتي تضمنت تمديد مدة الولايات الرئاسية إلى خمس سنوات. وقد أثارت هذه التعديلات اعتراضات من قوى سياسية معارضة وإدارات إقليمية، اعتبرت أن تغيير القواعد الدستورية في ظل غياب توافق سياسي واسع يثير إشكالات تتعلق بشرعية المرحلة الانتقالية وتوقيت الانتخابات.
وكان من المقرر أن تنتهي الولاية الرئاسية لحسن شيخ محمود في مايو 2026 وفق الإطار السابق، غير أن الحكومة تتمسك بأن التعديلات الدستورية الجديدة تسمح باستمرار ولايته حتى مايو 2027. وفي المقابل، ترفض المعارضة هذا التفسير، معتبرة أن التعديلات لا ينبغي أن تُطبّق على المؤسسات القائمة من دون اتفاق سياسي شامل.
وتفاقمت الخلافات بعد إعلان اللجنة الانتخابية جدولاً زمنياً يقضي بإجراء الانتخابات البرلمانية في 15 أبريل 2027، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في 15 مايو من العام نفسه. ورغم ترحيب الحكومة بالجدول المعلن، رفضت أطراف معارضة هذا المسار، مطالبةً بالتوصل إلى اتفاق مسبق بشأن النظام الانتخابي وشروط تنظيم الاقتراع.
ويمثل الخلاف حول الانتخابات انعكاساً لأزمة أوسع تتعلق بطبيعة النظام الفيدرالي الصومالي. فالحكومة المركزية تسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتوسيع المشاركة الشعبية المباشرة، بينما تخشى أطراف معارضة وإدارات إقليمية من أن يؤدي فرض قواعد انتخابية من جانب واحد إلى تقليص نفوذ الولايات وإضعاف التوازن السياسي بين مقديشو والأقاليم.
الاقتراع المباشر في مواجهة النظام الانتخابي غير المباشر
يُعد الانتقال إلى الاقتراع المباشر أحد أبرز المشاريع السياسية التي تدافع عنها إدارة حسن شيخ محمود. فقد اعتمدت الصومال لسنوات طويلة نظاماً انتخابياً غير مباشر، يقوم على دور شيوخ العشائر والمندوبين في اختيار أعضاء البرلمان، الذين يتولون بدورهم انتخاب رئيس الجمهورية. وقد ارتبط هذا النظام بترتيبات تقاسم السلطة بين المكونات العشائرية، لكنه تعرض لانتقادات تتعلق بمدى تمثيله المباشر لإرادة المواطنين.
وتقول الحكومة إن توسيع الاقتراع المباشر يمثل خطوة نحو تعزيز المشاركة السياسية وإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، مشيرةً إلى الانتخابات المحلية التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد. وأعلن الرئيس أن الاقتراع المباشر في ولايات جنوب غرب وغلمدغ وهيرشبيلي وإقليم بنادر شمل 50 دائرة، وأن أكثر من 1.82 مليون مواطن سجلوا أسماءهم للتصويت في 1102 مركز انتخابي، وفق الأرقام التي عرضها في خطابه.
لكن المعارضة لا ترفض بالضرورة مبدأ توسيع المشاركة الشعبية، بقدر ما تركز على ضرورة الاتفاق على القواعد التي تحكم الانتقال إلى النظام الجديد. وتشمل نقاط الخلاف إدارة الانتخابات، وصلاحيات المؤسسات المشرفة عليها، ودور الولايات الفيدرالية، ومدى توافق التعديلات الدستورية مع التوازنات السياسية القائمة.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل في تنظيم الانتخابات من الناحية الفنية فقط، بل في بناء توافق سياسي يمنح نتائجها قبولاً واسعاً. ففي بيئة سياسية تتسم بضعف الثقة بين الحكومة وبعض الإدارات الإقليمية، قد يؤدي فرض جدول زمني أو قواعد انتخابية غير متفق عليها إلى تعميق الانقسام بدلاً من احتوائه.
مواجهات جنوب غرب البلاد تكشف هشاشة التوافق الفيدرالي
بالتوازي مع الأزمة الانتخابية، تشهد ولاية جنوب غرب الصومال توتراً أمنياً مرتبطاً بالصراع على السلطة والنفوذ بين الحكومة الفيدرالية والقوى الموالية للرئيس الإقليمي السابق عبد العزيز حسن محمد لفتاغارين. وقد تحولت الخلافات السياسية والدستورية إلى مواجهات مسلحة في محيط مدينة بيدوا، العاصمة الإدارية للولاية، واتسع نطاق التوتر ليشمل مناطق أخرى من إقليم باي ومناطق مجاورة.
وتعود خلفية المواجهة إلى الخلاف بشأن إدارة الولاية ومسار الانتخابات المحلية، فضلاً عن معارضة الإدارة الإقليمية السابقة للتعديلات الدستورية التي تدعمها الحكومة الفيدرالية. وفي مارس الماضي، سيطر الجيش الصومالي على بيدوا، قبل أن يعلن لفتاغارين استقالته من منصبه، في تطور كشف حجم التوتر بين مقديشو والسلطات الإقليمية.
وخلال أكتوبر، تجددت المواجهات بين القوات الحكومية ومقاتلين موالين لفتاغارين، وسط تقارير عن تحركات ميدانية وتغيرات في السيطرة على بعض المناطق. كما اتهمت أطراف محلية الحكومة باستخدام القوة لفرض ترتيبات سياسية وانتخابية لا تحظى بتوافق شامل، في حين بررت السلطات الفيدرالية عملياتها باعتبارات أمنية. وتظل بعض الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم العسكري الخارجي أو الصلات بالجماعات المسلحة غير مثبتة بصورة مستقلة، الأمر الذي يستدعي التعامل معها بحذر.
ويشير تحليل نشره مركز «تشاتام هاوس» في 16 أكتوبر 2026 إلى أن الأزمة الصومالية تتجاوز التنافس على المناصب، إذ ترتبط بمستقبل توزيع السلطة داخل النظام الفيدرالي، في ظل تزايد الاستقطاب بين الحكومة المركزية وعدد من الإدارات الإقليمية. ويحذر التحليل من أن استمرار المواجهات المسلحة قد يحوّل الخلاف السياسي إلى صراع أطول أمداً، خاصة مع دخول أطراف خارجية على خط التنافس بين القوى المحلية.
التداعيات الأمنية: خطر إضعاف مواجهة حركة الشباب
تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الصومال تواجه تحديات أمنية متواصلة، في مقدمتها نشاط حركة الشباب المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي تنفذ هجمات وتحتفظ بوجود في مناطق ريفية من جنوب البلاد ووسطها. ويثير اتساع الخلافات بين القوات الحكومية والقوى المحلية مخاوف من تراجع التنسيق الأمني، وتحويل الموارد العسكرية والبشرية بعيداً عن العمليات الموجهة ضد الجماعات المسلحة.
فكلما انشغلت المؤسسات الأمنية بالصراع الداخلي، ازدادت صعوبة الحفاظ على الضغط الميداني على حركة الشباب، كما قد تستفيد الجماعات المسلحة من الانقسامات السياسية لتوسيع نفوذها أو إعادة تنظيم صفوفها في المناطق التي تعاني ضعفاً في حضور الدولة. ولا يعني ذلك أن الجماعات المسلحة تتحكم في مسار الأزمة السياسية، لكنه يبرز العلاقة المباشرة بين التوافق الداخلي وقدرة الحكومة على تنفيذ استراتيجيتها الأمنية.
كذلك، تثير المواجهات مخاوف إنسانية، لا سيما في المناطق التي تعاني أصلاً من آثار النزاعات المسلحة والجفاف والنزوح. وقد يؤدي تجدد القتال إلى تعطيل الخدمات العامة والأنشطة الإنسانية، ويزيد الضغط على السكان الذين يعتمدون على المساعدات أو يعيشون في مناطق غير مستقرة.
وفي هذا السياق، يصبح احتواء الأزمة السياسية جزءاً من المعالجة الأمنية، وليس مجرد مسألة تتعلق بالتنافس على السلطة. فالتوافق حول الانتخابات وتوزيع الصلاحيات يمكن أن يساعد في تقليل احتمالات المواجهة، ويتيح توجيه الجهود نحو التحديات الأمنية والإنسانية الأكثر إلحاحاً.
البعد الإقليمي: تنافس خارجي في بيئة هشة
تكتسب الأزمة الصومالية أهمية إضافية بسبب الموقع الاستراتيجي للبلاد على خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وهي منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة. وقد أقامت الصومال علاقات أمنية واقتصادية مع شركاء خارجيين، فيما تتباين علاقات هؤلاء الشركاء مع الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية.
ويشير تحليل «تشاتام هاوس» إلى أن التنافس الإقليمي، ولا سيما بين تركيا والإمارات، يتداخل مع الانقسامات الداخلية الصومالية، إذ ترتبط بعض القوى المحلية بعلاقات خارجية تمنحها دعماً سياسياً أو اقتصادياً أو أمنياً. ويمكن لهذه الروابط أن تؤثر في حسابات الأطراف المحلية، خصوصاً عندما تسعى الإدارات الإقليمية إلى موازنة نفوذ الحكومة المركزية أو تعزيز موقعها التفاوضي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في التنافس الخارجي وحده؛ فالأسباب الداخلية، وفي مقدمتها الخلافات حول الدستور والانتخابات وتوزيع السلطة، تظل المحرك الأساسي للمواجهة. لكن تداخل هذه الأسباب مع المصالح الإقليمية قد يجعل التوصل إلى تسوية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تحولت الخلافات المحلية إلى جزء من تنافس أوسع على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
الحوار بوصفه اختباراً لمستقبل النظام الفيدرالي
تضع الدعوة الرئاسية الجديدة الأطراف الصومالية أمام اختبار سياسي مهم: هل يمكن تحويل الاستعداد المعلن للحوار إلى اتفاق يحدد قواعد الانتخابات المقبلة ويعيد تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية؟ أم أن الخلافات حول الشرعية الدستورية وتوزيع السلطة ستستمر في تعطيل التوافق وتغذية التوترات الأمنية؟
يتطلب تجاوز الأزمة التوصل إلى تفاهم بشأن الإطار الانتخابي، وضمان مشاركة المعارضة والإدارات الإقليمية في صياغة القواعد المنظمة للاستحقاقات المقبلة، إلى جانب وضع ترتيبات تحد من احتمالات استخدام القوة في النزاعات السياسية. كما تبرز أهمية دور المؤسسات الإقليمية والشركاء الدوليين في دعم جهود الوساطة، من دون فرض حلول تتجاهل التوازنات المحلية أو تستبدل التوافق الوطني بتفاهمات خارجية.
وفي المحصلة، تعكس الأزمة الصومالية ترابطاً وثيقاً بين مسألة الشرعية السياسية والأمن الوطني. فبينما تحاول الحكومة الانتقال إلى نظام انتخابي أكثر مباشرة، تظل قدرة هذا المشروع على الاستمرار مرتبطة بمدى قبوله من مختلف القوى السياسية والإقليمية. أما استمرار المواجهات في جنوب غرب البلاد، فيكشف أن الخلافات الانتخابية قد تتحول إلى صراع ميداني عندما تغيب آليات التوافق.
وعليه، فإن نجاح دعوة الحوار لن يُقاس بمجرد انعقاد الاجتماعات، بل بقدرتها على إنتاج اتفاق عملي بشأن الانتخابات والدستور وتقاسم السلطة، بما يحول دون اتساع المواجهات ويحافظ على قدرة الدولة الصومالية على مواجهة التحديات الأمنية والإنسانية.



