أخبار العالم

اقتحام بن غفير للأقصى وتصعيد إسرائيلي يستهدف الوجود الفلسطيني في القدس

اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير يوم الأحد 27 سبتمبر 2026 منطقة حائط البراق في القدس المحتلة وأدى طقوسا دينية يهودية بحماية أمنية مشددة بالتزامن مع اقتحام 1143 مستوطنا باحات المسجد الأقصى في ثاني أيام عيد العرش اليهودي في مشهد يعكس تصاعدا واضحا في الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف فرض واقع جديد في القدس والمساس بالوجود الفلسطيني في المدينة

ولا يمكن النظر إلى هذا التصعيد باعتباره مجرد ممارسة دينية منفصلة عن السياق السياسي فالاقتحام جاء بمشاركة مسؤول حكومي إسرائيلي بارز وفي الوقت نفسه الذي دخل فيه أكثر من ألف مستوطن إلى المسجد الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية وأدوا طقوسا وصلوات ورددوا الأناشيد وأقاموا حلقات رقص وأدخلوا ما وصفته المصادر الفلسطينية بالقرابين النباتية إلى باحات المسجد

وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تأتي ضمن مسار متواصل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الاحتلال الإسرائيلي والقدس والأماكن المقدسة عبر تحويل السيطرة الأمنية والعسكرية إلى حضور سياسي وديني دائم فحين يقتحم وزير إسرائيلي موقعا مرتبطا بشكل مباشر بالهوية الوطنية والدينية الفلسطينية فإن المسألة تتجاوز حدود الشعائر لتصبح جزءا من الصراع على السيادة وعلى مستقبل المدينة

ويشكل المسجد الأقصى بالنسبة إلى الفلسطينيين أكثر من مجرد موقع ديني فهو أحد أبرز رموز الهوية الفلسطينية وارتباط الشعب الفلسطيني بمدينة القدس ولذلك فإن محاولة تغيير قواعد الوصول إليه أو فرض طقوس جديدة في ساحاته لا تُقرأ فلسطينيا باعتبارها قضية دينية فقط بل باعتبارها جزءا من سياسة أوسع تهدف إلى إعادة رسم الواقع في القدس وتقليص الحضور الفلسطيني فيها

وتكشف الوقائع الأخيرة عن مفارقة صارخة تتمثل في السماح للمستوطنين بالوصول الجماعي إلى باحات المسجد تحت حماية الشرطة الإسرائيلية في الوقت الذي تفرض فيه السلطات الإسرائيلية قيودا على حركة الفلسطينيين والوصول إلى أماكن عبادتهم ففي 27 سبتمبر أغلقت القوات الإسرائيلية باب المغاربة بعد اقتحام 1143 مستوطنا كما فرضت قيودا على حركة الفلسطينيين في البلدة القديمة وأجبرت عددا من أصحاب المحال المحيطة بالمسجد على إغلاقها وفقا لوكالة الأنباء الفلسطينية وفا

وهنا يظهر أحد أوجه الاختلال الأساسي في واقع القدس المحتلة إذ لا يتعلق الأمر فقط بمن يدخل المسجد ومن يمنع منه وإنما بمن يمتلك القدرة على تحديد قواعد الحياة اليومية داخل المدينة ومن يملك القوة العسكرية والأمنية لفرض هذه القواعد على السكان الفلسطينيين

وتأتي هذه الممارسات في إطار أوسع من الاستيطان والسيطرة على الأراضي الفلسطينية ففي تقرير للأمم المتحدة صدر في جويلية 2026 أكدت المنظمة أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية لا تتمتع بأي صلاحية قانونية بموجب القانون الدولي كما وثق التقرير استمرار التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وهدم المنشآت الفلسطينية وتهجير السكان

وبحسب التقرير الأممي تقدمت أو تمت الموافقة على 4750 وحدة استيطانية خلال الفترة التي يغطيها التقرير كما وثقت الأمم المتحدة هدم أو مصادرة مئات المنشآت الفلسطينية وتهجير مئات الفلسطينيين نتيجة هذه الإجراءات إضافة إلى استمرار التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط بالمستوطنين والقيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم

وبذلك فإن ما يحدث في الأقصى لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تتعلق بالأرض والسكان والهوية فالمستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والتهجير والقيود المفروضة على الحركة والاقتحامات المتكررة للأماكن المقدسة تتحرك في اتجاه واحد يتمثل في تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة وإضعاف قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وجودهم فيها

وتزداد خطورة هذا المسار عندما يتحول الخطاب السياسي الإسرائيلي إلى أداة لتبرير هذه الوقائع فقد أصبحت شخصيات من الحكومة الإسرائيلية تستخدم قضايا القدس والأقصى والاستيطان في خطابها السياسي بما يربط بين القوة الأمنية والمشروع الاستيطاني ومحاولة فرض تصور إسرائيلي أحادي للمدينة

وفي المقابل يواصل الفلسطينيون الدفاع عن حقهم في القدس وعن أماكنهم المقدسة وعن وجودهم التاريخي في المدينة في مواجهة واقع تتزايد فيه القيود والإجراءات العسكرية والاستيطانية ومن هنا فإن الدفاع عن الأقصى بالنسبة إلى الفلسطينيين يرتبط أيضا بالدفاع عن حقهم في البقاء في القدس والحفاظ على هويتهم وحقوقهم الوطنية والدينية

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن السياسات الاستيطانية والإجراءات المرتبطة بها تقوض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وتعمق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة كما دعت إلى وقف التوسع الاستيطاني وإنهاء الممارسات التي تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين أو مصادرة أراضيهم

إن القضية إذن ليست مجرد خلاف حول طقوس دينية داخل موقع مقدس وإنما صراع أوسع على الأرض والهوية والحقوق الوطنية فالاقتحام المتكرر للأقصى والتوسع الاستيطاني والتهجير ومصادرة الأراضي كلها مظاهر لواقع سياسي يفرض على الفلسطينيين بصورة يومية ويجعل القدس إحدى أهم ساحات الصراع على مستقبل فلسطين

ومن هذا المنظور فإن اقتحام بن غفير للأقصى بالتزامن مع اقتحام 1143 مستوطنا لا يمثل حادثة معزولة بل حلقة جديدة في مسار طويل من الإجراءات التي يرى الفلسطينيون أنها تستهدف تغيير طبيعة القدس وتكريس السيطرة الإسرائيلية عليها وعلى مقدساتها

ويظل الشعب الفلسطيني في قلب هذا المشهد بوصفه الطرف الذي يعيش يوميا آثار الاحتلال والاستيطان والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأرض والمقدسات ولذلك فإن أي قراءة جادة لما يحدث في القدس لا يمكن أن تتجاهل حقوق الفلسطينيين ولا أن تتعامل مع الاقتحامات والاستيطان باعتبارها مجرد أحداث أمنية منفصلة عن واقع الاحتلال

إن ما يجري في القدس يطرح سؤالا يتجاوز حدود المسجد الأقصى نفسه وهو إلى أي مدى يمكن أن يستمر فرض الوقائع بالقوة على شعب يعيش تحت الاحتلال دون أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التوتر والصراع وفي ظل استمرار الاستيطان والقيود المفروضة على الفلسطينيين يصبح الحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة مرتبطا أيضا بحماية الوجود الفلسطيني وحقوقه في القدس

ومن هنا فإن التصعيد الأخير يحمل رسالة واضحة مفادها أن معركة القدس ليست معركة على حجر أو مكان فحسب وإنما معركة على الذاكرة والهوية والأرض والحق في الوجود وهي عناصر أساسية في القضية الفلسطينية وفي نضال الفلسطينيين من أجل حقوقهم الوطنية والإنسانية المشروعة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق