أخبار العالمبحوث ودراسات

الدول العربية في عالم متغيّر: نحو استراتيجية مشتركة تحفظ السيادة وتوازن المصالح

أما آن الأوان لفهم واقع الدول العربية واستشراف مستقبلها في ظل المتغيرات الدولية؟

إذا كنا نبحث عن صيغة تجمع دول المنطقة، فلا أعتقد أن المطلوب هو إنشاء دولة واحدة، ولا إقامة تحالف عسكري مغلق في مواجهة الآخرين، وإنما بناء منظومة إقليمية تقوم على حقيقة أننا أمة واحدة، وشعوب متجاورة، ودول ذات سيادة، ومصالح مشتركة.
فالعرب تجمعهم روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين واللغة والمصالح الاقتصادية، كما تجمع دول المنطقة روابط أوسع في إطار العالم الإسلامي. ومع احتفاظ كل دولة بسيادتها وخصوصيتها ومصالحها الوطنية، يبرز السؤال: كيف نستطيع حماية مصالحنا في عالم يتغير بسرعة، بينما تعاني منطقتنا الانقسامات والحروب والتدخلات الخارجية؟
هل تستطيع جامعة الدول العربية الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء رؤية مشتركة للأمن والمصالح؟ وإذا تعذر ذلك، فهل تستطيع الدول العربية، كلٌّ في إطار سيادتها، إعادة صياغة علاقاتها الدولية على أساس مصالحها الوطنية، بدلاً من الاعتماد الكامل على قوة دولية واحدة؟

من التبعية إلى المصالح

هذا لا يعني الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة أو مع أي قوة دولية. فالولايات المتحدة، مثل غيرها من الدول، تسعى إلى حماية مصالحها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه نحن العرب هو: كيف نحدد مصالحنا، وكيف نحميها؟
فالعلاقات الدولية لا تقوم على الصداقة الدائمة، وإنما على المصالح. ولذلك، ليس المطلوب رفض الولايات المتحدة أو الارتماء في أحضانها، بل التعامل معها من موقع المصالح المتبادلة، كما ينبغي التعامل مع روسيا والصين وتركيا وإيران وغيرها، بما يتيح للدول العربية خيارات أوسع وقدرة أكبر على اتخاذ قرارات مستقلة.
وقد كشفت التطورات أن التحالفات لا تعني بالضرورة تطابق المصالح، ولا تضمن الاستجابة لكل مطالب الحلفاء. ومن الأمثلة على ذلك ما حدث في سبتمبر 2026، عندما طلبت السعودية من الولايات المتحدة تدخلاً عسكرياً مباشراً ضد الحوثيين، لكن واشنطن لم توافق على تنفيذ ضربات مباشرة، واكتفت بعرض تقديم معلومات استخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف. ويؤكد هذا المثال أن لكل دولة حساباتها وأولوياتها، وأن الاعتماد على قوة دولية واحدة لا يوفر ضمانات مطلقة للأمن.
كما أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يطرح تساؤلات جدية حول مدى التوافق بين السياسات الأمريكية ومصالح الدول العربية. ومن هنا، تصبح مراجعة التحالفات وتنويع الشراكات ضرورة لتعزيز الاستقلال في القرار وحماية الأمن الوطني، لا مجرد خيار سياسي يمكن تأجيله.

هل يستطيع العالم الإسلامي بناء موقف مشترك؟

إذا تعذر الوصول إلى موقف عربي موحد في كثير من القضايا، فهناك إطار أوسع تمثله منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم دولاً تجمعها روابط دينية وتاريخية ومصالح متعددة.
فهل تستطيع الدول الإسلامية توظيف هذا الإطار لبناء موقف مشترك تجاه القضايا التي تهدد أمن المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، وحماية الممرات البحرية والطاقة والتجارة؟
ليس المطلوب تحويل منظمة التعاون الإسلامي إلى تحالف عسكري، وإنما جعلها إطاراً سياسياً فاعلاً يستطيع التعبير عن المصالح المشتركة، وتنسيق المواقف، والحد من الخلافات التي تضعف قدرة دول المنطقة على مواجهة التحديات.
وقد لا يكون الاتفاق على جميع القضايا ممكناً، لكن الاتفاق على حد أدنى من المبادئ والمصالح يظل هدفاً واقعياً إذا توفرت الإرادة السياسية.

إيران وإسرائيل.. لماذا لا ينبغي المساواة بينهما؟

تفرض علينا الواقعية السياسية أن ننظر إلى إيران وإسرائيل من خلال طبيعة سياسات كل منهما ومشروعاتها ومواقفها من دول المنطقة، لا أن نضعهما في خانة واحدة دون تمييز.
فإيران دولة إقليمية لها مصالحها وتحالفاتها ونفوذها، بما في ذلك علاقاتها بقوى وجماعات مسلحة في عدد من دول المنطقة. وقد أثارت هذه السياسات مخاوف عربية جدية، كما أن الهجمات التي استهدفت دول الخليج والأردن تفرض موقفاً واضحاً لا يقبل التهاون في أمن هذه الدول وسيادتها. والمطلوب العمل على وقف تلك الهجمات، ومنع تكرارها، وقطع الطريق أمام أي محاولات لتوسيع دائرة الصراع.
لكن الاعتراف بهذه المخاطر لا يعني إغلاق باب التفاهم مع إيران. فهناك إمكانية للتفاوض معها بشأن المصالح المشتركة، وأمن المنطقة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول. والجلوس إلى طاولة الحوار لا يعني الموافقة على السياسات الإيرانية أو التغاضي عن تجاوزاتها، وإنما محاولة الوصول إلى تفاهمات واضحة تضمن المصالح المتبادلة وتحد من التصعيد.
ومن الواقعية أيضاً أن نستفيد من دروس المواجهة الأخيرة، وما أظهرته من قدرة إيران على الصمود رغم الضربات والخسائر والضغوط الاقتصادية التي تواجهها. فقد كشفت هذه المواجهة عن حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وعن أهمية الدعم الأمريكي في إدارة الحروب وتوسيع نطاق العمليات. كما أثارت تساؤلات حول قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية في مواجهة دولة كبيرة تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية، حتى في ظل ما تعانيه تلك الدولة من أزمات.
ولا يعني ذلك أن إيران خرجت من المواجهة دون خسائر، أو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا أي أهداف، كما لا يمكن الجزم بنتيجة نهائية للصراع في ظل استمرار المواجهة وتغير موازينها. لكن الدرس المهم هو أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن وحدها تحقيق جميع الأهداف، وأن الصمود والقدرات الذاتية والتكلفة الاقتصادية والسياسية عوامل مؤثرة في نتائج الحروب.
وعلى الدول العربية أن تستفيد من هذه الدروس في بناء قدراتها، وتعزيز تعاونها الدفاعي والاقتصادي، وتجنب الارتهان الكامل لأي قوة خارجية، مع إبقاء أبواب التفاهم مفتوحة متى توافرت شروطه وضماناته.
أما إسرائيل، فالمشكلة لا تقتصر على خلافات سياسية أو أمنية قابلة للتسوية، بل ترتبط أيضاً بمشروع توسعي تعكسه ممارساتها وسياساتها المعلنة منذ سنوات طويلة، وتثير تداعياته مخاوف تتجاوز حدود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
لقد شهد الصراع العربي الإسرائيلي حروباً كبرى، قدمت خلالها الدول العربية أشكالاً مختلفة من الدعم للقضية الفلسطينية. كما جُرّبت مسارات السلام والتسويات، لكن النتائج لم تحقق الآمال التي عُلّقت عليها، بينما استمر الاحتلال والتوسع الاستيطاني، وتواصلت معاناة الشعب الفلسطيني، وبقيت حقوقه الأساسية بعيدة عن الحل العادل.
وها هي التجربة تكشف مجدداً عن محدودية التعويل على الاتفاقيات وحدها، إذا لم تقترن بالتزامات واضحة وضمانات تحمي الحقوق وتمنع استمرار الاحتلال والتوسع. وما يجري في فلسطين، من حرب وتهجير وتوسع استيطاني، يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الحكومات الإسرائيلية بمسارات السلام والاتفاقيات التي سبق أن وافقت عليها.
وهنا تبرز ضرورة مراجعة التجربة العربية والتساؤل عن نتائج التنازلات التي قُدمت دون ضمانات كافية، وما إذا كانت قد أسهمت في تشجيع مزيد من التعنت والتوسع. فالتنازلات التي لا تقابلها التزامات واضحة، ولا تحفظ الحقوق، لا تضمن السلام ولا تحمي المصالح.
إن المشروع الإسرائيلي التوسعي لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأناً فلسطينياً فقط، بل تحدياً يمس مستقبل المنطقة وأمن دولها وسيادتها. ولا يمكن بناء موقف عربي واقعي إذا تجاهلنا دلالات هذا المشروع، أو افترضنا أن استمرار تقديم التنازلات سيؤدي بالضرورة إلى السلام.
ومن هنا، فإن التعامل مع إيران ينبغي أن يظل مفتوحاً على التفاهم والتفاوض، مع الإصرار على وقف الاعتداءات واحترام السيادة. أما التعامل مع السياسات الإسرائيلية، فيتطلب قراءة واقعية للمشروع التوسعي، وعدم الاكتفاء بالتعويل على الاتفاقيات دون ضمانات وآليات فعالة تحمي الحقوق وتمنع استمرار الاحتلال والتوسع.
وفي الحالتين، يجب أن تنطلق المواقف العربية من مصالح دول المنطقة وأمنها، لا من حسابات القوى الخارجية أو اصطفافاتها.

الطائفية.. خطر على المجتمع قبل أن تكون خطراً سياسياً

من أخطر ما تواجهه المنطقة محاولة تحويل التنوع المذهبي إلى صراع سياسي ومشروع لتقسيم المجتمعات والدول.
فالعراق ولبنان واليمن وسوريا وغيرها من الدول تضم تركيبات اجتماعية ومذهبية متنوعة، وهذا التنوع جزء من تاريخ المنطقة وواقعها، ولا ينبغي أن يتحول إلى سبب للحرب والانقسام.
هل يمكن تقسيم العراق إلى دولة سنية وأخرى شيعية؟ وهل يمكن تقسيم اليمن على أساس مذهبي؟ وإلى أين سيقودنا هذا المسار؟
إن تحويل الانتماء المذهبي إلى حدود سياسية يفتح الباب أمام صراعات لا نهاية لها، لأن المجتمعات العربية والإسلامية متداخلة، ولا يمكن رسم حدود تفصل الناس جغرافياً على أساس المذهب والطائفة.
ولهذا يجب أن يكون الحفاظ على النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية مبدأً أساسياً، مع التعامل مع الاختلافات المذهبية باعتبارها جزءاً من التنوع الاجتماعي، لا مبرراً للصراع.
وفي الوقت نفسه، من حق أي دولة أن ترفض استخدام جماعة أو طائفة داخل أراضيها لخدمة مصالح دولة أخرى. فالولاء الوطني والسيادة يجب أن يكونا فوق الحسابات الإقليمية، مع ضرورة التمييز بين الطائفة بوصفها جزءاً من المجتمع، وبين توظيف الطائفية سياسياً أو عسكرياً.
ما الحد الأدنى الذي يمكن أن نتفق عليه؟
ربما تكمن المشكلة الأساسية في أن الدول العربية لم تتمكن حتى الآن من بناء رؤية مشتركة متكاملة للتعامل مع التحولات الكبرى في العالم.
لقد أخفقنا في بناء التنسيق والتعاون المشترك لمواجهة الأخطار التي أصبحت أكثر وضوحاً، وأضعنا سنوات طويلة في الخلافات والحسابات الضيقة، بينما كانت موازين القوى تتغير من حولنا. وإذا استمر هذا النهج، فلن يكون المستقبل في صالح أي دولة من دول المنطقة، مهما امتلكت من إمكانات وثروات.
إن تعدد التهديدات الخارجية ليس وحده سبب ضعف الموقف العربي؛ فغياب التنسيق، وتباين الحسابات الوطنية، وعدم الاتفاق على أولويات مشتركة، عوامل تقلل قدرة الدول على حماية مصالحها، حتى عندما تتشابه التحديات التي تواجهها.

ومن هنا، لا ينبغي أن ننتظر اتفاقاً شاملاً على جميع القضايا قبل البدء بالتعاون. بل يمكن الانطلاق من مجموعة من المصالح التي لا يصعب إدراك أهميتها، وفي مقدمتها:
احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
حماية الحدود ورفض استخدام أراضي الدول العربية والإسلامية في صراعات الآخرين.
تعزيز التعاون الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء والمياه.
حماية الممرات البحرية وطرق التجارة.
مكافحة الإرهاب ومنع استغلال الانقسامات المذهبية والاجتماعية.

تنويع الشراكات الدولية على أساس المصالح المتبادلة، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.
هذه ليست بالضرورة دعوة إلى تحالف واحد أو موقف موحد من جميع القوى الدولية، وإنما أساس يمكن البناء عليه لتنسيق السياسات، وتقليل الخلافات، وتوسيع الخيارات المتاحة أمام الدول العربية والإسلامية.
كما أن بناء تحالفات وشراكات جديدة ينبغي ألا يقوم على العداء المسبق لأي قوة دولية، ولا على التبعية لقوة أخرى، بل على تقييم واقعي للمصالح والمخاطر. فالدول التي تنوع علاقاتها وتحدد أولوياتها بوضوح تكون أقدر على التفاوض وحماية مصالحها من الدول التي تربط أمنها ومستقبلها بخيار واحد.
إن العالم لا ينتظر العرب حتى يتفقوا، والمتغيرات لا تتوقف. وإذا استمر غياب الرؤية والتنسيق، فقد يجد العرب أنفسهم أمام واقع ترسم ملامحه قوى أخرى، من دون أن يكون لهم دور يتناسب مع إمكاناتهم وثرواتهم وموقعهم الجغرافي.
إن السؤال لم يعد فقط: من يهددنا؟ أو مع من ينبغي أن نتحالف؟ بل أصبح: ما الذي نريده لمستقبل دولنا وشعوبنا؟ وما المصالح التي يمكن أن نتفق عليها؟ وكيف نحول الروابط التاريخية والجغرافية والثقافية إلى تعاون عملي يحفظ السيادة ويمنع اتساع الأزمات؟


أمة واحدة، دول ذات سيادة، جيران وشركاء، ومصالح مشتركة.


ربما تكون هذه هي الصيغة الأكثر واقعية للمرحلة المقبلة: لا إلغاء للدول، ولا فرض لتحالف واحد على الجميع، ولا تبعية لقوة دولية أو إقليمية، وإنما تعاون يقوم على المصالح المتبادلة، ويحفظ السيادة، ويعزز قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة، ويمنع تحويل الخلافات العربية والإسلامية إلى وقود لصراعات الآخرين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق