استخلاص الذهب من الحجر.. من “صدمة الصين” إلى “فرصة الصين”
إعداد وانغ ون ليو ينغ:قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 30-09-2026
قبل عشرين عاما، وصف شي جين بينغ، الذي كان يشغل آنذاك منصب أمين لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة تشجيانغ، معجزة التنمية في إيوو بأنها “تحويل المستحيل إلى ممكن، وخلق شيء من العدم، واستخلاص الذهب من الحجر”. فقد تحولت إيوو من محافظة صغيرة مغمورة في السنوات الأولى للإصلاح والانفتاح بالصين، إلى مركز عالمي شهير لتجارة البضائع الصغيرة. لقد تجاوزت قصتها منذ زمن بعيد مجرد كونها قصة نجاح في السوق الصينية، وصارت نافذة مهمة لفهم التحديث الصيني النمط، وفهم منطق التنمية في الصين، واستشراف مستقبل العولمة.
على مدى عشرين عاما، قدمت إيوو للعالم مسارا تنمويا مختلفا يقوم على التمسك بالإصلاحات الموجهة نحو السوق، مع اضطلاع الحكومة بدور خدمي نشيط؛ والانفتاح على التجارة العالمية، مع الارتكاز على التصنيع المحلي؛ وتشجيع الجهود الفردية، مع التأكيد على التنمية المشتركة. ويجسد هذا النمط التنموي، الذي يجمع بين “السوق الفعالة” و”الحكومة الفاعلة”، نموذجا مصغرا وتجربة مهمة للتحديث الصيني النمط.
سر النجاح.. “السوق الفعالة” و”الحكومة الفاعلة” المتجذرتان في الشعب
يرجع نهوض إيوو إلى جينها التجاري المتمثل في “مقايضة ريش الدجاج بالسكر”، وهي تجارة تقليدية في إيوو، حيث كان الباعة المتجولون فيها يبادلون السكر المحلي بريش الدجاج والخردة، وشكلت الأساس لسوق البضائع الصغيرة لاحقا. في خضم موجة الإصلاح والانفتاح، بادرت إيوو، ذات المساحة المحدودة والكثافة السكانية العالية والموارد الشحيحة، إلى تحويل تقاليدها التجارية الشعبية إلى سوق حديثة نابضة بالحيوية، وحققت نقلة نوعية من سوق مفتوحة في الشوارع إلى أكبر مركز في العالم لتجميع البضائع الصغيرة وتوزيعها.
يوجد في إيوو أكثر من 1ر2 مليون نوع من البضائع، وتمتد شبكتها التجارية إلى أكثر من 230 دولة ومنطقة حول العالم. لكن الأهم من حجمها هو المنطق الذي يقف وراء نجاحها.
فمن ناحية، تضطلع الحكومة بـ”تقديم الخدمات” و”توفير البنية التحتية”، وتعمل على إزالة العقبات أمام تنمية السوق وتهيئة الظروف اللازمة لتطورها من خلال بناء الطرق والموانئ، وتحسين اللوجستيات وبيئة الأعمال، وابتكار أساليب الإدارة والمراقبة. ومن ناحية أخرى، تفسح الحكومة المجال كاملا أمام حيوية الاقتصاد الخاص، بما يتيح لعشرات الآلاف من أصحاب الأعمال الفردية بدء مشروعاتهم بعتبة منخفضة، وإدارة أعمالهم بتكلفة منخفضة، وإتمام المعاملات بكفاءة عالية.
يختلف هذا النمط القائم على أن “الناس يصنعون السوق، والحكومة تخدم السوق، والسوق تربط العالم” عن النموذج الذي يقوم على قيادة الحكومة للاقتصاد، كما يختلف عن احتكار السوق المدفوع برأس المال. وتنبع قوة نموذج إيوو من عشرات الآلاف من صغار التجار الذين يدخلون السوق بتكاليف منخفضة للغاية، وينجزون المعاملات بكفاءة عالية، ويحققون عوائد حقيقية. وتتجسد القدرة التنافسية الجوهرية لنموذج إيوو في إتاحة الفرص أمام عامة الناس من خلال الابتكار المؤسسي، والحد من التوسع غير المنضبط لرأس المال واحتكار السوق، وتمكين أوسع شرائح المجتمع من تقاسم ثمار التنمية.
من إيوو إلى العالم.. الدلالة العملية لـ”عولمة تخدم معيشة الشعب“
لطالما اختزلت بعض السرديات الغربية معجزة التنمية الصينية في “العمالة الرخيصة” أو “الدعم الحكومي”. غير أن تطور إيوو يظهر أن القدرة التنافسية الحقيقية للاقتصاد الصيني تكمن في قدرته الكبيرة على تنظيم السوق والتنسيق بين القطاعات الصناعية وبناء منظومة عالية الكفاءة لسلاسل التوريد.
بالنسبة إلى كثير من الدول الأوروبية والأفريقية، فإن اسم “إيوو” ليس غريبا. ففي المتاجر الصغيرة في شوارع أفريقيا، وأسواق الجملة في جنوبي فرنسا، ومستودعات الموانئ في شمالي أفريقيا، ومراكز التجارة العابرة للحدود في وسط وشرقي أوروبا، يمكن للناس أن يجدوا بضائع قادمة من سوق إيوو. وما يربط هذه المدينة بالعالم لا يقتصر على تجارة البضائع، بل يمتد إلى سبل العيش والأحلام في الدول النامية حول العالم، وملايين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومئات الملايين من الأسر العادية.
بالنسبة إلى أفريقيا، تقدم إيوو نموذجا للتنمية الشاملة يمكن الاستفادة منه. قارة أفريقيا لديها التركيبة السكانية الأصغر سنا في العالم وسوق استهلاكية واسعة، لكنها تواجه تحديات مثل ضعف القاعدة الصناعية وعدم اكتمال سلاسل التوريد. ويظهر مسار إيوو أنه حتى في ظل شح الموارد، يمكن بناء قدرة تنافسية عالمية من خلال تنمية منظومة سوقية مفتوحة وعالية الكفاءة، وخفض تكاليف المعاملات، وتحفيز الحيوية الاقتصادية لدى القطاع الخاص. في إيوو، دخل عدد كبير من الورش العائلية والمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر الأسواق الدولية عبر منصات التجارة، حيث تشارك عشرات الآلاف من الأسر في التجارة الخارجية. ويحمل هذا النمط التنموي، الذي يقوم على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بوصفها القوة الرئيسية، قيمة مهمة يمكن للدول الأفريقية الاستفادة منها.
أما بالنسبة إلى أوروبا، فتمثل إيوو نافذة يمكن من خلالها رصد مرونة الاقتصاد. وفي السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من تصاعد الخطاب حول “إزالة المخاطر” و”فك الارتباط وقطع سلاسل التوريد” في العالم، ظلت تجارة إيوو تحتفظ بحيويتها، وذلك لأن هذه المدينة ترتبط بأكثر الاحتياجات الشعبية واقعية وأساسية واتساعا في العالم. وما تمثله إيوو هو نوع من “العولمة التي تخدم معيشة الشعب”، وتخدم الأسر العادية وصغار ومتوسطي التجار ورواد الأعمال. ومهما تغيرت الأوضاع الدولية، فإن روابط العولمة المتجذرة في الحياة اليومية لمئات الملايين من الناس تظل الأكثر حيوية وقدرة على الاستمرار.
القيمة المعاصرة.. الحكمة الصينية والحلول العالمية
لم تنته العولمة، بل تمر بعملية إعادة تشكيل عميقة. واليوم، تسرع إيوو انتقالها من التجارة التقليدية في البضائع إلى أنماط تجارية جديدة، مثل التجارة الرقمية والتجارة الإلكترونية العابرة للحدود والمستودعات في الخارج، وتتطور من “الشراء من العالم والبيع للعالم” إلى “ربط العالم والتواصل مع العالم وخدمة العالم”. وتواصل “تجربة إيوو” تطورها، لتضخ قدرا جديدا من اليقين في مسيرة العولمة.
والأهم من ذلك، أن إيوو تمثل نموذجا للانفتاح والشمول. يقيم فيها بشكل دائم أكثر من ثلاثين ألف تاجر أجنبي، كما يتعايش فيها أشخاص من أكثر من مائة دولة ومنطقة بسلام، ويمارسون أنشطتهم التجارية معا. إن إيوو ليست مركزا للتجارة فحسب، وإنما أيضا هي مركز للتبادل الثقافي، مما يجعلها نموذجا مصغرا لعولمة تتسم بالتنوع والتعايش. وفي ظل تصاعد الحمائية العالمية، فإن مفهوم الانفتاح والتعاون والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك الذي تمثله إيوو يشكل في حد ذاته إسهاما مهما للعالم.
وإيوو، كونها عقدة مهمة في التعاون بين بلدان الجنوب، لا توفر للدول النامية بضائع عالية الجودة وبأسعار مناسبة فحسب، وإنما أيضا أضحت نافذة مهمة لفهم تجربة الصين في تطوير اقتصاد السوق والتصنيع. ومن “مقايضة ريش الدجاج بالسكر” إلى “سوبرماركت العالم”، ثم إلى “مركز للتجارة العالمية” اليوم، يثبت تطور إيوو أنه لا يوجد نموذج وحيد للتحديث، وأن بإمكان مختلف الدول أن تنطلق من ظروفها الوطنية، وتستكشف مساراتها التنموية الخاصة، وتحقق الازدهار من خلال الانفتاح والتعاون.
أشار رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ، خلال منتدى دافوس الصيفي لعام 2026، إلى أن نظرة العالم إلى الصين تتحول من “صدمة الصين” إلى “فرصة الصين”. وتقدم تجربة إيوو خلال عشرين عاما مثالا عمليا واضحا يؤكد هذا التحول. فعندما يستخدم تجار إيوو خدمات عملاء متعددة اللغات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لخدمة المشترين من أنحاء العالم، وعندما يعود شباب أفارقة إلى بلدانهم لبدء مشروعاتهم بعد إتمام دراستهم في إيوو، وعندما تصبح قطارات الشحن “ييشينأو” ممرا مستقرا لسلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا، فإن ما تجسده إيوو هو الجوهر الحقيقي لـ”فرصة الصين”، وليس لـ”صدمة الصين”.
وهذا بالضبط هو الدرس المهم الذي تقدمه “تجربة إيوو” للعالم بعد عشرين عاما من الممارسة، كما أنه يمثل “فرصة الصين” التي يتيحها التحديث الصيني النمط للتنمية العالمية.
—
وانغ ون، عميد معهد تشونغيانغ للدراسات المالية بجامعة رنمين الصينية، وعميد أكاديمية القيادة العالمية بجامعة رنمين الصينية.
ليو ينغ، باحثة في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية بجامعة رنمين الصينية.



