الحرب على إيران.. بين النصر والهزيمة

إعداد حسني محلي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 03-04-2026
إيران ضحّت بأعظم ما لديها من أجل هذه القضية في الوقت الذي كان فيه البعض من العرب والمسلمين يتآمرون عليها في السر والعلن.
مع استمرار العدوان الصهيو-أميركي على إيران ولبنان والعراق، نسيت أو تناست معظم الأنظمة العربية والإسلامية قضية الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ولأن الرئيس ترامب لا يسمح لها بأن تهتم بل وحتى تتحدث عن هذه القضية التي باتت تحت رحمة المجرم نتنياهو وحكومته الإرهابية التي أقرت إعدام الأسرى الفلسطينيين، ومن دون أي ردود فعل عربية وإسلامية جدية شجعت الغرب الإمبريالي برمته على تجاهل هذه الهمجية العبرية الصهيونية.
ومع استمرار العدوان الصهيو-أميركي على إيران ولبنان والعراق، وهو ما زاد من تضامن الغالبية العظمى من الشعوب العربية والإسلامية مع إيران وحزب الله لصمودهما الأسطوري في وجه العدوان، واستهدافهما بنجاح العمق الإسرائيلي بالصواريخ والمسيرات، وهو ما يحدث لأول مرة في تاريخ الصراع العربي- الصهيوني، استنفرت الأنظمة العربية والإسلامية كل إمكاناتها وعبر الإعلام المأجور الموالي لها للتغطية على هذه الحقيقة التي أوصلت هذه الأنظمة إلى وضع لا تحسد عليه أبداّ.
فأولاً؛ الاعتماد على الحليف الأكبر واشنطن لحمايتها من “العدو” ومن دون تحديد هويته، لم يحمها من خفايا التآمر الصهيوني عليها، حتى وإن دفعت للرئيس ترامب آلاف المليارات من الدولارات لحمايتها من هذا “العدو” أي “إيران الشيعية الفارسية” التي أثبتت أنها أكثر “عربية وسنية وإسلامية” من جميع هذه الأنظمة التي يهينها ويتحقرها الرئيس ترامب يومياً ومن دون أن تتجرأ حتى للرد عليه.
وثانياً؛ لقد أثبتت إيران ومعها حزب الله أن همها الوحيد والأهم ليس إلا الدفاع عن استقلال وسيادة وشرف وكرامة كل دول وشعوب المنطقة بكل مكوناتها الدينية والطائفية والعرقية، وتعرف جميعاً أن الخطر الوحيد الذي يهددها معاً هو الكيان العبري الذي لا يخفي حكامه أطماعهم في المنطقة عموماً.
والسؤال هنا بسيط جداً وجوابه أبسط بكثير، ألا وهو ماذا يريد هذا الكيان من إيران وحزب الله والعراق واليمن . فمن يصدق ويسوّق لفكرة أن البرنامج النووي الإيراني يستهدف دول وشعوب المنطقة”، فإما أن يكون غبياً أو عميلاً لهذا الكيان وحلفائه في الغرب الإمبريالي، والذين ساعدوا هذا الكيان لامتلاك السلاح النووي، أو أنه يتجاهل أن هذا السلاح لا ولن يفرق بين سني وشيعي بل بين مسلم ومسيحي.
ومع تذكير هذه الأنظمة بتواطئها الخجول والعلني مع الكيان العبري فقد آن الأوان بالنسبة لهذه الأنظمة أن تعترف لشعوبها بتشابك علاقاتها القذرة مع واشنطن التي ملأت أراضيها وبحارها بالقواعد العسكرية ومراكز التجسس المختلفة، لل لحمايتها بل لحماية الكيان العبري وهو ما أثبتته حرب يونيو/ حزيران والعدوان الحالي على إيران.
فالجميع يعرف أن مهمة القواعد الأميركية والبريطانية والفرنسية والأطلسية الموجودة في قطر والسعودية والبحرين والكويت وعمان والعراق وكردستان العراق وسوريا والأردن وتركيا وقبرص يضاف إليها السفن الحربية في المنطقة، هي التصدي لصاروخ أو مسيرة إيرانية “إسلامية شيعية” هدفها الكيان العبري الذي لم تجرؤ أي من الأنظمة المذكورة أن تتحداها حتى الآن بالفعل وليس بالقول الخجول.
كما هي لم تستطع أن تمنع واشنطن و “تل أبيب” من استخدام هذه القواعد وأقمارها الصناعية التي تحلق في أجوائها، لا فقط ضد إيران ومواقع الحشد الشعبي في العراق، بل ضد حزب الله الذي أثبت من جديد أنه مازال الأقوى في مجمل معادلات لبنان والمنطقة وعلى الرغم من حجم التآمر الداخلي والخارجي ضده.
في الوقت الذي يعرف فيه الجميع داخل لبنان وخارجه أن سيد الشهداء حسن نصر الله الذي ضحى ومن معه من قادة المقاومة بأرواحهم من أجل لبنان والقضية الفلسطينية، كان الأكثر وطنية ومحبة وشرفاً ووفاءً للبنان بكل أطيافه الدينية والمذهبية، والتي لولا حزب الله لكانت الآن مرتزقة للكيان العبري الذي يعرف الجميع أطماعه في لبنان وباقي دول المنطقة وفي مقدمتها سوريا، والتي تحولت إلى موطئ قدم جديد وخطير للكيان العبري بعد سقوط نظام الأسد وإيصال النصرة “السنية الوهابية المتطرفة” إلى السلطة في دمشق، وبفضل التنسيق والتعاون الأميركي-التركي- السعودي والقول للرئيس ترامب.
والسؤال الأهم في مجمل المعطيات الحالية والمستقبلية هو لماذا تعادي أنظمة المنطقة إيران وحزب الله ومن معهما في المنطقة العربية والإسلامية، في الوقت الذي يعرف فيه الجميع أن انتصار حزب الله على الكيان العبري هو انتصار للقضية الفلسطينية، كما أن انتصار إيران على الكيان المذكور هو انتصار لكل شعوب المنطقة وخاصة في الخليج.
وتعي جيداً أنه لا مشكلة بينها وبين الشعب الإيراني بكل أطيافه ومكوناته وعلى الرغم من حملات الاستعداء القومي والمذهبي التي تبنتها أنظمة المنطقة بالتنسيق والتعاون مع “تل أبيب” وواشنطن، ويعرف الجميع أنها كانت في السر والعلن وما زالت حامي حمى كل الجماعات والمنظمات والأحزاب والقوى الإسلامية السنية المتطرفة منها والمعتدلة، من الإخوان إلى القاعدة إلى طالبان ثم داعش والنصرة، وما بينها العشرات من الجماعات المسلحة التي رأيناها في سوريا، حيث كانت جميعاً بشكل مباشر أو غير مباشر بعلم أو من دونه في خدمة الكيان العبري قبل وبعد سقوط نظام الأسد في دمشق.
وفي نهاية المطاف يبقى الرهان على مستقبل الحرب الاستعمارية الصهيونية على إيران ولبنان، وبصمودهما ومعهما اليمن والعراق فالمنطقة برمتها ستجد نفسها في وضع يساعدها على التفكير بالعقل والمنطق والضمير لاستخلاص الدروس والعبر من كل ما عاشته وتعيشه المنطقة خلال الأشهر الماضية، منذ دخول المجنون ترامب إلى البيت الأبيض، وقبلها المجزرة الصهيونية في غزة وأمام أنظار الأنظمة العربية والاسلامية.
وهنا علينا جميعاً وبعيداً عن تأثيرات ورواسب الحملات الإعلامية النفسية أن نبحث معاً عن الإجابة الواقعية والمنطقية والصادقة لسؤالين مهمين سيقرران ليس فقط مستقبلنا بل ربما مصير مستقبل المنطقة والعالم برمته.
والسؤال الأول من منا سيكون سعيداّ من أي انتصار ستحققه إيران “الشيعية ” وحلفاؤها ضد الكيان العبري وحلفائه في الغرب الإمبريالي الاستعماري الذي أذل واحتقر وأهان حكام المنطقة منذ أكثر من مئة عام؟
والسؤال الثاني والأهم هو هل هناك من سيفرح من سقوط وهزيمة إيران وحلفائها في حربها ضد التحالف الصهيو-أميركي وبانتصاره سيدمر المنطقة برمتها لتتحول كل شعوبها إلى عبيد لا إرادة لها ولا شرف وكرامة؟.
فانتصار هذا التحالف الإجرامي سيحمل في طياته دماراً ليس فقط لإيران بل لكل جاراتها القريبة والبعيدة ولأنها في موقع استراتيجي يؤثر في كل الحسابات الأقليمية والدولية.
فإيران جارة للهند وباكستان النوويتين، وهي جارة لأفغانستان وتتقاتل مع باكستان، وفيهما معاً الكثير من الشيعة، كما تطل إيران على بحر قزوين وحدوده مع كازاخستان وتركمانستان وأذربيجان وروسيا التي لها حدود في منطقة القوقاز مع أذربيجان وأرمينيا وجورجيا، وفي شمالها جمهوريات الحكم الذاتي الروسية بسكانها المسلمين وعددهم حوالى عشرين مليوناً.
وتريد واشنطن لتركيا أن تهتم بهم وبالجمهوريات الإسلامية ذات الأصل التركي في كازاخستان وتركمانستان (جارات إيران) وقرغيزيا وأوزبكستان التي ترى روسيا فيها حديقة خلفية لها، في الوقت الذي تريد لها واشنطن أن تكون رأس حربة مستقبلية ضد العدو الأكبر، أي الصين، التي تجاور مثل هذه الدول عبر مقاطعاتها الشمالية التي تعيش فيها أقلية مسلمة من الاويغور وجاء الالاف منهم إلى تركيا ودخلوا عبر حدودها إلى سوريا للقتال ضد “العلويين والشيعة” خلال ما يسمى الربيع العربي، وكان هدفه الرئيسي هو القضاء على الثورة الإسلامية مصدر الرعب الحقيقي للكيان العبري الذي بات يعرف جيداً أن إيران هي الوحيدة التي تستطيع أن تضع مداً نهائياً لكل غطرسته وهمجيته الدموية.
ولهذا سعى التحالف الصهيو – أميركي وسيسعى دائماً لتفجير الصراعات العرقية والطائفية في دول المنطقة بعد تدمير إيران، التي إن انتصرت على التحالف المذكور فكل مشاكل المنطقة ستنتهي بنهاية الكيان العبري ومن معه من الأنظمة المتواطئة، التي يجب أن ترد على سؤال واحد فقط وهو: ماذا لو انتصر حزب الله على الكيان العبري ولقّنه الدرس الذي لا ولن ينساه ويمنعه من التمادي في عدوانه على الشعب الفلسطيني وباقي شعوب المنطقة؟
وهل ما زال هناك من يعتقد أو يفكر أن حزب الله بعد انتصاره على الكيان العبري سيحكم لبنان بمفرده ويشمل خطراً على الآخرين، وبعد أن أثبت سيد الشهداء حسن نصر الله أنه الأكثر ثقة ومحبة من غالبية الشعب اللبناني سنّةً كانوا أو شيعة أو دروزاً أو مسيحيين شرفاء ووطنيين بكل أطيافهم المعروفة؟
وأخيراً وبعد كل تجارب الماضي، فهل هناك أي عاقل وشريف وطنياً وقومياً ودينياً، يعتقد ويفكر ويؤمن أن إيران وبانتصارها على الكيان العبري ستتحول إلى عدو للدول والشعوب العربية والإسلامية، وستقوم بتصدير ثورتها “الشيعية” إلى دول المنطقة وهي التي رفعت راية الإسلام وقضيته المحورية فلسطين.
وهل وكيف لنا جميعاً أن ننسى كيف أن إيران قد ضحّت بأعظم ما لديها من أجل هذه القضية في الوقت الذي كان فيه البعض من العرب والمسلمين يتآمرون عليها في السر والعلن.
وهل وكيف لنا أن لا نرى ما آلت اليه الأمور في المنطقة بعد صمود إيران نظاماّ وأمة وانتصارها المرحلي على التحالف الصهيو-أميركي؟ وهل ما زال أحد في المنطقة يتمنى له أن ينتصر علينا وحتى لو ركعنا جميعاً أمامه “وقبّلنا مؤخرته” كما طلب ترامب من ولي العهد محمد بن سلمان؟ ونتمنى له جميعاً وبكل صدق أن يستخلص العبر من هذه الإهانة الوقحة ويرد عليها بما يليق بكرامة وشهامة وإباء الشعب العربي السعودي خادم الحرمين الشريفين قبلة كل المسلمين سنة كانوا أو شيعة، وبتكاتفهم ونضالهم المشترك سيتخلصون من عدوهم المشترك اليهود الصهاينة، ولولا عملاؤهم في المنطقة لما كان كيانهم العبري موجوداً أساساً في فلسطين.
المصدر: الميادين



