أخبار العالمبحوث ودراسات

الحرب في أوكرانيا: توجه أوروبا نحو أفريقيا بحثا عن بديل للغاز الروسي

اعداد: سارة الزنطور – باحثة متربّصة بالمركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الامنية والعسكرية بتونس

طرحت وتيرة الصراعات والمتغيرات العالمية معادلات جديدة أهمها أزمة إمدادات الطاقة التي أفرزتها الأزمة الروسية الأوكرانية والتي أدت الى انهيار العلاقات الأوروبية مع روسيا الاتحادية، فمنذ اندلاع الأزمة في الرابع والعشرين من فبراير الفارط تعرضت امدادات الدول الغربية من الطاقة للخطر، سيما وأنها تعتمد بشكل شبه كلي على الغاز والنفط الروسيين الأمر الذي دفع دول الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص الى البحث عن امدادات جديدة لهذه الطاقات الحيوية التي ترتبط بها مصائر أغلب دولها، وفي بحثها عن مصادر بديلة للغاز والنفط الروسيين، تتحول الوجهة الغربية بطريقة جنونية ومتسارعة إلى القارة الإفريقية بعد إغلاق روسيا منافذ غاز شرق المتوسط في أعقاب الحرب الطاحنة التي عاشتها سوريا وسقوط وتهاوي عملاءها الإخوان في الشرق الأوسط وصمود الدولة السورية أمام المؤامرة الغربية التي تقودها أمريكا واشتراطها بيع النفط بالروبل الروسي على خلفية التدخل الغربي والتصويت لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة بإدانة روسيا أمام المجتمع الدولي.

ضمن هذه التعقيدات الجيوسياسية والتوجهات الاستراتيجية الجديدة لقوى الاستعمار القديم المتجدد، تدخل أفريقيا طورا جديدا من العلاقات المركبة قد تجعل منها مسرحا لصراعات ونزاعات مسلحة لا ناقة ولا جمل لها فيها وقد تعيش الدول الأفريقية على غرار ليبيا ومالي وأثيوبيا وغيرها من الدول التي تتوفر طبيعتها على طاقتي الغاز والنفط حالات استنزاف أكثر حدة من التي عاشتها سابقا والتي تعرف اليوم وتيرة هستيرية للأطماع الغربية.

فماهي أهم الطاقات التي تتوفر عليها القارة الإفريقية ؟

و كيف يمكن للقارة الإفريقية أن تتحول إلى وجهة وواجهة صراع بين قوى إقليمية ؟

أهمية الطاقة الإفريقية بعيون غربية

تزخر إفريقيا بثروات طاقية هامة وهائلة تجعل منها مستقبلا للطاقة في العالم وتحولها إلى وجهة للدول الاستعمارية خاصة الغربية بقيادة أمريكا، فالقارة التي تمتلك 75 مليون برميل من احتياطي النفط و 9 بالمئة من الاحتياطات العالمية والتي تنتج حوالي 300 مليون برميل لتوفير الطاقة علاوة على ما لم يتم إكتشافه بعد، وتمتلك فيها كل من مالي ونيجيريا والسودان وجنوب أثيوبيا والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا وعلى وجه الخصوص ليبيا المنتج الأول للنفط في القارة مقدرات طاقية هائلة من نفط وغاز، تسيل بالضرورة لعاب قوى الهيمنة والاستعمار وتجعل كل طرق السطو من انقلابات عسكرية وعدوان عسكري ودعم للجماعات المسلحة أمورا مباحة، وتجعل من الفوضى التي تعيشها افريقيا فضاء خصبا لتركيز شركات التنقيب البترولية الأوروبية وعقد الاتفاقيات التي تحولت إلى ظاهرة أوروبية داخل القارة الإفريقية، اتفاقيات مجحفة لا متكافئة تفرضها الشركات العابرة للقارات على غرار شركة “فرونسافريك” و “فيتول” و”ترافيغورا” السويسريتين وغيرها من الشركات الأوروبية وتفرضها بالضرورة العودة الروسية التي تعمل على إنهاء منطق الولاية على العالم والقرارات الأحادية الجانب، وفرضتها تباعا الأزمة الروسية الأوكرانية.

  توجه قوى الاستعمار القديم إلى إفريقيا: النفط والغاز هدفان أساسيان

إن التوجه الأوروبي نحو القارة الإفريقية هو توجه مزدوج القيمة، فهو يهدف بدرجة أولى إلى سد الشغورات الطاقية التي خلفتها الازمة الروسية الأوكرانية والتي ألقت بظلالها على ديناميكية الحركة الأوروبية ووتيرة تحرك السلع برا وبحرا وجوا، وخلق حالة من الارتباك في الداخل الأوروبي وحالة من التعطل السياسي والديبلوماسي بين منظوريه خاصة بعد وضع روسيا لشروط إمدادات الغاز والنفط، ويهدف أيضا التوجه الأوروبي إلى محاولة إسقاط ورقة الضغط الروسية التي تجعل من أوروبا تابعة طاقيا، الأمر الذي يأثر بصفة مباشرة على قراراتها السياسية ويحد من هيمنة قراراتها التي لطالما كانت ذات أبعاد مصيرية بالنسبة لدول أخرى.

فإفريقيا اليوم هي الوجهة الأخيرة لأوروبا والدول الغربية عموما التي وإن لم تتحقق داخلها مطامع سد حاجياتها من الطاقة بكل الطرق الممكنة ستحول إفريقيا إلى مسرح لحرب طاحنة تدور أوزارها على كاهل دول مثل ليبيا في شمال القارة والقرن الإفريقي في شرقها ونيجيريا في غربها وملاوي وزمبابواي في جنوبها، فأوروبا اليوم ودولها الاستعمارية وفي مقدمتهم أمريكا خاصة تنزل بكل ثقلها السياسي والعسكري في أغلب دول إفريقيا وتسعى مراثونيا إلى إبرام الاتفاقيات وعقد الصفقات وتمرير سياسات الفوضى الخلاقة في كل من مالي وليبيا ونيجيريا والسودان وأثيوبيا والنيجر بهدف إعادة تموقها في إفريقيا اقتصاديا ومحاولة صد روسيا والصين استراتيجيا وتأمين نفسها طاقيا، الأمر الذي راكم من الأزمة في ليبيا وزاد من الفرقة في مالي وأفرز حركات وميليشيات متشددة تعمل وفق الأجندة الأمريكية الغربية بالأساس ضد شعوبها وأوطانها.

فإلى جانب شركة “أفريكفرونس” والشركات السويسرية والألمانية المتركزة في إفريقيا تعتبر الشركات الأمريكية على غرار “إيكسون موبيل” و”أميرادا هيس” و”شيفرون تكساكو” و”ماراثون أويل” من بين أكثر الشركات تمركزا، وإن يبدو ذلك في الظاهر عبر اتفاقات وعقود فهي شركات يتم حمايتها عسكريا من خلال القوات الأمريكية وقواعدها العسكرية المتواجدة في القارة الإفريقية وتخضع بالضرورة للسياسات الأمريكية الاستعمارية الناهبة للثروات الإفريقية.

ولعل المثال الأبرز والذي قد يتم تعميمه إذا ما اختنقت أوروبا أكثر طاقيا هو مثال الدولة السورية والليبية اللتان تم تدميرهما بشكل كامل اقتصاديا وعمت الفرقة داخلهما بين أبناء الشعب الواحد وانقسمت سياسيا بين حكومتين متعارضتين تمام التعارض واستبيحت سيادتهما الوطنية وتحولت مجالاتهم الجوية والبرية والبحرية إلى مرتع لطائرات الناتو والبوارج الأمريكية وعساكر تركيا، هذا المثال والنموذج الذي تسببت فيه القوى الغربية بقيادة أمريكا قد يصبح أمرا واقعا إذا ما تواصلت الازمة الأوكرانية الروسية ويصبح واقعا أكثر إذا ما استفاقت القارة الإفريقية استراتيجيا وغيرت وجهة معاملاتها التجارية والاقتصادية نحو الشرق.

إن الأزمة الأوكرانية الروسية وإن أربكت القوى الغربية وغيرت بوصلة الموارد الطاقية فهي تنذر استشرافيا بحرب طويلة المدى بين الغرب والشرق خارج جغرافية صراعاتهم الكلاسيكية.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق