إيران تُسقِط أسطورة ستارلينك: هزيمة لماسك ولأمريكا في ساحة الحرب الكهرومغناطيسية

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 14-01-2026
تعطيل ستارلينك في إيران
في خطوة مهمة تحصل لأول مرة في العالم، نجحت إيران منذ أيام في تعطيل منظومة الإنترنت الفضائي “ستارلينك”، والتصدّي لخطة إيلون ماسك في استخدام هذه الوسيلة لتصعيد أعمال الشغب والعنف والإرهاب التي يقوم بها عملاء أمريكا وإسرائيل في الداخل، كاستمرار للحرب على الجمهورية الإسلامية في إيران.
وقد أعلنت قيادة الفضاء السيبراني الإيرانية، أنها تمكنت من قطع 90٪ من الوصول إلى شبكة “ستارلينك” بنجاح عبر الحرب الإلكترونية. وقامت العديد من وسائل الإعلام الغربية والخبراء التكنولوجيين والعسكريين، بتحليل هذا الأمر وماذا قد تكون نتائجه على تطورات الأوضاع في إيران.
من ناحية أخرى، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الذي يقود جولة الحرب هذه على إيران بشكل مباشر – الأحد الماضي، بأنه يعتزم التحدث مع إيلون ماسك حول إعادة خدمة الإنترنت إلى إيران، دون التطرق إلى ستارلينك، وهو ما يمكن اعتباره إشارةً واضحة من ترامب بأن إيران نجحت بشكل كبير في تعطيل ستارلينك.
فوربس: لم نشهد مثل هذا من قبل
ومن أبرز هذه وسائل الإعلام الغربية التي استعرضت هذه الحادثة، مجلة فوربس الأميركية التي تحدّثت بالتفصيل عن هذا الأمر في مقال تحت عنوان: “مفتاح الإيقاف”.
وجاء في المقال لها: “لم نشهد مثل هذا من قبل. فقد نشرت إيران أجهزة تشويش عسكرية، يُقال إنها مُورّدة من روسيا، لقطع خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية (ستارلينك). يُعدّ هذا الأمر بمثابة تغيير جذري في خطة الاتصال البديلة التي يستخدمها المتظاهرون والناشطون المناهضون للنظام عند انقطاع الإنترنت العادي. ويقول موقع “إيران واير”: “على الرغم من التقارير التي تُفيد بتشغيل عشرات الآلاف من وحدات ستارلينك داخل إيران، إلا أن الإيقاف قد وصل أيضاً إلى الاتصالات عبر الأقمار الصناعية”. تشير التقارير إلى أن حوالي 30% من حركة بيانات ستارلينك (الرفع والتنزيل) قد تعطلت (مبدئيًا)، ثم ارتفعت النسبة بسرعة إلى أكثر من 80% في غضون ساعات”. وذكرت صحيفة التايمز: “بينما لم يتضح بعد سبب انقطاع خدمة ستارلينك في إيران، يقول بعض المختصين إن ذلك قد يكون نتيجة تشويش على أجهزة ستارلينك، مما يُضعف قدرتها على استقبال الإشارات من الأقمار الصناعية””.
وأضاف المقال بأن هناك الكثير من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي التي زعمت بأن التكنولوجيا العسكرية الروسية التي استوردتها إيران خلال الأشهر الأخيرة قد تكون مسؤولة عن التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) (التي تستخدمها أجهزة ستارلينك) وغيره من أنظمة الاتصالات. مبيناً بأن قناة “Channel 4 News” وصفت أنشطة روسيا بأنها “سباق تكنولوجي مع شركة ستارلينك”، التي تقول إنها “معروفة باستخدامها شاحنات تُصدر ضوضاء لاسلكية لتعطيل إشارات الأقمار الصناعية”، وأنه لم يُؤكد بعد نوع التقنيات المستخدمة (من قبل إيران). وفي السياق نفسه، أشارت فوربس الى تعليق أحد خبراء التكنولوجيا حول ما حصل: “أُراقب وأُجري أبحاثًا حول الوصول إلى الإنترنت منذ 20 عامًا، ولم أرَ مثل هذا الأمر في حياتي”.
من جهة أخرى، افترض بعض الخبراء، بأن تكون أجهزة الأمن المختصة في الجمهورية الإسلامية قد أجرت عمليات بحث مكثفة عن محطات ستارلينك، حيث تقوم بتشويش عليها باستخدام أدوات مُطوّرة للحرب الإلكترونية، وتُحلّق بطائرات مسيّرة فوق الأبنية للبحث عن أطباق استقبال الأقمار الصناعية. ووفقاً لهم، فإن وسائل التشويش هي أدوات عسكرية، مشابهة لتلك المستخدمة للتشويش على الطائرات المسيّرة، وهي متطوّرة جداً وتستهلك طاقة كبيرة، وقادرة على تعطيل تردد لاسلكي معين ضمن منطقة محددة، واستخدامها يقتصر على نطاق محددة لكنه لا يغطي البلاد بأكملها.
هل هذه الخطوة قانونية؟
تلجأ معظم الدول إلى فرض قيود محدودة، زمنياً أو جغرافياً، على العديد من خدمات الانترنت، بهدف حفظ الأمن العام للبلاد، وتخضع هذه الإجراءات لرقابة قضائية وإدارية، بحيث يتم تقليل تأثيرها على حقوق المجتمع وضمان استمرار تدفق المعلومات.
هذه الإجراءات تتفق بشكل كبير مع المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 التي تجيز فرض قيود على حرية التعبير وتداول المعلومات في حالات الضرورة عند المساس بالنظام العام، شريطة أن تُفرض هذه القيود عبر مسارات ديمقراطية وقانونية شفافة، تضمن إمكانية الطعن وإعادة النظر لصالح المتضررين.
وفي السياق نفسه، ولمعرفة سلطات الجمهورية الإسلامية بأهمية استمرار خدمات الانترنت لدى المواطنين (خاصةً خلال الأحداث والحالات الطارئة)، لذلك كانت الشبكة الوطنية للإنترنت، من أبرز وأهم المشاريع التي لحظت أهميتها الدولة في الجمهورية الإسلامية مسبقاً. وهذا ما عملت عليه واقعاً، من خلال توفير شبكة انترنت وطنية، تشمل محركات البحث محلية، وخدمات الخرائط والملاحة المحلية، وتطبيقات المراسلة المحلية، وحتى خدمة بث محلية – نسخة إيرانية لخدمات الفيديو مماثلة لنتفليكس.
ستارلينك وإيران
تُعدّ محطات ستارلينك، التي تتصل بالإنترنت عبر آلاف الأقمار الصناعية في مدار أرضي منخفض، الوسيلة الأهمّ لدى مثيري الشغب من أجل التواصل مع مشغليهم. وقد هُرّبت هذه المحطات إلى إيران بكميات هائلة خلال العامين الماضيين.
وتعتمد منظومة ستارلينك على كوكبة أقمار صناعية في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، تقوم بالاتصال مع الأرض عبر صحون استقبال صغيرة/ والذي هو عبارة عن جهاز Wi-Fi يحوّل الإشارة الفضائية إلى إنترنت محلي. وتتميز هذه المنظومة بشكل أساسي بصعوبة حجبها من قبل الحكومات لأنها لا تمر عبر شبكات أرضية. لذلك راهن الغرب ولا يزال عليها لكسر قطع الإنترنت الذي تفرضه إيران أو لتفعيله في الصين (مثلاً) أو استخدامه لدعم العمليات العسكرية (مثلما حصل في أوكرانيا حيث شكلت العمود الفقري لاتصالات الجيش الأوكراني وقد عجزت روسيا عن تحييدها).
_ يتراوح عدد المحطات المهربة بحسب أحد المقالات ما بين 50 ألف و100 ألف محطة.
_إجمالي عدد مستخدمي ستارلينك في البلاد – بحسب إحصاءات غربية – لا يتجاوز مئات الآلاف، فيما يتخطى عدد مواطني إيران عتبة الـ 92 مليون نسمة.
_في العام 2025، وبعدما استخدم الكيان المؤقت هذه الأجهزة لتنفيذ عمليات الاغتيال والتخريب الداخلي في إيران، خلال عدوان وحرب الـ 12 يوماً، تم إصدار قانون “يُحظر استخدام أو نقل أو شراء أو بيع أو استيراد أو توفير أجهزة اتصالات الإنترنت الإلكترونية غير المصرح بها، مثل ستارلينك، ويعاقب مرتكبها بالسجن من الدرجة السادسة (تعزير) ومصادرة الجهاز. كما يعاقب مرتكب هذه الأفعال بالسجن من الدرجة الرابعة (تعزير) على توريد أو إنتاج أو توزيع أو استيراد أكثر من عشرة أجهزة من الأجهزة المذكورة، أو القيام بالأفعال المذكورة بقصد معارضة النظام”. وتتراوح عقوبة الجريمة من الدرجة الرابعة بين 5 و10 سنوات في السجن.
وجاء هذا القانون التشريعي في إطار معالجة الثغرات التي ظهرت خلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي، فقد رصدت معدات “ستارلينك” لدى بعض المجموعات العميلة لإسرائيل، لتأمين الاتصال الآمن مع الأقمار الاصطناعية في محيط مواقع استراتيجية في البلاد، كما انتشرت فيديوهات عن استخدام ذلك في محيط قواعد عسكرية في كرج وغربي إيران.
إيران: قدرات كهرومغناطسية لا يستهان بها
في المحصلة، حتى التقديرات الإسرائيلية نفسها تعترف بأن إيران لم تعد لاعباً هامشياً في ميدان الحرب الإلكترونية، بل قوة متمرسة دمجت المجال الكهرومغناطيسي في صلب عقيدتها العسكرية، بوصفه ساحة اشتباك لا تقل شأناً عن البر والبحر والجو.
فبفضل استثماراتها المتراكمة في التشويش والهجوم الإلكتروني-الكهرومغناطيسي، وبالاستناد إلى خبراتها السابقة في الدفاع الجوي وتعطيل البث الفضائي والاتصالات، نجحت طهران في بناء قدرة “تعطيل غير حركي” قادرة على شلّ أنظمة خصومها من دون إطلاق صاروخ واحد. ومن هنا تتضح الدلالة الاستراتيجية لما جرى: “ستارلينك” لم تُهزم بالقوة النارية، بل أُغرقت في بحر من الضجيج الطيفي، لتسقط معها أسطورة “الإنترنت الذي لا يُقطع”، وتُثبت أن حتى أكثر البنى الفضائية تقدّماً يمكن تحييدها حين تواجه دولة تحكم قبضتها على المجال الكهرومغناطيسي.
المصدر: موقع الخنادق



