إيران: المسار الدبلوماسي في ظل الحرب

إعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات 28-04-2026
تتحرك إيران دبلوماسيًا في هذه المرحلة ضمن سياق يتجاوز إدارة أزمة آنية، ليعكس محاولة لإعادة التموضع داخل بيئة صراع معقدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فالحرب لم تعد تُدار فقط عبر الأدوات العسكرية، بل أصبحت الدبلوماسية ساحة موازية تُعاد فيها صياغة موازين القوى وشروط التفاوض، بما يجعل الحركة السياسية جزءًا من أدوات الصمود وإدارة الاشتباك في آن واحد.
وفي هذا الإطار، تبرز تحركات عباس عراقجي نحو باكستان وسلطنة عمان وروسيا باعتبارها جزءًا من استراتيجية متعددة المسارات لإدارة الصراع، لا مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي. فهذه العواصم الثلاث تمثل مسارات متكاملة:
باكستان كفاعل إقليمي معني بالاستقرار، وعمان كقناة موثوقة للوساطة، وروسيا كقوة دولية قادرة على التأثير في موازين التفاوض.
وتكتسب زيارة موسكو أهمية خاصة بوصفها محطة مركزية في هذا الحراك، خاصة في ظل اللقاء الذي جمع عباس عراقجي بالرئيس فلاديمير بوتين، والذي عبّر عن تقديره لصمود إيران وموقف شعبها، في إشارة تتجاوز المجاملة إلى دعم سياسي محسوب.
هذه الزيارة تعكس رغبة إيرانية في الاستماع إلى الرؤية الروسية والاستفادة من خبرتها في إدارة التفاوض مع الغرب، خصوصًا أن موسكو تمتلك تجربة طويلة في التعامل مع الضغوط الأمريكية وصياغة التوازنات الدولية.
ولا ينفصل هذا التقارب عن طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث ترتبط روسيا مباشرة بالملف النووي الإيراني عبر مشاريع مثل مفاعل بوشهر، وما قدمته من دعم فني وتقني، فضلًا عن طرحها مبادرات سابقة تتعلق بترتيبات تخص اليورانيوم الإيراني. وهو ما يجعلها شريكًا ذا مصلحة في مستقبل هذا الملف، وقادرًا على الإسهام في صياغة حلول وسط.
كما يمتد التعاون بين الجانبين إلى أبعاد عسكرية واستخباراتية، وإن ظل ضمن حدود لا تصل إلى تدخل مباشر في الحرب، بحكم حسابات موسكو المرتبطة بتجنب توسيع نطاق المواجهة في ظل انشغالاتها الدولية. ومع ذلك، تنظر روسيا إلى إيران كشريك استراتيجي يمكن أن يسهم في موازنة النفوذ الأمريكي، ما يعكس إدراكًا مشتركًا بأن ما يجري يتجاوز الإطار الإقليمي إلى صراع أوسع على موازين القوى الدولية.
في المقابل، تتحرك سلطنة عمان ضمن مسار الوساطة الهادئة، حيث تلعب دورًا في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة وموقعها المرتبط باستقرار مضيق هرمز، بينما تسعى باكستان إلى خفض التوتر انطلاقًا من اعتبارات أمنية وإقليمية، ما يعكس تنوع الأدوات التي توظفها إيران في إدارة الصراع.
هذا الحراك الدبلوماسي يعكس رسالة واضحة: أن إيران لا تتحرك من موقع عزلة، بل من خلال شبكة علاقات قادرة على خلق توازنات بديلة، وهو ما يضيف عنصر ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة ويدفعها لإعادة حساباتها بشأن جدوى استمرار التصعيد.
في هذا السياق، يمكن فهم سلوك دونالد ترامب، حيث تبدو تصريحاته المتكررة والمتناقضة جزءًا من محاولة للضغط النفسي والإعلامي على إيران، لكنها تعكس أيضًا بحثًا عن مخرج سياسي في ظل تعقيد المشهد، وارتفاع كلفة الحسم العسكري.
وفي المقابل، تستثمر إيران في هذا التعقيد عبر دبلوماسية نشطة تهدف إلى تحقيق اختراق تدريجي، أو على الأقل منع فرض تسوية أحادية عليها. فنجاح هذه الدبلوماسية لا يُقاس بإبرام اتفاق سريع، بل بقدرتها على إدارة الصراع وتحويل الصمود إلى مكاسب سياسية.
ورغم ما تعرضت له إيران من ضغوط، فإنها ما تزال تمتلك أوراق قوة متعددة، تشمل موقعها الجغرافي وتأثيرها في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، إلى جانب أوراق غير مباشرة مثل باب المندب، فضلاً عن نفوذها الإقليمي في لبنان عبر حزب الله، ما يجعل أي تصعيد يحمل كلفة عالية على جميع الأطراف.
هذه المعطيات جعلت من الصعب تحقيق حسم عسكري سريع، وهو ما وضع الولايات المتحدة وإسرائيل أمام معضلة استراتيجية: استمرار الحرب يرفع الكلفة دون ضمان تحقيق الأهداف، بينما التراجع يفرض أثمانًا سياسية.
وفي حال تمكنت إيران من الصمود وإنهاء الحرب دون تحقيق الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تحول مهم في ميزان القوى الإقليمي، وهو ما يفسر التحفظات الإسرائيلية على أي تسوية لا تضمن تقليص هذا الدور.
في النهاية، لا تتحرك إيران نحو تسوية جاهزة، بل نحو إعادة صياغة شروطها، مستفيدة من الدبلوماسية كأداة موازية للحرب. وفي ظل مؤشرات على رغبة أمريكية في إيجاد مخرج، يبقى مستقبل هذا المسار مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل التعقيد إلى تسوية، أو الاستمرار في إدارة صراع مفتوح تتداخل فيه الحرب بالدبلوماسية دون حسم قريب.



