أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

ازمة الطاقة العالمية: لا بديل عن هرمز!

كان من أولى تداعيات العدوان الأميركي الاسرائيلي على إيران، تعطّل شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية في منظومة الطاقة العالمية، بقرار إيراني مارست فيها سيادتها على مياهها الاقليمية. وهو الممر البحري الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 34 كيلومتراً، تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، تحوّل خلال أيام إلى نقطة اختناق للاقتصاد الدولي.

قبل اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، عبر المضيق نحو 80 ناقلة نفط وغاز في يوم واحد. في اليوم الثاني للحرب لم تعبر سوى ناقلتين. هذه الأرقام تختصر طبيعة الصدمة التي ضربت سوق الطاقة. اذ أن توقف الملاحة يعني عملياً تعطّل تصدير جزء كبير من النفط والغاز الخليجي تحديداً، وهو ما ينعكس فوراً على الأسعار وسلاسل الإمداد العالمية.

السيناريو الذي طالما حذرت منه أسواق الطاقة تحقق هذه المرة. لسنوات استخدمت طهران التهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة ردع في مواجهة أي هجوم خارجي، واعتُبر هذا التهديد في الأدبيات الاستراتيجية الإيرانية سلاحاً يوازي في أهميته مشروعها النووي. مع اندلاع الحرب الأخيرة تحوّل التهديد إلى فعل وكانت النتيجة المباشرة اضطراباً واسعاً في إمدادات الطاقة، واتساع رقعة المواجهة لتشمل بنى تحتية للطاقة في دول الخليج.

كما أن الضربات التي استهدفت منشأة غاز في قطر والتي أدت إلى توقف الإنتاج في شركة الطاقة الوطنية، إحدى أكبر شركات تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، ساهمت في اخراج الواقع الحالي بارتفاع متزايد للاسعار. اذ أن اختفاء هذا الحجم من الإمدادات يعني خروج ما يقارب خُمس تجارة الغاز المسال العالمية من السوق دفعة واحدة. في السعودية أُغلقت مصفاة رأس تنورة التابعة لأرامكو بعد سقوط شظايا مسيّرات جرى اعتراضها. كما اندلع في الإمارات حريق في المنطقة النفطية في الفجيرة، ثالث أكبر مركز لتخزين النفط عالمياً. أما ميناء الدقم في سلطنة عمان فقد أصيب أيضاً ضمن الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة والنقل.

هذه التطورات خلقت بيئة شديدة الاضطراب للملاحة البحرية. نحو 200 سفينة باتت راسية في مياه الخليج غير قادرة على المغادرة، فيما تعرضت ناقلات نفط وغاز لهجمات متفرقة في محيط المضيق. كما بدأت شركات الشحن تتجنب المرور عبر مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى تراجع حركة العبور بنسبة تتجاوز 95 % وفق بيانات تتبع السفن.

الأسواق التقطت الإشارة سريعاً حيث ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 84 دولاراً للبرميل بعد زيادة تقارب 12% منذ بداية الحرب، بينما تجاوز سعر الغاز الطبيعي في أوروبا مستويات أعلى بنحو 70% خلال أيام قليلة. هذه القفزة السريعة تعكس خشية المستثمرين من تحوّل الاضطراب المؤقت إلى نقص مادي في الإمدادات إذا استمر تعطّل الملاحة أو استمرت الهجمات على منشآت الطاقة.

أهمية مضيق هرمز ترتبط بغياب البدائل الواقعية والعملية. في البحر الأحمر يمكن للسفن الالتفاف حول إفريقيا عند تعطل الملاحة في باب المندب حتى لو ترتب على ذلك تحديات أخرى كارتفاع كلفة النقل وطول مدة الشحن. أما هرمز فيشكّل منفذاً شبه وحيد لصادرات الطاقة من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية وأي تعطّل طويل في هذا المسار يضغط مباشرة على الاقتصادات الصناعية الكبرى.

الدول الأكثر تعرضاً للصدمة تقع في شرق آسيا. اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند تعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز من الخليج. بدأت بكين من جهتها اتخاذ إجراءات احترازية عبر توجيه شركات التكرير لوقف صادرات الوقود بهدف تأمين الاحتياجات المحلية. فيما أعلنت الهند إحدى أكبر شركات التكرير تعليق صادرات المنتجات النفطية بسبب احتمال تعطل وصول الخام. وطالبت شركات التكرير في اليابان حكومتها بالسحب من الاحتياطي الاستراتيجي.

هذه الإجراءات تعكس إدراكاً متزايداً بأن الأزمة قد تمتد إلى ما هو أبعد من اضطراب قصير الأمد في الأسعار. اذ أن ارتفاع تكلفة الطاقة ينعكس على مجمل النشاط الاقتصادي، من الصناعات الثقيلة إلى قطاع التكنولوجيا. حيث تدخل الطاقة في كل مراحل الإنتاج تقريباً، ما يجعل ارتفاع أسعارها عاملاً تضخمياً واسع التأثير.

الولايات المتحدة نفسها ليست بمنأى عن هذه التداعيات رغم ارتفاع إنتاجها المحلي من النفط والغاز، فإن سوق الطاقة العالمية مترابطة. اذ أن توجيه المنتجون الأميركيون صادراتهم نحو الأسواق الأكثر ربحية، سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار داخل السوق الأميركية أيضاً. هذا العامل يحمل أبعاداً سياسية إضافية في ظل اقتراب الانتخابات النصفية، حيث يشكل سعر الوقود أحد المؤشرات الحساسة لدى الناخبين.

حتى الآن لا يظهر مسار واضح لاحتواء الأزمة بسرعة حتى الخطط الأميركية لتأمين الملاحة في المضيق، بما في ذلك تقديم ضمانات تأمين للسفن أو مرافقة بحرية لها، قد تستغرق أسابيع قبل أن تصبح قابلة للتنفيذ، وسط شكوك بفعاليتها أيضاً. في المقابل تستمر المواجهة العسكرية في توسيع نطاقها الإقليمي، ما يزيد من هشاشة سوق الطاقة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق