أخبار العالمأمريكا

الحرب على إيران تفتح باب المساءلة على وزير الحرب امام الكنغرس

تعكس جلسة الاستماع التي خضع لها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب لحظة كاشفة في مسار الحرب على إيران، ليس فقط على مستوى الأداء العسكري أو الكلفة الاقتصادية، إنما في ما يتعلق بتصدعات الموقف السياسي داخل واشنطن نفسها.

حيث تحولت الجلسة التي شارك فيها أيضاً رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين إلى منصة مساءلة ونقاش حاد، قادها ديمقراطيون وشارك فيها جمهوريون بشكل غير مباشر، ما يعكس اتساع دائرة الشكوك حول أهداف الحرب ومآلاتها.

منذ المداخلة الافتتاحية، وضع النائب الديمقراطي آدم سميث الإطار الإشكالي للنقاش، حين طرح سؤالاً مباشراً حول كيفية تحويل “الانتصارات التكتيكية” إلى نجاح استراتيجي، خاصة في ما يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني. اذ يختصر هذا الطرح جوهر الأزمة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، حيث تتزايد المؤشرات على غياب تصور متماسك لنهاية الحرب، أو حتى تعريف لما يمكن اعتباره “نصراً”.

من جهته، دفع النائب سيث مولتون النقاش إلى مستوى آخر حين سأل الوزير عمّا إذا كان قد نصح الرئيس دونالد ترامب بشن الهجوم على إيران. امتناع هيغسيث عن الإجابة المباشرة، ثم إقراره لاحقاً بأن الضربة كانت “فكرة جيدة”، يعكس حالة تردد في تقديم رواية متماسكة لصنع القرار. التردد نفسه ظهر في التعامل مع سيناريو إغلاق مضيق هرمز، حيث اكتفى الوزير بالإشارة إلى أن البنتاغون “قيّم كل المخاطر”، من دون تقديم تفاصيل تدعم هذا التقييم.

في المقابل، اتخذت الانتقادات طابعاً أكثر حدّة لدى النائب جون غارامندي، الذي اتهم هيغسيث بشكل صريح بتضليل الرأي العام منذ بداية الحرب، مشيراً إلى تغيّر مبرراتها وتراجع كفاءتها الاستراتيجية. وصف النزاع بأنه “مستنقع” و”كارثة جيوسياسية” يعكس توجهاً داخل الحزب الديمقراطي يرى أن الحرب لم تحقق أهدافاً واضحة، وأن كلفتها السياسية والاقتصادية تتجاوز مكاسبها المحتملة. رد الوزير على هذا التوصيف حمل طابعاً دفاعياً، معتبراً أن الحكم على الحرب بعد شهرين فقط ينطوي على تسرع، وهو رد لم ينجح في تبديد الشكوك المتزايدة.

ملف الخسائر البشرية شكّل محوراً إضافياً للضغط السياسي أيضاً. حيث أثار النائب باتريك راين مسألة مقتل جنود أميركيين في الكويت، مستنداً إلى شهادات ناجين تحدثوا عن نقص في الإجراءات الوقائية. إجابة الوزير التي أكدت اتخاذ “أقصى الإجراءات الدفاعية” لم تغلق باب الجدل، خاصة مع دعوات متزايدة داخل الكونغرس لفتح تحقيق رسمي في ملابسات الحادثة. هذا البعد يعيد إلى الواجهة إشكالية الشفافية في إدارة العمليات العسكرية، ومدى التزام الإدارة بإطلاع السلطة التشريعية على تفاصيلها.

إلى جانب البعد العسكري، برزت الكلفة الاقتصادية كعامل ضغط أساسي.اذ أن إعلان البنتاغون أن الحرب كلفت حتى الآن نحو 25 مليار دولار، مع توقعات بارتفاع الرقم، يأتي في سياق أوسع من التداعيات العالمية، من ارتفاع أسعار النفط إلى اضطراب سلاسل الإمداد.

في هذا الإطار، طرح هيغسيث سؤالاً مضاداً حول “القيمة اللازمة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي”، في محاولة لإعادة صياغة النقاش من زاوية الأمن القومي. في حين لم تنجح هذه المقاربة في تقليص حدة الاعتراضات، خاصة مع ربط الجلسة بطلب زيادة ميزانية الدفاع بنسبة كبيرة تصل إلى 1500 مليار دولار بحلول 2027.

اللافت أن الانتقادات لم تعد حكراً على الديمقراطيين. حيث جاءت ملاحظات من داخل الحزب الجمهوري، حتى وإن كانت بلهجة أقل حدة، تشير إلى قلق متزايد من تهميش دور الكونغرس في قرار الحرب. فعلى الرغم من أن الدستور الأميركي يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، إلا أن الوقائع تشير إلى أن الإدارة اتخذت قرارها من دون مشاورات كافية، ما يعمق الإشكال الدستوري والسياسي في آن واحد.

جاءت إفادة كتعبير عن انقسام بات ملحوظاً داخل النظام السياسي الأميركي حول جدوى الحرب على إيران، وحدود استخدام القوة العسكرية، والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. استمرار هذه الانقسامات، في ظل غياب نتائج ملموسة على الأرض، يضع الإدارة الأميركية أمام واقع معقد، خاصة اذا ما اضطر ترامب إلى تمديد أيام الحرب في مساع للحصول على انجاز ما يقدمه للرأي العام الأميركي الذي يراقب ارتفاع الأسعار أكثر مما تعنيه تغريدات المسؤولين الاميركيين على منصات التواصل الاجتماعي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق