أخبار العالمأمريكاأوروبابحوث ودراسات

استقلال أوروبا عن واشنطن في الملف الأوكراني: إعادة توزيع أعباء الحرب أم بداية افتراق استراتيجي؟

مقدمة: تصدّع في إدارة الحرب أم إعادة ترتيب للأولويات؟

تكشف التطورات التي شهدها الملف الأوكراني في الفترة الممتدة من 9 إلى 11 أكتوبر 2026 عن تباين متزايد في حسابات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن إدارة الحرب مع روسيا وشروط إنهائها. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاهمًا مع موسكو بشأن إمدادات الديزل، وتصاعدت انتقاداته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في حين دعا مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، إلى إعداد استراتيجية سلام مستقلة بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.

ولا تكمن أهمية هذه التطورات في تزامن التصريحات فحسب، بل في تقاطع ثلاثة ملفات استراتيجية: أمن الطاقة، واستمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، والتحكم في مسار التفاوض بشأن مستقبل الحرب. فعندما تتباين الأولويات الاقتصادية والسياسية بين الأطراف الداعمة لكييف، تبرز مسألة جوهرية تتعلق بقدرة أوروبا على حماية مصالحها الأمنية من دون أن تبقى رهينة التحولات في السياسة الأمريكية.

في 11 أكتوبر، دعا كوبيليوس إلى أن يعمل الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا على صياغة استراتيجية سلام مستقلة وتنفيذها، معتبرًا أن أوروبا كانت تعوّل على القيادة السياسية الأمريكية للمساعدة في إحلال السلام. ويثبت التصريح وجود دعوة سياسية واضحة إلى التحرك الأوروبي المستقل، لكنه لا يثبت، في حد ذاته، أن الاتحاد الأوروبي أقرّ استراتيجية جديدة وموحدة أو أن الدول الأعضاء اتفقت على شروط تسوية بعينها.

في المقابل، اتخذت روسيا خطوة تنفيذية جزئية في ملف الطاقة، إذ أعلنت حكومتها رفعًا محدودًا لقيود تصدير الديزل ابتداءً من 10 أكتوبر، بما يسمح بطرح 500 ألف طن في الأسواق العالمية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الروسية الرسمية تاس عن بيان حكومي.

ويطرح هذا التزامن سؤالًا يتجاوز الخلاف على المساعدات: هل تتجه إدارة الحرب إلى مرحلة تتباعد فيها المصالح الأمريكية والأوروبية بصورة تؤثر في شروط التسوية، أم أن ما يجري لا يزال ضمن إعادة توزيع الأعباء والأدوات داخل منظومة المصالح الغربية؟

تتمثل الفرضية المركزية للتقرير في أن أوروبا تواجه اختبارًا لمدى قدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي والمالي إلى استقلال سياسي ودفاعي قابل للتنفيذ، في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة ترتيب بعض أولوياتها الاقتصادية والدبلوماسية تجاه روسيا. غير أن هذا التطور لا يكفي وحده لإثبات حدوث قطيعة استراتيجية بين الطرفين.

التصريح الأوروبي من الاعتماد على واشنطن إلى البحث عن هامش قرار مستقل

ينبغي قراءة دعوة كوبيليوس في سياقها المؤسسي والسياسي، مع التمييز بين موقف المسؤول الأوروبي وبين السياسة المعتمدة رسميًا من مؤسسات الاتحاد.

فالتصريح يعكس إدراكًا لمخاطر الاعتماد على القيادة السياسية الأمريكية في تحديد مسار الحرب، لكنه لا يثبت أن بروكسل قررت الانفصال عن واشنطن أو أن الدول الأوروبية اتفقت على بديل تفاوضي متكامل. وتؤكد مواقف الاتحاد الأوروبي المعلنة استمرار التمسك بمسار سلام شامل وعادل ودائم، يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة ويحترم سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، مع توفير ضمانات أمنية موثوقة.

وتبرز هنا ثلاثة أبعاد للاستقلال الأوروبي:

1- الاستقلال في القرار السياسي: يتمثل في قدرة الدول الأوروبية على تحديد شروط التسوية والضمانات الأمنية التي تراها ضرورية، والمشاركة الفعلية في أي تفاوض يحدد مستقبل الأمن القاري، بدل الاكتفاء بالتكيف مع تفاهمات تُصاغ خارج أطرها.

2- الاستقلال في القدرات الدفاعية: يتعلق بقدرة أوروبا على تأمين الذخائر وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة وقطع الغيار، إلى جانب الاستخبارات والإسناد اللوجستي. وهذه القدرات لا تُقاس بالميزانيات المعلنة وحدها، بل بمدى توافر المعدات والإنتاج المستدام والجاهزية العملياتية.

3- الاستقلال في إدارة التسوية: يتطلب تصورًا واضحًا لشروط وقف إطلاق النار، وآليات التحقق من الالتزام به، والضمانات الأمنية، ومستقبل العقوبات، وإعادة الإعمار. ولا يقدم تصريح كوبيليوس تفاصيل كافية عن هذه الملفات، ولذلك لا يجوز اعتباره إعلانًا عن خطة سلام مكتملة.

والاستنتاج هنا أن أوروبا لا تبدأ من الصفر في التفكير بالاستقلال الاستراتيجي، لكن التحدي يكمن في تحويل هذا التوجه إلى قرار موحد وأدوات قابلة للتنفيذ.

اتفاق الديزل الروسي تقاطع المصالح الاقتصادية وحدود الضغط السياسي

في 9 أكتوبر، أعلن ترامب أنه توصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن إمدادات الديزل للأسواق الأمريكية والعالمية. وتضمن الإعلان أكثر من 300 ألف طن في المرحلة الأولى، و500 ألف طن خلال نوفمبر، ومليون طن في مرحلة لاحقة، فضلًا عن الحديث عن ثلاثة ملايين طن إضافية خلال فترة قصيرة.

لكن ينبغي التعامل مع هذه الكميات باعتبارها أرقامًا معلنة ضمن مراحل زمنية مختلفة، لا شحنات ثبت تنفيذها جميعًا.

وفي 10 أكتوبر، أعلنت الحكومة الروسية رفعًا جزئيًا لحظر تصدير الديزل، يسمح بطرح 500 ألف طن في الأسواق الخارجية، مع بدء الشركات الروسية إجراءات التعاقد مع المشترين. ويؤكد هذا القرار وجود خطوة تنفيذية روسية مرتبطة بالتفاهم المعلن، لكنه لا يثبت وصول كامل الكمية إلى وجهتها أو تحقق الأثر الاقتصادي الذي تحدث عنه ترامب.

الحسابات الأمريكية: أمن الإمدادات والضغوط الداخلية

يأتي الاتفاق في سياق ارتفاع أسعار الوقود والاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة، بالتزامن مع الحرب في الشرق الأوسط والضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.

ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير الخطوة باعتبارها محاولة لتوسيع الإمدادات المتاحة وتقليل الضغوط على السوق. لكن هذا التفسير لا يعني أن الاتفاق سيؤدي حتمًا إلى خفض ملموس للأسعار؛ إذ يتوقف ذلك على حجم الشحنات المنفذة، وتوقيت وصولها، وظروف الطلب والتكرير والنقل.

وتكشف الخطوة، في الحد الأدنى، عن استعداد الإدارة الأمريكية للتعامل بمرونة مع بعض القيود المفروضة على تجارة الطاقة الروسية عندما تتقاطع المصالح التجارية مع اعتبارات السوق الداخلية.

الحسابات الروسية: توسيع فرص التصدير

تتيح الخطوة الروسية تخفيفًا جزئيًا للقيود التي كانت تحد من وصول بعض صادرات الديزل إلى الأسواق العالمية. وقد أكدت موسكو استعدادها لتوفير الإمدادات، بينما أعلن مسؤولون روس أن رفع القيود لن يضر باحتياجات السوق المحلية.

لكن لا تتوافر أدلة كافية تسمح بالجزم بأن الاتفاق تضمن تنازلات سياسية أو أمنية أمريكية محددة. كما أن حجم العائدات الإضافية التي يمكن أن تحققها روسيا يظل مرتبطًا بالتنفيذ الفعلي والأسعار وتكاليف التصدير والجهات المستفيدة.

التناقض بين العقوبات ومتطلبات السوق

تقوم العقوبات الاقتصادية على تقليص الموارد المتاحة للطرف المستهدف أو زيادة كلفة سياساته. ومن ثم، فإن تخفيف بعض القيود على صادرات الطاقة الروسية يثير تساؤلًا بشأن اتساق سياسة الضغط الاقتصادي مع متطلبات الإمداد.

غير أن أثر الاتفاق على قدرة روسيا على تمويل الحرب لا يمكن استخلاصه من الإعلان وحده. فذلك يتطلب معرفة حجم الصادرات المنفذة، والعائدات الصافية، ومدى انتقالها إلى الميزانية الروسية أو الجهات المرتبطة بالمجهود العسكري.

وهنا يجب الفصل بين وجود منفعة تجارية محتملة لروسيا، وهو أمر تدعمه طبيعة القرار، وبين القول إن هذه المنفعة ستغير ميزان الحرب، وهو استنتاج لا تكفي المعطيات المتاحة لإثباته.

واشنطن وكييف الخلاف على إدارة الحرب لا يعني انتهاء الدعم تلقائيًا

تصاعد الخلاف بين ترامب وزيلينسكي بعد انتقادات أمريكية للضربات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية، وضغوط على كييف لوقف استهدافها. كما دعا ترامب إلى تغيير القيادة الأوكرانية، في موقف أثار اعتراضات سياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وتكشف هذه التطورات عن خلاف يتجاوز الأسلوب الدبلوماسي، لأنه يمس الأدوات التي تستخدمها أوكرانيا للضغط على روسيا، والحدود التي تريد واشنطن فرضها على استخدام هذه الأدوات.

فبالنسبة إلى كييف، تمثل منشآت الطاقة الروسية أهدافًا يمكن أن تؤثر في الموارد الاقتصادية والقدرة اللوجستية لموسكو. أما الإدارة الأمريكية، فتسعى إلى الحد من الضربات في سياق مساعيها إلى تهدئة التصعيد وتحسين ظروف أسواق الوقود.

وتنشأ من ذلك معضلة مباشرة: هل تستطيع أوكرانيا الاحتفاظ بحرية قرارها العسكري إذا أصبح استمرار بعض أشكال الدعم الأمريكي مرتبطًا بتغيير سلوكها الميداني؟

في هذا السياق، نقلت رويترز عن تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز أن مسؤولين أمريكيين لوّحوا بإمكان وقف بعض أشكال الدعم التسليحي والاستخباراتي إذا استمرت الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية. لكن رويترز أوضحت أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه المعلومات، ولم يكن هناك رد أمريكي رسمي حاسم في التقرير المنشور. لذلك يجب التعامل مع هذا الادعاء بوصفه معلومة منسوبة إلى مصادر، لا قرارًا أمريكيًا مؤكدًا.

ولا تسمح هذه المعطيات بالقول إن واشنطن أوقفت دعمها لأوكرانيا بالفعل، لكنها تشير إلى أن الدعم قد يصبح أداة ضغط في الخلاف بشأن شروط الحرب والتسوية.

إعلان وقف الهجمات على منشآت الطاقة: تفاهم لم تُحسم آليات تنفيذه

في 11 أكتوبر، أعلن ترامب أن روسيا وأوكرانيا وافقتا على وقف الهجمات على منشآت الطاقة. إلا أن الإعلان لم يترافق مع تفاصيل كافية عن نطاق التفاهم ومدته وآليات مراقبته.

وأفاد زيلينسكي بأن الهجمات الروسية استمرت، وقال إن أوكرانيا مستعدة لوقف ضرباتها على منشآت الطاقة الروسية إذا توقفت الهجمات على المنشآت الأوكرانية. كما أشارت التقارير المنشورة في اليوم نفسه إلى أن كييف كانت تنتظر تفاصيل إضافية من الجانب الأمريكي، في حين لم يظهر تأكيد روسي مفصل يثبت دخول اتفاق متبادل حيز التنفيذ.

وعليه، فإن الصياغة الدقيقة هي أن ترامب أعلن تفاهمًا لوقف الهجمات على منشآت الطاقة، بينما ظلت شروطه وآليات تنفيذه بحاجة إلى التحقق.

وتكشف هذه الواقعة عن فجوة محتملة بين قدرة واشنطن على إعلان المبادرات وبين قدرتها على ضمان قبول الأطراف بها والتزامها بها ميدانيًا.

هل تستطيع أوروبا تعويض الولايات المتحدة عسكريًا؟

هذا هو الاختبار العملي لأي استراتيجية مستقلة، فالقوة الاقتصادية الأوروبية تمنح الاتحاد هامشًا واسعًا للتحرك، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة عسكرية مستقلة.

وقد أقر الاتحاد الأوروبي إطار قرض بقيمة 90 مليار يورو لدعم احتياجات أوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، فيما أعلنت المفوضية الأوروبية في 7 أكتوبر صرف 1.24 مليار يورو لأوكرانيا في إطار دعم الطائرات المسيّرة والصواريخ. وتؤكد هذه الإجراءات أن الدعم الأوروبي لا يقتصر على التصريحات، بل يشمل التزامات مالية وبرامج دفاعية فعلية.

لكن هذه الالتزامات لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم:

هل تستطيع أوروبا تعويض الوظائف الأمريكية التي تعتمد عليها أوكرانيا في إدارة العمليات العسكرية؟

يتطلب ذلك تقييم خمسة مجالات:

1-  الذخائر والإنتاج العسكري: قدرة المصانع الأوروبية على توفير إمدادات مستدامة، لا مجرد تغطية الاحتياجات العاجلة.

2-  الدفاع الجوي والصاروخي: توافر الأنظمة والصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار، ومدى قدرة أوروبا على توسيع الإنتاج.

3-  الاستخبارات والاستطلاع: قدرة الدول الأوروبية على توفير معلومات عملياتية مستمرة، بما في ذلك الإنذار المبكر والاستطلاع وتحليل المعطيات.

4- الإسناد والقيادة: النقل العسكري والصيانة والتدريب والتنسيق اللوجستي، وهي وظائف لا يعوضها التمويل وحده.

5-  الاستمرارية السياسية: قدرة الدول الأعضاء على الحفاظ على الالتزامات رغم اختلاف المصالح الوطنية والضغوط الاقتصادية والانتخابية.

وتبرز هنا مفارقة استراتيجية: قد تدفع الخلافات مع واشنطن أوروبا إلى تسريع تطوير صناعاتها الدفاعية، لكنها قد تكشف أيضًا أن تعويض بعض القدرات الأمريكية يحتاج إلى وقت واستثمارات وتنسيق يتجاوز ما يمكن تحقيقه بقرار سياسي منفرد.

لذلك، فإن التقييم الأكثر واقعية هو أن أوروبا تمتلك قاعدة اقتصادية ومالية تسمح لها بتوسيع دعم أوكرانيا، لكن قدرتها على تعويض الولايات المتحدة في جميع المجالات العملياتية لم تثبت بعد.

روسيا توظيف التباينات دون المبالغة في تقدير المكاسب

من منظور موسكو، قد يفتح تباين الأولويات بين واشنطن وبروكسل وكييف مجالًا أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية. لكن وجود خلافات داخل المعسكر المقابل لا يعني أن روسيا حققت تلقائيًا مكاسب استراتيجية حاسمة، يمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة للاستفادة الروسية:

أولًا، توسيع المجال الاقتصادي. يتيح رفع بعض قيود تصدير الديزل فرصًا إضافية للتعاقد والتصدير، لكن حجم المنفعة الفعلية يتوقف على تنفيذ الشحنات والأسعار والعائدات الصافية.

ثانيًا، تحسين الموقع التفاوضي. قد تستفيد موسكو من اختلاف الأولويات بشأن وقف الهجمات والعقوبات وشروط التسوية، بهدف دفع الأطراف إلى مواقف أكثر ملاءمة لمطالبها.

ثالثًا، اختبار التماسك الأوروبي. إذا بقيت أوروبا معتمدة على التوجهات الأمريكية، فقد تحد التحولات في واشنطن من قدرتها على التأثير. أما إذا نجحت في تنسيق موقف مستقل، فقد تواجه روسيا دعمًا أوروبيًا أكثر استقرارًا وأقل ارتباطًا بالتقلبات السياسية الأمريكية.

ومن الضروري، في هذا السياق، عدم تفسير التفاهم الاقتصادي بين بوتين وترامب باعتباره تحولًا شاملًا في العلاقة بين البلدين. فالقرار المتعلق بصادرات الديزل يثبت وجود تقاطع محدود في المصالح، لكنه لا يثبت اتفاقًا على مستقبل أوكرانيا أو على بنية الأمن الأوروبي.

كما لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأن روسيا حصلت على مقابل سياسي أو أمني غير معلن. ويظل هذا الاحتمال فرضية تحتاج إلى أدلة مستقلة، لا أساسًا لبناء استنتاج نهائي.

المعضلة الأوكرانية  بين استمرار المقاومة وضمانات السلام

تواجه كييف معادلة معقدة: استمرار الحرب يستنزف الموارد والبنية التحتية والقدرة البشرية، بينما قد يؤدي قبول تسوية لا تستند إلى ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ إلى ترك المجال مفتوحًا أمام تجدد المواجهة.

ولا يكفي إعلان الرغبة في السلام لحل هذه المعضلة. فأي استراتيجية قابلة للتطبيق تحتاج إلى تحديد شروط وقف إطلاق النار، وآليات التحقق من الالتزام، وطبيعة الضمانات الأمنية، ومستقبل العقوبات، وتمويل إعادة الإعمار.

كما أن مسألة الأراضي المتنازع عليها تظل من أكثر ملفات التفاوض حساسية، لأنها ترتبط بالسيادة والقانون الدولي والتوازن العسكري على الأرض.

وتواجه أوروبا بدورها سؤالًا صعبًا: هل تستطيع تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا تتجاوز التعهدات السياسية العامة، وما الكلفة التي ستكون مستعدة لتحملها إذا انهار أي اتفاق؟

ولا يقدم تصريح كوبيليوس إجابات نهائية عن هذه المسائل. لذلك فإن قيمته تكمن في الإشارة إلى الحاجة إلى مسار مستقل، لا في إثبات أن هذا المسار أصبح مكتملًا.

كذلك، فإن دعوة ترامب إلى تغيير القيادة الأوكرانية لا تثبت وجود آلية قانونية متفق عليها لذلك، فالخلاف السياسي بشأن أداء زيلينسكي منفصل عن مسألة الشرعية الدستورية، التي تتطلب تقييمًا قانونيًا مستقلًا ولا يجوز حسمها بعبارات واردة في خبر صحفي.

السيناريوهات الاستراتيجية المحتملة

السيناريو الأول: استقلال أوروبي تدريجي مع استمرار التنسيق الأمريكي ويعتبر هذا المسار ممكن، اذ يعمل الاتحاد الأوروبي على توسيع قدراته الدفاعية وتأمين تمويل مستدام لأوكرانيا، مع استمرار التنسيق مع واشنطن حيث تتقاطع المصالح. ويتيح ذلك تقليل الاعتماد على التقلبات الأمريكية من دون الوصول إلى قطيعة استراتيجية. اما بالنسبة الى مؤشرات التحقق: قرارات أوروبية جماعية، والتزامات مالية متعددة السنوات، وتوسيع الإنتاج الدفاعي، وتوافق أكبر على شروط التسوية والضمانات الأمنية.

السيناريو الثاني: تفاهمات أمريكية روسية جزئية تزيد الضغط على كييف وأوروبا ويعتبر هذا المسار مسار مشروط، اذا تتقدم واشنطن في ترتيبات محددة تتعلق بالطاقة أو وقف الهجمات، من دون التوصل إلى تسوية شاملة. وقد يؤدي ذلك إلى خلافات بشأن العقوبات وشروط وقف إطلاق النار والضمانات الأمنية. وبالنسبة الى مؤشرات التحقق: قرارات تنفيذية إضافية بشأن القيود الاقتصادية، وتفاهمات موثقة بشأن منشآت الطاقة، ومفاوضات مباشرة تتناول شروط التسوية، وردود أوروبية على ترتيبات لا تشارك فيها.

السيناريو الثالث: تعثر الاستقلال الأوروبي واستمرار الحرب مع دعم متذبذب وبالنسبة الى وقوعه فعو يعبر على مخاطر قائمة، كما تفشل الدول الأوروبية في توفير القدرات اللازمة بالسرعة المطلوبة أو في الاتفاق على شروط التسوية، بينما تتغير الأولويات الأمريكية. وقد تواجه أوكرانيا فجوات في بعض احتياجاتها العسكرية، من دون توافر صيغة سياسية مستقرة لإنهاء الحرب. وبالنسبة الى مؤشرات التحقق: تأخر التوريد، وتراجع الالتزامات المالية، واتساع الخلافات داخل الاتحاد، واستمرار العمليات العسكرية رغم إعلان مبادرات التهدئة.

هذه السيناريوهات تقديرات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة. ولا يمكن ترجيح أحدها نهائيًا قبل اتضاح مدى تنفيذ التعهدات، وطبيعة الترتيبات الأمريكية الروسية، وردود الفعل الروسية والأوكرانية على أي مبادرة سلام.

التقدير الاستراتيجي النهائي

تدل التطورات على أن الخلاف داخل المعسكر الداعم لأوكرانيا بدأ يمسّ جوهر إدارة الحرب، لا مجرد توزيع الأعباء المالية أو اختلاف الأساليب الدبلوماسية. فواشنطن تسعى، وفق التصريحات والإجراءات المعلنة، إلى إعادة ترتيب بعض أولوياتها الاقتصادية والسياسية، بينما تواجه أوروبا ضرورة حماية مصالحها الأمنية من تقلبات القرار الأمريكي.

لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالقول إن الولايات المتحدة تخلت نهائيًا عن أوكرانيا، أو إن الاتحاد الأوروبي انتقل بالفعل إلى استراتيجية مستقلة مكتملة، أو إن روسيا حققت تحولًا حاسمًا في ميزان الحرب نتيجة اتفاق الديزل.

وتكشف المقارنة بين المعطيات الأمريكية والروسية والأوروبية عن ثلاث نتائج أساسية:

  • على المستوى الاقتصادي: اتخذت موسكو وواشنطن خطوة عملية محدودة في مجال الطاقة، لكن أثرها النهائي على الأسعار والعائدات الروسية لم يُحسم بعد.
  • على المستوى السياسي: تعكس دعوة كوبيليوس رغبة في تقليل الاعتماد الأوروبي على القيادة الأمريكية، لكنها لا تمثل بحد ذاتها قرارًا موحدًا صادرًا عن الاتحاد الأوروبي.
  • على المستوى العسكري: لا يزال الاختبار الحقيقي هو قدرة أوروبا على توفير دعم مستدام لأوكرانيا وتعويض الوظائف الأمريكية التي لا تستطيع كييف أو الدول الأوروبية الاستغناء عنها بسهولة.

وبناءً على ذلك، فإن التطور الأهم ليس مجرد الخلاف بين ترامب وزيلينسكي، بل احتمال إعادة توزيع النفوذ والمسؤوليات داخل منظومة الأمن الأوروبي. وقد يسرّع هذا التباعد بناء قدرات أوروبية أكثر استقلالًا، أو يكشف، في المقابل، أن الاستقلال السياسي لا يزال محدودًا بفجوات الإنتاج العسكري والاستخبارات والإسناد والتوافق بين الدول الأعضاء.

الخلاصة:

 لا تُقاس قدرة أوروبا على الاستقلال عن واشنطن بحدة تصريحات مسؤوليها، بل بقدرتها على امتلاك أدوات تنفيذية تسمح لها بالتأثير في شروط الحرب والسلام. وبالمثل، لا يُقاس المكسب الروسي بمجرد حدوث خلاف غربي، بل بمدى قدرة موسكو على تحويل هذا الخلاف إلى نتائج اقتصادية أو عسكرية أو تفاوضية قابلة للإثبات.

ويبقى السؤال الحاسم للمرحلة المقبلة: هل ستتمكن أوروبا من الانتقال من موقع الداعم المالي لأوكرانيا إلى موقع الفاعل المستقل في تحديد شروط التسوية وضمان تنفيذها، أم ستظل خياراتها مرتبطة إلى حد كبير بقرارات واشنطن؟

حكم الاعتماد: هذه هي النسخة المنقحة التي أوصي باعتمادها أساسًا للنشر بعد المراجعة التحريرية النهائية. وقد عولجت فيها النقاط التي أمكن التحقق منها، مع تجنب تقديم التصريحات السياسية بوصفها اتفاقات نافذة، أو تحويل الاحتمالات إلى وقائع. ومع ذلك، لا أصفها بأنها تدقيق شامل لجميع الأطراف؛ إذ لا تزال بعض التفاصيل التنفيذية للاتفاقات المعلنة غير محسومة، ولم تتوافر أدلة مستقلة كافية لإثبات جميع آثارها الاقتصادية والسياسية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق