أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

إسرائيل بعد تكليف غادي آيزنكوت: إعادة تشكيل السلطة السياسية وحدود التحول في العقيدة الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية

مقدمة: انتقال مركز المبادرة السياسية لا يعني بالضرورة انتقال السلطة

يمثل قرار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة تطورا يتجاوز حدود التنافس الحزبي على رئاسة السلطة التنفيذية، لأنه يكشف عن اختلال في المعادلة السياسية التي حكمت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، وعن صعوبة إعادة إنتاج الائتلاف الذي استند إليه بنيامين نتنياهو في إدارة الدولة والحرب والعلاقات الإقليمية.

غير أن الدلالة الأعمق لهذا التطور لا تكمن في انتقال السلطة من نتنياهو إلى آيزنكوت، إذ إن هذا الانتقال لم يتحقق بعد، وإنما في انتقال مركز المبادرة الدستورية والسياسية إلى شخصية عسكرية سابقة استطاعت تجميع توصيات برلمانية أوسع من تلك التي حصل عليها رئيس الحكومة القائم، من دون أن تمتلك حتى الآن أغلبية ائتلافية متماسكة تتيح لها ضمان تشكيل حكومة جديدة.

لقد أفرزت انتخابات 27 أكتوبر 2026 برلمانا شديد التجزؤ، حيث احتفظ حزب الليكود بصدارة القوائم الانتخابية بحصوله على 27 مقعدا، مقابل 21 مقعدا لحزب “يشار” بقيادة آيزنكوت.

وفي المقابل، حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدا، ما جعلها طرفا حاسما في تحديد المسار المحتمل لتشكيل الحكومة، رغم استمرار القيود السياسية والأيديولوجية التي تواجه مشاركتها في الائتلافات الحكومية الإسرائيلية.

وتكشف هذه النتائج عن مفارقة سياسية أساسية: المعسكر المرتبط بنتنياهو لم يعد يمتلك الأغلبية البرلمانية اللازمة للحكم، لكن القوى التي تسعى إلى استبداله لا تمتلك أيضا صيغة ائتلافية مستقرة، بسبب التناقضات المتعلقة بالخدمة العسكرية، وموقع الأحزاب الدينية، وطبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية، ومستقبل إدارة الحرب والملفات الأمنية.

ومن ثم، فإن تكليف آيزنكوت ينبغي قراءته ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:

  • أزمة إعادة إنتاج الائتلاف الحاكم وتراجع قدرة نتنياهو على المحافظة على معادلة الأغلبية السابقة.
  • صعود شخصية ذات خلفية عسكرية إلى مركز المبادرة السياسية في مرحلة تتزايد فيها أهمية المؤسسة الأمنية داخل عملية صنع القرار.
  • استمرار التناقض بين الرغبة في تغيير القيادة السياسية والمحافظة على كثير من الثوابت الأمنية والاستراتيجية للدولة الإسرائيلية.

فهل يشكل صعود آيزنكوت بداية إعادة هيكلة فعلية لمنظومة الحكم والأمن في إسرائيل، أم أنه يمثل محاولة لإعادة ترميم النظام السياسي القائم عبر تغيير قيادته وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخله، دون مراجعة جوهر سياساته تجاه الفلسطينيين والبيئة الإقليمية؟

 الخريطة البرلمانية الجديدة: تراجع أغلبية نتنياهو دون تشكل بديل متماسك

تكتسب النتائج الانتخابية أهميتها من طبيعة توزيع القوة بين الأحزاب، وليس فقط من عدد المقاعد التي حصل عليها كل مرشح.

فوفق النتائج الرسمية النهائية للكنيست السادس والعشرين، توزعت المقاعد على النحو التالي:

  • الليكود: 27 مقعدا
  • يشار بقيادة آيزنكوت: 21 مقعدا
  • معاً بقيادة نفتالي بينيت: 12 مقعدا
  • القائمة المشتركة: 11 مقعدا
  • الديمقراطيون بقيادة يائير غولان: 8 مقاعد
  • القائمة العربية الموحدة “رعام”: 8 مقاعد
  • إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان: 7 مقاعد
  • عوتسما يهوديت: 7 مقاعد
  • يهدوت هتوراة: 7 مقاعد
  • شاس: 6 مقاعد
  • الصهيونية الدينية وزيهوت: 6 مقاعد

وتسمح هذه النتائج بإعادة تركيب الخريطة السياسية في ثلاثة تجمعات حسابية، مع التنبيه إلى أنها ليست بالضرورة ائتلافات متفقا عليها.

المجموعة الأولى: المعسكر المرتبط بنتنياهو.

يضم الليكود، وعوتسما يهوديت، ويهدوت هتوراة، وشاس، والصهيونية الدينية وزيهوت، بمجموع 53 مقعدا.

لكن هذا الرقم يعبر عن تجميع القوى المحسوبة على المعسكر اليميني والديني، وليس عن التزام موحد من جميع هذه الأحزاب بإعادة ترشيح نتنياهو؛ فقد امتنعت يهدوت هتوراة، التي تمتلك سبعة مقاعد، عن تقديم توصية لأي مرشح خلال المشاورات الرئاسية.

المجموعة الثانية: معسكر التغيير بقيادة آيزنكوت.

يتكون من يشار، ومعا، والديمقراطيين، وإسرائيل بيتنا، بمجموع 48 مقعدا.

وهذه المجموعة أكثر تنوعا من حيث المرجعيات السياسية، إذ تجمع بين تيارات يمينية وقومية ووسطية وليبرالية، وتربط بينها أساسا الرغبة في إنهاء حكم نتنياهو، مع اختلافات بشأن شكل الحكومة المقبلة وبرنامجها.

المجموعة الثالثة: الأحزاب العربية.

تضم القائمة المشتركة ورعام بمجموع 19 مقعدا، وهي كتلة برلمانية ذات وزن غير مسبوق في هذه المعادلة الانتخابية، لكنها ليست تنظيما سياسيا موحدا، ولا تتطابق مواقف مكوناتها في جميع الملفات.

وتكمن أهمية هذه المجموعة في أن توصيتها لآيزنكوت ساهمت في منحه الأفضلية خلال المشاورات الرئاسية، لكنها لا تعني بالضرورة موافقتها على الانضمام إلى الحكومة أو التزامها بدعم جميع سياساتها.

 ما هي دلالة توصية 67 نائبا؟

حصل آيزنكوت على توصيات 67 عضوا في الكنيست، مقابل 46 لنتنياهو، بينما لم تقدم كتلة يهدوت هتوراة، المكونة من سبعة أعضاء، توصية لأي منهما.

لكن قراءة هذه الأرقام باعتبارها أغلبية حكومية جاهزة تمثل خطأً في التقدير السياسي، فالأرقام الـ67 تتكون من 48 مقعدا للأحزاب اليهودية الأربعة المعارضة لنتنياهو، و19 مقعدا للقائمتين العربيتين. وهذا التجميع يعكس توافقا على مرشح التكليف، وليس اتفاقا على برنامج حكومي أو توزيع الحقائب أو طبيعة التحالف السياسي.

والأكثر أهمية أن الأحزاب الثلاثة، يشار ومعا وإسرائيل بيتنا، أعلنت خلال الحملة رفضها تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، وهو ما يجعل الانتقال من التوصية الرئاسية إلى اتفاق ائتلافي فعلي عملية شديدة التعقيد.

ومن هنا، فإن التكليف يمنح آيزنكوت أفضلية إجرائية، لكنه يضعه أمام معضلة سياسية تتمثل في ضرورة تحويل أصوات متباينة إلى اتفاق قابل للحكم.

 آيزنكوت ومركز الثقل العسكري في السياسة الإسرائيلية

لا يمكن فهم صعود غادي آيزنكوت بمعزل عن خلفيته داخل المؤسسة العسكرية، ولا عن طبيعة المرحلة التي تمر بها إسرائيل بعد حرب غزة والتصعيد الإقليمي وتراجع الثقة في آليات اتخاذ القرار الأمني.

فقد شغل آيزنكوت منصب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي بين فبراير 2015 ويناير 2019، بعد مسار عسكري امتد لأكثر من أربعة عقود، وشمل قيادة المنطقة الشمالية، وقيادة فرقة الضفة الغربية، ورئاسة مديرية العمليات، ومنصب نائب رئيس هيئة الأركان.

هذه الخلفية تمنحه معرفة مباشرة ببنية المؤسسة العسكرية، وآليات التخطيط العملياتي، والعلاقة بين المستويين السياسي والعسكري، فضلا عن طبيعة التحديات التي تواجه إسرائيل في الجبهات المحيطة بها.

لكن من المهم عدم الوقوع في استنتاج مبسط مفاده أن وصول قائد عسكري سابق إلى رئاسة الحكومة يعني انتقال السلطة إلى المؤسسة العسكرية.

فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية ليست كتلة واحدة، كما أن خبرة آيزنكوت العسكرية لا تعني تطابق تقديراته الحالية مع مواقف جميع القيادات الأمنية والعسكرية.

والأهم أن رئاسة الحكومة تفرض عليه الانتقال من منطق القيادة العسكرية إلى منطق إدارة الدولة، بما يتضمنه من تفاوض حزبي، وتسويات اجتماعية، وقيود دستورية، وتوازنات اقتصادية وسياسية.

من الشرعية العسكرية إلى الشرعية السياسية

يستند جزء من الرصيد السياسي لآيزنكوت إلى خلفيته العسكرية، وإلى تقديم نفسه باعتباره شخصية قادرة على إعادة تنظيم عملية اتخاذ القرار بعد الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجمات 7 أكتوبر 2023.

لكن هذا الرصيد لا يكفي وحده لبناء حكومة، فالمجتمع الإسرائيلي لا يواجه أزمة أمنية فقط، بل يواجه أيضا خلافات عميقة بشأن توزيع الأعباء العسكرية، والاقتصاد، والهوية الدينية للدولة، ومكانة القضاء، وطبيعة العلاقة بين الحكومة والمؤسسات الأمنية.

ومن ثم، فإن نجاح آيزنكوت السياسي سيتوقف على قدرته على تحويل صورته العسكرية إلى مشروع حكم يستطيع استيعاب هذه التناقضات.

حدود الاختلاف عن نتنياهو

لا ينبغي التعامل مع آيزنكوت باعتباره نقيضا استراتيجيا لنتنياهو لمجرد اختلافهما في إدارة الحكومة أو في بعض القرارات المتعلقة بالحرب.

فكلاهما يتحرك داخل منظومة أمنية وسياسية تتبنى عناصر ثابتة، من بينها المحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي، ومنع الخصوم الإقليميين من امتلاك قدرات تعتبرها إسرائيل تهديدا استراتيجيا، والحفاظ على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة.

والفارق الذي يستحق الدراسة هو مدى اختلاف أسلوب إدارة هذه الأهداف، وآليات اتخاذ القرار، وحدود استخدام القوة، وليس افتراض أن تغيير القيادة سيؤدي تلقائياً إلى تغيير أهداف الدولة.

معركة تشكيل الحكومة: التناقضات التي قد تعطل انتقال السلطة

تتمثل العقبة الأساسية أمام آيزنكوت في أن القوى التي أيدت تكليفه لا تمتلك تصورا موحدا للحكومة التي تريد تشكيلها. وهذا يجعل مفاوضات الائتلاف اختبارا لقدرة المعسكر المناهض لنتنياهو على الانتقال من التنسيق الانتخابي إلى التوافق على إدارة الدولة.

وتبرز ثلاثة ملفات حاسمة في هذا السياق.

  • الأحزاب العربية: المشاركة في تغيير الحكومة دون المشاركة في السلطة

تمثل الأحزاب العربية العامل الأكثر حساسية في مفاوضات تشكيل الحكومة، فالقائمة المشتركة، التي تمتلك 11 مقعدا، ورعام، التي تمتلك ثمانية مقاعد، أوصتا بتكليف آيزنكوت. لكن هذه التوصية لا تعني أنهما اتفقتا معه على برنامج سياسي شامل.

وقد أعلنت القائمة المشتركة استعدادها لدعم حكومة بديلة من خارج الائتلاف، بينما طرحت رعام مواقف تتعلق بدورها في الترتيبات الحكومية، وباحتياجات المجتمع العربي داخل إسرائيل.

وتكمن المفارقة في أن آيزنكوت يحتاج حسابيا إلى أصوات هذه الأحزاب أو إلى امتناع بعضها عن التصويت في ترتيبات معينة، بينما ترفض أطراف رئيسية داخل معسكره الاعتماد على دعمها، وهذا يضعه أمام خيارين صعبين:

الأول، التوصل إلى صيغة دعم برلماني خارجي تسمح بتشكيل حكومة من دون إدخال الأحزاب العربية إلى الائتلاف، مع تقديم التزامات محددة بشأن الميزانيات والخدمات والقضايا المدنية.

والثاني، البحث عن بديل داخل المعسكر اليهودي، حتى لو تطلب ذلك التفاوض مع أحزاب دينية كانت جزءا من المعسكر المرتبط بنتنياهو.

لكن كلا المسارين يتضمن تنازلات سياسية قد تؤثر في تماسك التحالف.

ملف التجنيد: نقطة الاشتباك بين آيزنكوت والأحزاب الدينية

يمثل تجنيد اليهود المتدينين المتشددين في الجيش الإسرائيلي أحد أكثر الملفات قدرة على إفشال مفاوضات تشكيل الحكومة.

فآيزنكوت أعلن التزامه بمبدأ الخدمة العسكرية أو الوطنية للجميع، مع استثناء محدود لا يتجاوز 3% من كل دفعة تجنيد للحالات الاستثنائية التي تتفوق في مجالات دينية أو علمية أو فنية أو رياضية، وفق ما ورد في تصريحاته الانتخابية.

كما أعلن أن هذه المسألة ليست مجالاً للمساومة السياسية حتى لو أدى الخلاف بشأنها إلى انتخابات جديدة.

في المقابل، ترتبط مطالب شاس ويهدوت هتوراة بالمحافظة على ترتيبات الإعفاء من الخدمة العسكرية، وحماية المؤسسات التعليمية الدينية والامتيازات المرتبطة بها.

وهذا التناقض يتجاوز مسألة توزيع المسؤوليات العسكرية، لأنه يعكس صراعاً حول تعريف المواطنة وتوزيع الالتزامات داخل الدولة.

فمن منظور المؤسسة العسكرية، يؤدي استمرار الإعفاءات الواسعة إلى زيادة العبء على القوات النظامية والاحتياطية، خصوصاً بعد سنوات الحرب الممتدة.

أما من منظور الأحزاب الدينية، فإن تقليص الإعفاءات يمثل تدخل في نمط الحياة الدينية ومساس بموقع المؤسسات التعليمية التي تستند إليها قواعدها الانتخابية.

وبالتالي، فإن نجاح آيزنكوت في تشكيل الحكومة سيظل مرتبط بقدرته على التوصل إلى تسوية لا تؤدي إلى انهيار برنامجه الأساسي، ولا تغلق في الوقت نفسه أبواب التفاوض مع الأحزاب الدينية.

ليبرمان وبينيت: حدود التحالف بين اليمين المعارض والوسط

يمثل موقف أفيغدور ليبرمان أحد العوامل التي ينبغي مراقبتها بدقة، فليبرمان يمتلك سبعة مقاعد، ويعتبر أن استبدال نتنياهو هدف سياسي مهم، لكنه لا يقبل بسهولة صيغة تعتمد على الأحزاب العربية أو على دعمها البرلماني.

وفي المقابل، ظهرت تقارير إسرائيلية عن انفتاحه على إمكانية التعامل مع يهدوت هتوراة، بما قد يسمح ببناء صيغة بديلة تستبعد الاعتماد المباشر على الأحزاب العربية.

لكن هذا المسار يصطدم بموقف آيزنكوت من قانون التجنيد، كما يثير أسئلة حول طبيعة التسوية الممكنة مع الأحزاب الدينية.

أما نفتالي بينيت، فإن مشاركته في معسكر التغيير لا تعني تطابقه مع آيزنكوت في قضايا الاستيطان والملف الفلسطيني والأمن الإقليمي.

ومن هنا، فإن التحدي لا يتمثل فقط في جمع 61 مقعدا، بل في بناء حكومة تستطيع المحافظة على تماسكها عندما تنتقل من مرحلة التفاوض إلى اتخاذ القرارات الأمنية والسياسية.

ما تكشفه المؤشرات غير العلنية عن مراكز التوتر داخل النظام الإسرائيلي

هذا المحور يستحق معالجة خاصة، لأنه يسمح بالانتقال من متابعة التصريحات الحزبية إلى تحليل التوترات المؤسسية التي قد تؤثر في تشكيل الحكومة.

لكن من الضروري التمييز بين الوثيقة الرسمية المغلقة التي لا تتاح للجمهور، والمعلومات الاستخباراتية المنسوبة إلى مصادر مجهولة، والتسريبات الإعلامية. فهذه المستويات لا تتمتع بالقيمة الإثباتية نفسها، وفي هذا الملف، تظهر ثلاثة مؤشرات تستحق المتابعة:

ملف التدخل الخارجي في الانتخابات: تسييس المعلومة الاستخباراتية

من التطورات المهمة التي لم تحظَ بالاهتمام الكافي في التحليلات السياسية الأولية، التحقيق الذي فتحته الأجهزة الإسرائيلية بشأن مزاعم تدخل جهات خارجية في الانتخابات، عبر تمويل أنشطة أو التأثير في سلوك الناخبين داخل بعض المجتمعات العربية.

فقد أفادت تقارير نشرت في نهاية أكتوبر وبداية نوفمبر بأن جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” عرض أمام لجنة الانتخابات المركزية معلومات استخباراتية تتعلق باشتباه في عمليات تمويل وتأثير خارجي، وجرى تداول أسماء دول، بينها قطر وتركيا والسلطة الفلسطينية، في تقارير إعلامية عن الجهات المحتملة.

لكن هذه المزاعم لم تثبت قضائيا، ولم تنشر الأجهزة المعنية أدلة مكتملة تسمح بتحديد الجهات المسؤولة أو حجم النشاط أو تأثيره الفعلي في النتائج.

وتبرز هنا ثلاث وقائع مؤسسية مهمة:

  • رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ طلب إجراء تحقيق في الاشتباه بالتدخل الخارجي.
  • الشاباك تحدث عن معلومات استخباراتية تتطلب استكمال التحقيق، من دون الكشف عن تفاصيل الأدلة أو الأطراف المعنية
  • لجنة الانتخابات رفضت اعتبار الادعاءات دليلاً على وجود تزوير واسع أو سببا لإبطال النتائج، وأكدت أن العملية الانتخابية جرت بصورة قانونية وفق المعلومات المتاحة لديها.

كما ظهرت خلافات بين الشاباك والنيابة العامة حول كيفية تسليم المواد الاستخباراتية وإمكانية استجواب شخصيات سياسية عربية، وهو ما كشف عن توتر مؤسسي بشأن حدود استخدام المعلومات الأمنية في ملف انتخابي شديد الحساسية.

فلا تكمن أهمية هذا الملف في صحة الاتهامات المتداولة، التي لا يجوز اعتمادها باعتبارها حقائق مثبتة، بل في الطريقة التي أصبح بها النشاط الاستخباراتي جزءاً من الصراع السياسي حول شرعية النتائج الانتخابية.

ففي بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، يمكن للمعلومات الاستخباراتية غير المكتملة أن تتحول إلى أداة ضغط سياسي، خصوصاً عندما تتصل بمشاركة الناخبين العرب وبمستقبل الحكومة.

وهذا يفرض مراقبة العلاقة بين الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية والهيئات القضائية، لأن تسييس الملفات الاستخباراتية قد يؤثر في الثقة المؤسسية، وفي قدرة الحكومة المقبلة على بناء شرعية داخلية مستقرة.

السيطرة على رئاسة الكنيست: معركة مؤسسية تسبق تشكيل الحكومة

من المؤشرات الأقل ظهورا في التغطية السياسية، الصراع حول رئاسة الكنيست الجديد.

فالأحزاب المعارضة لنتنياهو تسعى إلى تغيير رئيس الكنيست أمير أوحانا، مستفيدة من امتلاكها حسابياً 67 مقعدا في البرلمان الجديد.

لكن الخلاف ظهر داخل معسكر آيزنكوت نفسه بشأن الشخصية التي ينبغي أن تتولى هذا المنصب.

فبينيت وليبرمان أبديا دعماً لاسم يائير لابيد، بينما تشير التقارير إلى أن آيزنكوت يفضل منح المنصب لشخصية من حزبه، وهو ما يكشف عن اختلافات تتعلق بتوزيع المواقع المؤسسية حتى قبل حسم مفاوضات الحكومة.

وتكتسب هذه المعركة أهمية خاصة لأن رئاسة الكنيست ليست موقعا بروتوكوليا فقط، بل تؤثر في إدارة الجلسات، وجدول الأعمال التشريعي، وآليات تقديم مشاريع القوانين، وتنظيم المواجهة البرلمانية مع الحكومة القائمة.

ومن ثم، فإن محاولة السيطرة على رئاسة الكنيست قبل تشكيل الحكومة يمكن قراءتها باعتبارها سعياً إلى إعادة توزيع أدوات القوة داخل المؤسسة التشريعية، بما يمنح معسكر التغيير قدرة على التأثير في المشهد السياسي حتى قبل امتلاكه السلطة التنفيذية.

مستقبل نتنياهو داخل الليكود: استمرار النفوذ أم بداية إعادة ترتيب القيادة؟

يمثل مستقبل نتنياهو داخل حزبه عاملا لا يقل أهمية عن مفاوضات تشكيل الحكومة.

فخسارة الأغلبية لا تعني تلقائيا انهيار قيادته داخل الليكود، كما أن استمرار الحزب بوصفه أكبر قائمة انتخابية يمنحه قاعدة سياسية وبرلمانية يمكن توظيفها في أي مفاوضات لاحقة.

لكن استمرار حالة الانسداد قد يعيد فتح النقاش داخل الحزب بشأن جدوى استمرار القيادة الحالية، خصوصاً إذا فشل نتنياهو في استعادة المبادرة أو اضطر إلى القبول بتسوية سياسية تقلص نفوذه.

ولا توجد حتى الآن أدلة كافية تسمح بالقول إن هناك تحركا تنظيميا حاسما لإزاحته من قيادة الليكود. ولذلك ينبغي التعامل مع مسألة الخلافة باعتبارها احتمالا سياسيا يخضع للمراقبة، وليس تطوراً تحقق بالفعل.

آيزنكوت والمؤسسة العسكرية: هل تتغير آليات صناعة القرار الأمني؟

من الخطأ اختزال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في شخص رئيس هيئة الأركان أو رئيس الحكومة، لأنها تتكون من شبكة مؤسسات تشمل الجيش، والموساد، والشاباك، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، ومؤسسات التخطيط والرقابة.

لكن وصول شخصية ذات خلفية عسكرية إلى رئاسة الحكومة قد يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقة بين هذه المؤسسات.

مراجعة العلاقة بين التقدير العسكري والقرار السياسي

قد يسعى آيزنكوت إلى تقليص الفجوة بين التقدير المهني للأجهزة الأمنية والقرارات السياسية، خصوصاً بعد الجدل الذي أثارته هجمات 7 أكتوبر حول آليات تقييم التهديدات ومصداقية المعلومات الاستخباراتية.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة توسيع استقلالية المؤسسة العسكرية على حساب الحكومة، بل قد يؤدي إلى بناء صيغة أكثر انتظاماً لتبادل التقديرات وتحديد المسؤوليات.

والسؤال الذي يستحق المتابعة هو ما إذا كان آيزنكوت سيعتمد على قيادة أمنية جماعية وآليات تشاور أكثر مؤسسية، أم سيعيد تركيز القرار الاستراتيجي في مكتب رئيس الحكومة.

التحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر: إعادة توزيع المسؤولية

يمثل التحقيق في الإخفاقات الأمنية والسياسية السابقة للهجوم أحد أكثر الملفات حساسية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بتحديد الأخطاء الاستخباراتية أو العسكرية، بل تشمل القرارات السياسية التي شكلت بيئة التقدير الأمني، ومدى تأثيرها في تقييم التهديدات والإنذار المبكر.

وقد يؤدي فتح تحقيق رسمي شامل إلى إعادة توزيع المسؤولية بين القيادة السياسية والعسكرية والاستخباراتية.

لكن لا ينبغي افتراض أن آيزنكوت سيحصل تلقائيا على تفويض سياسي يسمح له بفرض تحقيق غير محدود، أو أن التحقيق سيؤدي بالضرورة إلى محاسبة جميع الأطراف.

فالنتائج ستتوقف على صلاحيات لجنة التحقيق، وطبيعة الوثائق التي ستتاح لها، ومدى استقلاليتها، وموقف الأطراف السياسية والمؤسسات الأمنية من نشر نتائجها.

العقيدة الأمنية الإسرائيلية: التغيير المحتمل في إدارة الصراع لا في أهدافه بالضرورة

يمثل هذا المحور أساس التقييم الاستراتيجي، لأن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية ينبغي قياسه من خلال انعكاساته على السياسات الأمنية والعسكرية، وليس من خلال موقعه داخل الخريطة الحزبية فقط.

لقد تشكلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مجموعة من العناصر، أبرزها المحافظة على التفوق العسكري، والاعتماد على الاستخبارات والإنذار المبكر، والقدرة على نقل المواجهة إلى بيئة الخصم، واستخدام القوة الاستباقية، والمحافظة على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

بل إن مواقفه المعلنة بشأن غزة ولبنان والتجنيد والردع تشير إلى استمرار عدد من الثوابت الأمنية، وإن كان من الممكن أن تختلف آليات تنفيذها.

  • غزة: هل تتغير إدارة الحرب أم تتغير أهدافها؟

من أبرز مواقف آيزنكوت المعلنة خلال حملته الانتخابية تعهده بتفكيك القدرات العسكرية لحركة حماس وإنهاء حكمها في غزة خلال فترة محددة، وفق ما نقلته التغطيات الانتخابية.

كما أن برنامجه لا يتضمن إعلانا عن تبني حل سياسي شامل يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وتشير مقابلاته المنشورة إلى أنه لا يؤيد إقامة دولة فلسطينية في الظروف المطروحة، وإن كان قد تحدث عن تفضيل وجود السلطة الفلسطينية على استمرار حكم حماس في حال المقارنة بين الخيارين.

وهذا المعطى مهم لأنه يحد من إمكانية تصوير آيزنكوت باعتباره ممثلا لتحول سياسي جوهري في الموقف الإسرائيلي من القضية الفلسطينية.

فقد تتغير طريقة إدارة العمليات العسكرية، وقد تتراجع بعض الخلافات مع واشنطن بشأن أسلوب إدارة الحرب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث تحول في الأهداف المتعلقة بالسيطرة الأمنية على القطاع أو مستقبل السيادة الفلسطينية.

  • الضفة الغربية: التمييز بين ضبط العنف وتغيير منظومة السيطرة

قد يسعى آيزنكوت إلى إعادة تنظيم إدارة الملف الأمني في الضفة الغربية، خصوصاً في ما يتعلق بعنف المستوطنين وتوزيع الصلاحيات بين المؤسسة العسكرية والإدارة المدنية.

لكن انتقاد بعض الممارسات لا يساوي تبني سياسة تنهي الاستيطان أو تغير طبيعة السيطرة الإسرائيلية.

وهنا يجب مراقبة القرارات الفعلية المتعلقة بالتوسع الاستيطاني، والإدارة المدنية، والقيود المفروضة على الفلسطينيين، ومحاسبة المعتدين، والقرارات المرتبطة بالأراضي والموارد.

فالمعيار الحقيقي لأي تغيير ليس الخطاب السياسي، بل ما إذا كانت السياسات الحكومية ستؤدي إلى تغيير ملموس في الوقائع الميدانية.

  • لبنان وحزب الله: استمرار الردع القائم على الكلفة العسكرية

تستحق خلفية آيزنكوت في القيادة الشمالية اهتماما خاصا، لأنه كان قائدا للمنطقة الشمالية خلال مرحلة تصاعد التوتر مع حزب الله، وارتبط اسمه بمقاربة الردع التي تستند إلى فرض كلفة عسكرية وبنيوية مرتفعة على الخصم.

وقد اشتهرت هذه المقاربة بما ارتبط في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية باسم “عقيدة الضاحية”.

ومن ثم، لا توجد قاعدة موضوعية لافتراض أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة سيؤدي إلى تخفيف المواجهة مع حزب الله.

قد يتغير تقدير المخاطر أو مستوى التنسيق مع واشنطن وباريس بشأن الترتيبات الحدودية، لكن استمرار الضغط العسكري والردع يظل جزءاً من الاحتمالات التي ينبغي أخذها في الاعتبار.

  • إيران: استمرار اعتبار القدرات الصاروخية والنووية تهديدا استراتيجيا

من غير المرجح أن تخرج إيران من قائمة الأولويات الأمنية الإسرائيلية في ظل أي حكومة مقبلة. لكن طبيعة التعامل مع طهران قد تتأثر بالاختلافات في تقدير كلفة العمليات العسكرية المباشرة، ومدى الاعتماد على العمل الاستخباراتي، والتنسيق مع الولايات المتحدة، وإدارة المواجهة غير المباشرة.

وهنا ينبغي عدم الخلط بين تغيير أسلوب المواجهة وبين التخلي عن أهداف منع إيران من امتلاك قدرات تعتبرها إسرائيل تهديدا وجوديا أو استراتيجيا.

العلاقة مع الولايات المتحدة: إعادة تنظيم الشراكة دون افتراض تغيير جوهرها

تمثل واشنطن أحد المحددات الأساسية للخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب المساعدات العسكرية، بل أيضاً بسبب التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، والتنسيق العملياتي، والدعم الدبلوماسي، والتأثير الأمريكي في إدارة الأزمات الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، فإن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، إذا تحقق، قد يتيح إعادة تنظيم العلاقة مع الإدارة الأمريكية، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير طبيعة التحالف، ويمكن تحديد ثلاثة مسارات محتملة:

المسار الأول: إعادة بناء الثقة السياسية.

قد يحاول آيزنكوت تقليص الخلافات العلنية مع واشنطن، وإعادة تنظيم قنوات التشاور بشأن غزة وإيران ولبنان، وتقديم حكومة أكثر قابلية للتنسيق مع الإدارة الأمريكية.

المسار الثاني: استمرار التباين بشأن إدارة الصراع الفلسطيني.

حتى مع تحسن العلاقة السياسية، قد تستمر الخلافات بشأن مستقبل غزة والاستيطان والحقوق الفلسطينية، لأن هذه الملفات ترتبط بمصالح داخلية إسرائيلية لا يمكن اختزالها في الموقف الأمريكي.

المسار الثالث: المحافظة على التحالف الأمني.

من غير المرجح أن يؤدي تغيير رئيس الحكومة إلى مراجعة جذرية للشراكة العسكرية والاستخباراتية مع واشنطن، نظراً لارتباطها ببنية الأمن القومي الإسرائيلي.

والنقطة التي ينبغي الانتباه إليها هي أن الإدارة الأمريكية قد ترى في التغيير السياسي فرصة لإعادة تنظيم العلاقة مع إسرائيل وتقليص الخلافات في إدارة الأزمات، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخليها عن المصالح الاستراتيجية التي يقوم عليها التحالف.

التداعيات الإقليمية: هل يتغير سلوك إسرائيل تجاه محيطها؟

لا يمكن تقييم التحول السياسي الإسرائيلي من دون دراسة انعكاساته على البيئة الإقليمية، خصوصاً أن إسرائيل دخلت مرحلة تتداخل فيها جبهات غزة ولبنان وسوريا وإيران، مع تصاعد أهمية الترتيبات الأمنية في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

القضية الفلسطينية: اختبار التحول الحقيقي

سيكون الموقف من القضية الفلسطينية المؤشر الأهم على مدى الاختلاف بين حكومة محتملة بقيادة آيزنكوت وحكومة نتنياهو.

فإذا اقتصر التغيير على تخفيف التوتر مع الولايات المتحدة وتحسين صورة إسرائيل الخارجية، مع استمرار السياسات الميدانية نفسها، فإن التحول سيكون في إدارة الصراع وليس في بنيته.

أما إذا شهدت المرحلة المقبلة تغيراً في سياسة الاستيطان، وطبيعة السيطرة على غزة، والاعتراف بالحقوق السياسية الفلسطينية، فسيكون ذلك مؤشراً على تحول أعمق.

لبنان: حسابات الردع وحدود التسوية

قد تشهد السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان إعادة تقييم لطبيعة الترتيبات الأمنية المطلوبة على الحدود، مع استمرار المطالبة بتقييد قدرات حزب الله العسكرية.

لكن الخلفية العسكرية لآيزنكوت ومواقفه السابقة لا توفر أساسا للقول إنه سيتبنى مقاربة أقل تشددا.

وسيكون من الضروري متابعة العلاقة بين الحكومة الجديدة المحتملة والمؤسسة العسكرية، خصوصاً بشأن مناطق الانتشار والعمليات الحدودية وشروط أي تفاهم أمني.

سوريا: مراقبة إعادة تشكل البيئة الأمنية

ستظل سوريا جزءا من حسابات الأمن الإسرائيلي، خاصة في ما يتعلق بالجنوب السوري، والوجود العسكري الخارجي، وحركة الجماعات المسلحة، وأي ترتيبات إقليمية قد تؤثر في التوازن الحدودي.

وقد تتغير أولويات العمليات الإسرائيلية وفق التطورات الميدانية، لكن ربط هذا التغيير مباشرة بآيزنكوت سيكون سابقا لأوانه.

شرق المتوسط: امتداد المصالح الأمنية إلى المجال البحري

تظل العلاقة مع قبرص واليونان، والتعاون في مجالات الطاقة والأمن البحري، من عناصر الحضور الاستراتيجي الإسرائيلي في شرق المتوسط.

وقد تتأثر طبيعة التنسيق الإقليمي بتوجهات الحكومة الجديدة، لكن هذه الملفات ترتبط بمصالح اقتصادية وأمنية ممتدة، ولا تتوقف على شخصية رئيس الحكومة وحدها.

السيناريوهات الاستراتيجية لمستقبل تشكيل الحكومة

استنادا إلى النتائج الرسمية، ومواقف الأحزاب المعلنة، والتناقضات الائتلافية، يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية:

 السيناريو الأول: تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت من خلال تسوية داخل المعسكر المناهض لنتنياهو مسار قابل للتفاوض

يقوم هذا السيناريو على توصل آيزنكوت إلى صيغة ائتلافية تجمع الأحزاب اليهودية الأربعة، مع الحصول على دعم أو امتناع برلماني من أطراف أخرى.

لكن نجاح هذا المسار يتطلب تسوية بشأن رئاسة الكنيست، والخدمة العسكرية، والعلاقة مع الأحزاب العربية، وتوزيع الحقائب السيادية. وهو مسار قد يسمح بتشكيل حكومة جديدة دون الحاجة إلى إدخال جميع القوى التي أوصت بآيزنكوت في الائتلاف.

 السيناريو الثاني: حكومة أقلية بدعم خارجي من الأحزاب العربية أو بعض الأحزاب الدينية: معوقات ائتلافية كبيرة

يقوم هذا السيناريو على تشكيل حكومة لا تمتلك أغلبية ائتلافية كاملة، لكنها تستطيع الحصول على الثقة البرلمانية من خلال تفاهمات مع أطراف خارج الحكومة.

وتستحق هنا الإشارة إلى تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” بشأن بحث آيزنكوت وفريقه صيغة تعتمد على امتناع رعام ويهدوت هتوراة عن التصويت في تصويت حاسم، مع تفاهمات برلمانية أوسع. لكن التقرير نسب المعلومات إلى مصادر غير مسماة، كما أن حزب يشار أكد أنه لا يستطيع تأكيد الرواية المتداولة. لذلك لا يجوز التعامل مع هذه الصيغة باعتبارها اتفاقاً تم التوصل إليه.

وتظل هذه الصيغة معقدة بسبب موقف ليبرمان من الاعتماد على الأحزاب العربية أو الدينية، وبسبب الخلاف الجوهري حول قانون التجنيد.

 السيناريو الثالث: حكومة وحدة أو تسوية سياسية مع الليكود

قد يفرض استمرار الانسداد التفاوض على صيغة حكومة وحدة واسعة، أو اتفاق لتقاسم السلطة، لكن هذا الخيار يصطدم بخلافات جوهرية بشأن نتنياهو، والتحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر، وموقع الأحزاب الدينية، وشروط التناوب على رئاسة الحكومة.

كما أن رفض آيزنكوت السابق لصيغة تسمح لنتنياهو بالاستمرار في رئاسة الحكومة يجعل هذا المسار أكثر تعقيداً.

 السيناريو الرابع: فشل المفاوضات واستمرار حكومة تصريف الأعمال

إذا فشل آيزنكوت في تشكيل حكومة، يمكن أن تنتقل العملية إلى تكليف شخصية أخرى وفق الإجراءات الدستورية، أو تدخل البلاد في مرحلة جديدة من الانسداد السياسي.

وفي حال استنفاد المسارات الدستورية من دون تشكيل حكومة تحظى بثقة الكنيست، قد تتجه إسرائيل إلى انتخابات مبكرة، مع استمرار الحكومة القائمة في تصريف الأعمال خلال المرحلة الانتقالية.

وتمنح القواعد القانونية المكلف 28 يوما لتشكيل الحكومة، مع إمكانية تمديد المدة حتى 14 يوماً بقرار من الرئيس. كما أن الحكومة الجديدة لا تصبح قائمة بصورة نهائية إلا بعد عرض برنامجها وتشكيلتها على الكنيست والحصول على ثقته.

الخلاصة والتقدير الاستراتيجي

تكشف نتائج انتخابات أكتوبر وتكليف غادي آيزنكوت عن أزمة في قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على إعادة إنتاج أغلبية حاكمة مستقرة، أكثر مما تكشف عن انتقال مكتمل إلى توجه سياسي جديد.

فنتنياهو فقد القدرة على المحافظة على الأغلبية التي استند إليها، لكن ذلك لم يؤد إلى ظهور بديل يمتلك برنامجاً ائتلافياً متماسكاً. وآيزنكوت، رغم حصوله على توصية 67 نائبا، لا يمتلك حتى الآن ضمانات تشكيل حكومة مستقرة، لأن هذه التوصيات تجمع قوى تتباين في تصوراتها بشأن العلاقة مع الأحزاب العربية، والخدمة العسكرية، ومستقبل الدولة وسياساتها الأمنية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الصراع الحقيقي لا يدور حول شخصية رئيس الحكومة وحدها، بل حول إعادة توزيع السلطة داخل مؤسسات الدولة، وتحديد الجهة التي تمتلك القدرة على توجيه القرار السياسي والأمني خلال المرحلة المقبلة.

وعلى المستوى الداخلي، يمثل ملف التجنيد أحد الاختبارات الأكثر حساسية؛ لأنه يكشف حدود قدرة القيادة الجديدة المحتملة على إعادة توزيع الالتزامات الاجتماعية والعسكرية. كما أن الخلاف بشأن رئاسة الكنيست والتحقيق في التدخل الخارجي المزعوم في الانتخابات يكشفان عن أن المعركة تتجاوز تشكيل الحكومة إلى السيطرة على أدوات التأثير المؤسسي وتحديد قواعد الشرعية السياسية.

أما على المستوى الأمني، فإن الخلفية العسكرية لآيزنكوت لا تعني بالضرورة حدوث مراجعة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالمواقف المعلنة لحزبه تشير إلى استمرار التمسك بالتفوق العسكري، وإلزام المواطنين بالخدمة، وتفكيك القدرات العسكرية لحماس، والمحافظة على القوة الإقليمية الإسرائيلية. كما أن مواقفه من الدولة الفلسطينية والملف اللبناني لا توفر أساساً كافياً لتصنيفه باعتباره ممثلاً لتحول جذري في السياسات الإسرائيلية.

وبالتالي، فإن احتمال حدوث تغيير في أسلوب إدارة الصراع يبدو مسألة مختلفة عن احتمال حدوث تغيير في أهدافه السياسية والاستراتيجية.

وعلى المستوى الدولي، قد يوفر صعود آيزنكوت فرصة لإعادة تنظيم العلاقة مع الإدارة الأمريكية، وتقليص الخلافات العلنية، وإعادة بناء التنسيق الأمني. لكن المصالح العسكرية والاستراتيجية التي تربط واشنطن بإسرائيل تظل أوسع من التباين بين نتنياهو وآيزنكوت.

والتقدير الأهم هو أن إسرائيل تواجه حاليا معركة لإعادة تنظيم السلطة وتحديد مراكز القرار أكثر من مواجهتها تحولا محسوما في عقيدتها الأمنية أو في أهدافها الإقليمية.

فإذا نجح آيزنكوت في تشكيل حكومة، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون مجرد استبدال نتنياهو، بل مدى قدرته على إعادة بناء آليات اتخاذ القرار، وإدارة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، ومعالجة الانقسامات الاجتماعية والمؤسسية، وتحديد حدود استخدام القوة في الملفات الإقليمية.

أما إذا فشل، فإن الأزمة ستكشف أن القوى المناهضة لنتنياهو استطاعت تجميع أغلبية لتغيير رئيس الحكومة، لكنها لم تستطع بناء توافق كافٍ لإدارة الدولة.

وفي الحالتين، لن يكون التغيير السياسي الإسرائيلي قابلا للتقييم الحقيقي إلا من خلال القرارات الحكومية الفعلية، لا من خلال الخطاب الانتخابي أو التوصيات البرلمانية.

الخلاصة النهائية: قد تبدأ إسرائيل مرحلة ما بعد احتكار نتنياهو للسلطة السياسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة بداية مرحلة ما بعد العقيدة الأمنية التي حكمت سلوكها الإقليمي.

******

المراجع المعتمدة

أولاً – الوثائق الرسمية والبيانات المؤسسية

  1. [الرئاسة الإسرائيلية – إعلان نية تكليف غادي آيزنكوت، 7 نوفمبر 2026](https://www.president.gov.il/en/president-herzog-concludes-consultations-and-announces-he-will-task-gadi-eisenkot-with-forming-a-government/?utm_source=chatgpt.com).
  2. [الكنيست الإسرائيلي – النتائج النهائية والرسمية لانتخابات 27 أكتوبر 2026](https://main.knesset.gov.il/EN/mk/Pages/ElectionsResults26.aspx?utm_source=chatgpt.com).
  3. [الرئاسة الإسرائيلية – محضر المشاورات مع الكتل البرلمانية، 5 نوفمبر 2026](https://www.president.gov.il/en/president-herzog-concludes-round-of-consultations-with-knesset-factions-at-the-presidents-residence/?utm_source=chatgpt.com).
  4. [الجيش الإسرائيلي – السيرة العسكرية الرسمية لغادي آيزنكوت](https://www.idf.il/en/mini-sites/past-chiefs-of-staff/lt-gen-gadi-eisenkot-2015-2019?utm_source=chatgpt.com).
  5. [الكنيست – الإجراءات الدستورية لتشكيل الحكومة الإسرائيلية](https://main.knesset.gov.il/en/about/lexicon/pages/formation-government.aspx?utm_source=chatgpt.com).

ثانياً – الدراسات المستقلة والتحليل المؤسسي

  1. [المعهد الإسرائيلي للديمقراطية – تحليل النتائج الانتخابية النهائية](https://en.idi.org.il/articles/66833?utm_source=chatgpt.com).
  2. [خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي – الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل الحكومة، 30 أكتوبر 2026](https://www.everycrsreport.com/reports/IN12751.html?utm_source=chatgpt.com). يُستخدم هذا المرجع للبيانات والإطار الدستوري، وليس لتبني تفسيره السياسي.
  3. [المعهد الإسرائيلي للديمقراطية – برنامج حزب يشار وأهدافه المعلنة](https://en.idi.org.il/israeli-elections-and-parties/parties/yashar/?utm_source=chatgpt.com).

ثالثاً – التقاطعات والتسريبات والتغطيات المتعلقة بالمفاوضات

  1. [يديعوت أحرونوت – بحث صيغة حكومة أقلية وتفاهمات الدعم الخارجي](https://www.ynetnews.com/article/r1unaf4tmx?utm_source=chatgpt.com).
  2. [تايمز أوف إسرائيل – الخلافات حول رئاسة الكنيست](https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/yisrael-beytenu-democrats-demand-vote-to-replace-knesset-speaker-at-opening-session-of-26th-knesset/?utm_source=chatgpt.com).
  3. [تايمز أوف إسرائيل – موقف لجنة الانتخابات من مزاعم التزوير والتدخل الخارجي](https://www.timesofisrael.com/election-committee-director-rejects-claims-of-widespread-fraud-as-baseless/?utm_source=chatgpt.com).
  4. [تايمز أوف إسرائيل – الخلافات المؤسسية بشأن تحقيق التدخل الخارجي في الانتخابات](https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/shin-bet-police-said-to-form-task-force-to-probe-alleged-election-interference-amid-shin-bet-ag-spat/?utm_source=chatgpt.com).
  5. [جيروزاليم بوست – مواقف آيزنكوت من غزة ولبنان والدولة الفلسطينية](https://www.jpost.com/israel-election-2026/article-911464?utm_source=chatgpt.com).

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق